إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً...الإمام علي ـ كرم الله وجهه

الفتى قصي حاتم العراقي

                                               

يحدث هذا كثيراً ، إذ يجفّ القحف ، وتنتهش الروح ، وتموت بضاعة المقال .

سأفتش عن منطقة جديدة ، أطشّ فوقها سلة حروف ، وأسقيها حتى اكتمال شجرة المكتوب . على شاشة مخّي الليلة ، ثمة برنامج غنائي فخم ضخم ، اسمه " ذَ فويس " منسوخ ومولود من بطن برنامج افرنجي ، يشيل نفس اللافتة ، ويتعطر بذات النكهة . في اشهار اعلان ولادته ، قررت أن لا أشاهده ، وقلت في نفسي ، أن الأمر لا يخلو من مضيعة وقت ، يشبه الوقت الطويل الذي تخسره الناس المشتولة ، قدّام مسلسل تركي لا ينتهي . في ظهوره الأول ، أنصتُّ الى كمشة فخاخ ، تناسلت بالتقادم ، حتى انتهيت الى واحد من عتاة مشاهديه ، في مجلس العائلة الدافىء . اللذة تزداد ، كلما صدح فتيان الحلبة الحلوين ، وصبياتها الحلوات ، بتنغيمات مستلات من رفّ الطرب والملحون القديم والوسيط . الخروج على النصّ داخل الشاشة ، كان يضفي على الناطرين السامعين ، بهجة وغبطة . توزّع المدربون المغنون على أربع نكهات ، مع مغريات يوفرّها باب الشطارة والخفّة المحببة ، تغري زوم الكاميرا ، وتنعش جمهور المسرح ، الذي بدا وكأنه قد جلس فوق مصطبة الإحتياط ، ألف سنة وسنة ، حتى جاءت فرصة العياط ، فعاط ورقص وهوّسَ وشاكس وتناغم مع " هوّارات " وجبليات وغزوات عاصي الحلاني ، الذي كان بطل واقعة اسقاط الزنبقة السمراء شيرين المذهلة ، بسهام عينيه السوداوين . بقي لنا من فريق الفن والنصح والتدريب ، صابر الرباعي وكاظم الساهر ، فأما صابر ، فوجهه مثل صوته ، يمنحك دفئاً وراحة وطمأنينة ، وأما أبو وسام الجميل ، كاظم الساهر ، فلقد جلس على مقعده زمناً أطول من قعود صحبه ، وحافظ على مقترح ابتسامة موحية ، ظلت محفورة فوق وجهه ، كأنه الفتى " سيزيف الأغريقي " وهو يدفع صخرة العذاب ، فلا تندفع . من ملحوظاتي التي قد تثلم هيبة الدكة ، أن الفنانين المدربين الأربعة ، كانوا يطرون ويمدحون المغنين الأغضاض ، بتوصيفات الحضور والإطلالة والجمال وحركة الجسد ، أزيد من المصطلح الموسيقي النقدي ، حتى شاعت في تقييماتهم ، جملٌ من مثل ، أنتِ جميلة ورائعة ، وأنت صوتك حلو ، وهي حضورها خلّاب ، وتلك ملابسها أنيقة . أيضاً ، ثمة بين الجمهور ، وخلف الأستار ، لكن بمتناول الكاميرا ، آباء وأمهات ، وأخوان وأخوات ، يرقصون ويدعون الرب ، فمنهم من طار من الفرح ، ومنهم من بلّل الكواليس ، بسواخن الدمع العزيز . لديَّ قفزة كبرى وقعت في مجلس العائلة ، فالولدان نؤاس وعلي الثاني ، صارا يتابعان البرنامج ، ويتحمسان له وينطرانه ، بنفس حماستهما ولذتهما أمام وجهي توم وجيري الأثيرين . ولأنني أحرث وأنثر حرفي فوق أرض اسمها " مكاتيب عراقية ... من سِفْر الضحك والوجع " ولأنّ بيني وبين حاتم العراقي ، واقعة زاد وملح بعيدة ، ولأن إحساسي يتفاقم ويتعاظم ، بأنني أنتمي إلى شعب مهضوم مقهور ، يركض مسرعاً صوب الإنقراض ، ولأن الشعوب المهزومة على عتبات سنّ اليأس ، تفتش عن أي بارقة تبرق ، فتنستر خلفها ، ولأنني أحببت صوت الفتى قصي ابن حاتم العراقي ، ولأربعين سبب وثلاثة ، أدعوكم أن تعينوا الولد الموهوب قصي ، بالدعاء ، وبرنين الهواتف المتصل ، وأيضاً بالنصح الذي لا يورطه في اختيار أغنية سباق ، تستدعي سلة أوتار وتنغيمات ومقامات ، مصنوعة من حناجر أُم كلثوم وناظم الغزالي وحليم وعبد الوهاب ووديع ويوسف عمر ، اذ يضرب الفؤاد على باب المنصوري . في ذيل المكتوب هذا ، وقبل أن أهاجر صوب فراشي وأنخمد ، أودُّ ان أسجل انزعاجي القوي ، وحزني الكاسر ، من كثرة الفواصل الإعلانية التي من فرط طولها ومطّها ، تجعل واحدنا وواحدكم ، يتلهى بنتف ربع شعرات لحيته المبروكة ، خاصة ذلك الإعلان الطويل الملون ، الذي يظهر سلة نساء ، يمشين في عرض الشارع ، على وجوههن علامات الصحة والعافية والأمل والسرور ، الذي جعل واحدتهنّ تضحك ، حتى صار وجهها ، شارع أسنان عظيم . وهذا الحبور الشاسع ، كان بسبب أنهنَّ كنّ يستعملن حفّاظات وقاية ، نسيتُ اسمها ، لكن الإعلان المدهش ، يصفها بالناعمة والمطوية والمعطرة ، وأُم الجوانح !!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عمّان حتى الآن

قوس قزح

مقالات

عصمت شاهين الدوسكي

طَيْفٌ ٱتْ

د.خالد زغريت

نصُّ الشَّقاق

حسام عبد الحسين

نحن امريكا ولكن خلسةً

ثقافة وأدب

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

504 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع