
اللواء الطيار الركن دكتور
علوان حسون العبوسي
16 / 3 / 2026
هل السلاح النووي سيكون حاضرا اذا طال امد الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية
مقدمة
السلاح النووي أخطر أنواع أسلحة الدمار الشامل، يعتمد في قوته على الطاقة الحرارية والتدميرية الناتجة من التفاعلات داخل نواة الذرة، وقد ظهر لأول مرة عملياً في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما استخدمته الولايات المتحدة ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945. يقوم السلاح النووي على نوعين رئيسيين من التفاعلات النووية، النوع الانشطاري يعتمد على انشطار ذرات اليورانيوم او البلوتونيوم ، وتنقسم النواة وتطلق طاقة حرارية عالية تبلغ ملايين الدرجات المئوية، وطاقة تدميرية هائلة ، النوع الثاني القنبلة الهيدروجينية( الاندماجية) التي تعتمد على اندماج ذرات الهيدروجين ثم تتشكل قوة تدميرية عالية جدا. الولايات المتحدة تمتلك النوعين من هذه القنابل وباعداد لاجمالي المخزون النووي لها يصل إلى حوالي 5177 رأساً نوويا، موزعة على ثلاث مرتكزات هي الصواريخ والغواصات والقاذفات الاستراتيجية، ضمن نظام الردع النووي المعروف بالثالوث النووي، (1) وتعتبر الغواصات النووية هي اهم الركائز كونها لها القدرة على التخفي وتنفيذ ضربات دون كشفها من قبل العدو ، تصل مدياتها الى 7000 كلم .
نحن الان في اليوم الثاني عشر للحرب ولاتزال الضربات الجوية والصاروخية متواصلة مابين الولايات المتحدة واسرائيل وايران ، بالاضافة الى التصريحات الايرانية المنددة بالهجمات الامريكية والاسرائيلية ضد القدرات العسكرية والاستراتيجية والبنية التحتية لايران ، وكذلك تصريحات الرئيس الامريكي ترامب باستمرار هذه الهجمات اذا لم تمتنع ايران باستهداف القوات الامريكية وحلفائها في دول الخليج العربي، ثم خطاب المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي جاء بصيغ التهديد للولايات المتحدة واسرائيل ودول الجوار .
في تصريح لوزير الخارجية الايراني لقناة (بي بي إس) الأمريكية، أن الحرب مرشحة للاتساع لتشمل المنطقة بأسرها، معتبراً أن ذلك يمثل نتيجة مباشرة لما وصفه بـالعدوان الامريكي ، ومشدداً على أن إيران ليست مسؤولة عن تبعات هذا التصعيد !!.
كما قال إن الولايات المتحدة وإسرائيل اعتقدتا أن بإمكانهما تغيير النظام في إيران خلال أيام قليلة وتحقيق نصر سريع وساحق، لكن هذه الحسابات أخفقت (2)، وتصريحه هذا صحيح فغاية الرئيس الامريكي المعلنة في بداية الضربات الجوية يوم 28 شباط / فبراير كانت اسقاط النظام وهذه الغاية بدأت تتبدد لديه ،دلالة واضحة بعدم استدراك القدرات الايرانية بشكل دقيق او قد يكون هذا جزء من الحرب النفسية .
بالمقابل في مقابلة مع شبكة "سي بي إس"، قال الرئيس ترامب إن الحرب شارفت على الانتهاء وإن الولايات المتحدة قطعت شوطًا كبيرًا ضمن الجدول الزمني الذي حدده سابقًا، والممتد بين أربعة وخمسة أسابيع. لكنه عاد لاحقًا ليؤكد أن النصر لم يتحقق بعد وأن الولايات المتحدة ستواصل القتال حتى تحقيق هزيمة ساحقة ، (لقد بدأنا القتال للتو). (3)
كما يبدوا هناك تناقض بالتصريحات بين القيادة الأمريكية والإيرانية وهذا التناقض قد يعني تردداً في معرفة الحقيقة،واحياناً يعكس تصريحات كأداة سياسية اونفسية لإدارة الحرب بينما قد تكون هناك اجراءات بين الطرفين تجري بعيداً عن الإعلام.
تقييم الاهداف
أجمالي الأهداف التي استهدفتها الضربات الجوية للولايات المتحدة واسرائيل منذ 28 شباط - 12آذار حوالي 15000 هدف عسكري وأمني داخل إيران (4) ، تضمنت هذه الضربات القوة الصاروخية الإيرانية ،مقرات الحرس الثوري ،القواعد الجوية والدفاعات الجوية ، المنشات النووية ،قواعد الحرس الثوري ،قواعد الطائرات المسيرة ، القوات البحرية الايرانية ، البنية التحتية الايرانية ، كما نفذت ايران منذ بداية الحرب أكثر من 2500 هجوم صاروخي ومسيرة تقريباً ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية في دول الخليج ،والعراق والاردن لكن معظمها تم اعتراضه (5).
امريكا لاتقرأ التاريخ
دراسة تاريخ العدو وثقافته القتالية من أهم مبادئ التخطيط للحروب، الولايات المتحدة أحياناً لا تستوعب بالكامل طبيعة الدول التي تواجهها، إيران دولة ذات حضارة وتاريخ سياسي وعسكري طويل ، وقد اعتادت عبر تاريخها على العديد من الحروب الطويلة خاضتها ضد قوى أقوى منها . بعض هذه الحروب استمر سنوات طويلة تركت اثرها في الاستراتيجية الإيرانية، اهمها حروب ايران مع الدولة العثمانية ، ومع روسيا ،الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات استنفذت كل قدراتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية لكنها استعادة هذه القدرات بامكانيات عالية ومتطورة مستغلة ضعف الكيانات العربية والدعم الامريكي لها بعد احتلال العراق .
كيف ومتى انهاء الحرب مع ايران
من المؤكد امريكا واسرائيل خططا لوقت انهاء الحرب عبر هيئات اركانهم المشتركة آخذين بنظر الاعتبار الدروس السياسية والعسكرية المستنبطة من الحروب التي خاضاها في مواقع عديدة مختلفة خاصة الولايات المتحدة الامريكية ، التي خاضت الكثير من الحروب منذ استقلالها عن بريطانيا في 1776 ،وحتى حربها مع العراق في 2003 .
ولكن الرئيس الامريكي ترامب في مرات عديدة يصرح وكما اشرنا آنفاً وبشكل مختلف كيف انهاء هذه الحرب ، احد تصريحاته سننهي الحرب قريباً، ثم يوم 11 يصرح ضمن القناة 12 الاسرائيلية لم نوقف الحرب ، ولم احدد واقرر كيف ومتى نوقفها حتى نحقق اهدافها، هذه التصريحات تدلل الى معلومات غير دقيقة سواء من وزارة الدفاع او المخابرات المركزية مدلولاتها في ضعف التخطيط الامريكي واطالة مدة الحرب .
مما تقدم عند تحليل سلوك القيادة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب يمكننا التوصل الى ثلاث استنتاجات رئيسية:
1. اهداف الحرب سياسياً هي :
• إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.
• تدمير أو تعطيل البرنامج النووي.
• على ايران تغيير سلوكها الإقليمي.
• إسقاط النظام الايراني
هذه الأهداف تختلف في اسلوب معالجتها فكل هدف منها يتطلب مستوى مختلفاً من العمليات العسكرية،وقد افصح قائد القيادة الامريكية براد كوبر أننا نمارس سيطرة جوية واضحة على مساحات واسعة من إيران. لدينا أكثر مظلة دفاع جوي متكاملة في الشرق الأوسط، وعملياتنا الدفاعية من الجيش، البحرية، القوات الجوية، مشاة البحرية، وقوات الفضاء تؤدي بشكل ممتاز، وأن الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة انخفضت بشكل كبير (6).
2 .استراتيجية انهاء الحرب
عند التخطيط العسكري لانهاء الحرب يؤخذ بنظر الاعتبار العوامل التالية:
• الحالة التي تعتبر الحرب منتهية.
o هذه الحالة ترتبط بالفكر العسكري الذي طرحه المفكر الاستراتيجي الجنرال الالماني (كلاوزفيتز) ،عندما أكد أن الحرب يجب أن تخدم هدفاً سياسياً واضحاً وهذا الهدف قد يكون تغيير نظام سياسي، او إجبار دولة على توقيع اتفاق استعادة أراضٍي محتلة ، او إنهاء تهديد عسكري .
o تدمير القدرات العسكرية الرئيسة للعدو وعدم قدرته لمواصلت القتال
o قبول العدو بشروط التسوية المفروضة عليه.
o وصول الحرب إلى مرحلة الاستنزاف غير المجدي وعدم وجود حسم عسكري واضح.
o ضغط دولي لانهاء الحرب بسبب تهديدها للامن الدولي .
• من سيحكم البلد بعد ذلك . عند التخطيط لإسقاط نظام سياسي معين ، فإن السؤال عن من سيحكم بعد سقوط النظام لا يقل أهمية عن العمليات العسكرية نفسها، لأن غياب الإجابة الواضحة قد يؤدي إلى فراغ سياسي خطير. وقد أظهرت تجارب مثل ما حدث في العراق بعد عام 2003 أن مرحلة ما بعد الحرب كانت أكثر تعقيداً من الحرب نفسها منها الاضرار بالبلد بشكل كبير جدا اتضحت لاحقا ان استهدافه كان الغرض منها اضعاف العراق كاقوى بلد عربي يرفض الهيمنة الامريكية والصهيونية.
• حكومة انتقالية من داخل النظام . قد يظهر جناح من داخل النظام نفسه ، مثل شخصيات سياسية أو عسكرية بتولى الحكم مؤقتاً وغالباً يكون الهدف الحفاظ على استقرار الدولة ومنع الفوضى.
• حكومة معارضة من الخارج. هناك جماعات معارضة إيرانية في الخارج قد تحاول تشكيل حكومة انتقالية.
• سيطرة المؤسسة العسكرية . قد تتولى المؤسسة العسكرية السلطة مؤقتاً، وهذا موضوع قد لايناسب الولايات المتحدة الامريكية لاعتبارات معروفة لما لها من تهديدفي الداخل الايراني والاقليمي من خلال فروعه الارهابية .
الرئيس الامريكي ترامب يرغب من يحكم ايران جهة مقبولة امريكيا
في الحقيقة فكرة موضوع رغبة رئيس دولة كبرى مثل دونالد ترامب أو غيره من القادة الأمريكيين القرار على وجود حكومة إيرانية مقبولة أمريكياً ، هذا يصطدم بواقع سياسي في الداخل الايراني. عملياً لا يمكن فرض قيادة مستقرة في دولة كبيرة من دون نوع من التوافق الداخلي، ومع ذلك هناك عدة اساليب توافقية عامة قد تحاول الولايات المتحدة تحقيقها هي :
التغيير من داخل النظام نفسه . وهو أكثر الاساليب واقعية في ظهور تيار سياسي أكثر اعتدالاً يقبل التفاهم مع الغرب ويكون لديها قدر من الشرعية داخل البلاد .
حكومة انتقالية بدعم دول .أحياناً يتم تشكيل حكومة انتقالية بدعم دولي بعد الحرب، تشارك فيها شخصيات مختلفة من الداخل والخارج.
دعم المعارضة السياسية. قد تحاول الولايات المتحدة دعم قوى المعارضة الايرانية في الخارج ( مجاهدي خلق ) لكي تصل إلى الحكم.
صعوبة فرض قيادة من الخارج .اي قيادة تُفرض دون قبول داخلي واسع قد تواجه رفض سياسي او مقاومة داخلية .
موقف ايران في ظل المرشد مجتبى خامنئي
في ظل القيادة الجديدة المتشددة قد تفرض ايران واقعا جديدا ضد الولايات المتحدة واسرائيل ودول الجوار جاء ذلك من خلال خطابه اذكر بعض فقراته في ادناه :
• إيران ستثأر لدماء القادة الذين قتلوا في الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.
• العمل على مبدء ولاية الفقيه في تصدير الثورة المعمول بها في النظام الايراني.
• أن الحرب ستستمر حتى إجبار الأعداء على التراجع.
• استخدام مضيق هرمز كسلاح استراتيجي، ويجب الاستفادة من غلقه.
• أشار إلى دور (محور المقاومة) في توسيع المواجهة إذا استمرت الهجمات.
• أشاد بالحلفاء الإقليميين مثل القوى المتحالفة مع إيران.
• دعا الشعب الإيراني إلى الصمود والوحدة في مواجهة الحرب.
• تم مواجهتنا من قواعد العدوفي دول الجوارونحن مجبرين على الرد.
• ضرباتنا القوية اخرجت العدومن وهم السيطرة على وطننا وتجزئته.
• نوصي بتعطيل القواعد الامريكية فوراً لان ابناء شعبنا قتلو انطلاقاً منها .
• من الان سنضطر لمواصلة استهداف القواعد الامريكية بالمنطقة .
• على دول المنطقة تحديد موقفها من المعتدين.
• مستعدون لاقامة علاقة قائمة على الصداقة مع جميع دول الجوار.
استنتاج
يمكن استنتاج من خطاب مجتبى خامنئي بكونه القائد الاعلى للقوات المسلحة بانه خطاب حرب أكثر منه خطاب تسلم سلطة بعد وفاة والده علي خامنئي، مشيراً ان إيران دخلت فعلياً في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة و إسرائيل منذ الضربات الجوية ( زئير الاسد ) التي بدأت 28 شباط /فبراير 2026. ومن منظورسياسي عسكري يمكن استخلاص عدة دلالات استراتيجية من مضمون الخطاب .
• سياسياً . ألثأر لوالده علي خامنئي ،الاستمرار في النهج الثوري الحالي، رفض الاستسلام بمعنى أن القيادة الجديدة لن تغيّر المسار الاستراتيجي للنظام، تحويل الحرب إلى حرب إقليمية بدلاً من حرب داخل إيران فقط ،ثم الضغط على الاقتصاد العالمي باستخدام المضائق والطاقة، السعي لعلاقات طيبة من دول الجوار عند انسحاب القوات الامريكية منها.
• عسكرياً. ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة ، توسيع جبهات الصراع عبر الحلفاء ، استخدام عقيدة الحرب التقليدية والحرب غير التقليدية التي اعتمدها الحرس الثوري الإيراني منذ الثمانينيات، ، تعطيل الملاحة النفطية ، تهديد الاقتصاد العالمي ،تفعيل شبكة الوكلاء الإقليميين في المنطقة( الحوثيين ، الحشد الشعبي ،حزب الله )
هل خطاب مجتبى علي خامنئي يدل على أن إيران تستعد لحرب طويلة، أم أنه خطاب يسبق قبول وقف إطلاق النار؟
يمكن قراءة خطاب مجتبى خامنئي بطريقتين في التحليل العسكري-السياسي:
إما أنه خطاب تعبئة لحرب طويلة، أو أنه خطاب يمهد للدخول في مفاوضات ووقف إطلاق النار.
1 . دلائل على حرب طويلة
• دلائل الاستعداد لحرب طويلة. لثأر للشهداء، استمرار المقاومة، عدم الاستسلام ،استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وتوسيع جبهات القتال الإقليمية السيطرة على الملاحة البحرية،وهذا يعني الاعتماد الحرس الثوري الإيراني التي صُممت أساساً لخوض حرب استنزاف طويلة.
• دعم وتنشيط افعال حلفاء ايران في المنطقة. منهم حزب الله ، انصار الله ، الحشد الشعبي، دلالة لتوسيع الحرب اقليمياً بدل حصرها داخل أراضيها.
2 . دلائل لوقف إطلاق النار . مؤشرات قد تدل على تمهيد لوقف إطلاق النار تتمثل بالرد دون هوادة ، الدفاع ضد التهديد المعادي ، والصمود تجاه كل التهديدات، بالاضافة الى تمكين ادوار الدفاع الجوي والقوة الصاروحية الايرانية .
خطاب مجتبى خامنئي تضمن ازدواجية من المعايير منها التعبئة للحرب بالاضافة الى السعي السياسي للتفاوض اذا تطلب الامر ذلك، وعلى العموم هذا يعني في المرحلة الحالية الاستراتيجية الإيرانية على الأرجح ستكون حرب استنزاف لإجبار العدو على التفاوض.
ماهو رد فعل الرئيس الامريكي ترامب بعد خطاب مجتبى خامنئي
جاء رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سريعاً وغاضباً ، وتضمن ثلاث رسائل رئيسية عسكرية وسياسية
• . الرئيس الامريكي ترامب ردّ بلهجة غاضبة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تملك قوة نارية غير مسبوقة وأن القيادة الإيرانية ستدفع ثمناً كبيراً إذا استمرت في التصعيد، ثم أشار أن ما سيحدث لاحقاً سيُظهر للإيرانيين نتائج تحدي الولايات المتحدة، في إشارة إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية. (7)
• الرئيس ترامب قلّل من شخصية المرشد الجديد، وقال إن القيادة الإيرانية الحالية تضررت بشدة بعد الضربات العسكرية الأخيرة واشار ان المرشد الجديد قد يكون ضعيفاً أو غير قادر على إدارة الحرب(8).
• وهذه الرسالة موجهة ليس فقط إلى إيران بل أيضاً إلى الداخل الإيراني لإظهار ضعف القيادة الجديدة.
• .الرئيس ترامب قال إن العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران حققت نتائج كبيرة منذ بدايتها، وأنها دمرت عدداً كبيراً من الأهداف العسكرية الإيرانية.(9)
وجه الرئيس الامريكي ترامب رسالة ردع لا جبار إيران على القبول بإنهاء الحرب بشروط أمريكية.
هل تنتهي الحرب بعد تحقيق اسقاط النظام الايراني
من غير الواضح تماماً أن هدف الحرب كان إسقاط النظام الإيراني بشكل عملي ومدروس، اسبابه كثيرة فايران بلد كبير من حيث المساحة( 1.700000) والسكان( 90 مليون)، ونهج القيادة المعقد الذي اشرنا له في دراسة سابقة نشرت في هذا الموقع المميز ، بالاشارة ان تعرض سلاح الجو والقدرات السبرانية الامريكية والاسرائيلية ،لايمكنها تحقيق هذا الهدف وانما التمهيد له، عليه يتطلب ذلك قوات برية كبيرة ، مالم يكن اسقاط النظام من الداخل وهذا لم يظهر بوضوح بعد مرور اسبوعين للتعرض الامريكي الاسرائيلي ،ولكن على الارجح قد يكون الهدف الحقيقي هو الضغط العسكري الواسع لإجبار إيران على تغيير سلوكها أو الدخول في تسوية سياسية،وبالتالي فإن نهاية الحرب قد تكون سياسية أكثر منها عسكرية .وبرايي ان القيادة الامريكية بمعظم التصريحات الحالية التي نطالعها تسعى لهذا الهدف .
لو فرضنا هجوم امريكي بري على ايران لاسقاط النظام
. هجوم بري على دولة كبيرة مثل إيران يتطلب قوات برية ضخمة باسناد جوي يصعب تنفيذه مقارنة بحروب أخرى في المنطقة، مثل حرب العراق 2003 ،حيث استخدمت فيه القوات الامريكية / البريطانية والقوات الحليفة 150 الف جندي باسناد جوي ولوجستي من دول الخليج العربي استمر التعرض حوالي ثلاث اسابيع ،عليه الوضع مختلف تماماً في إيران، من حيث النفوس والمساحة والطبيعة الجغرافية مما يتطلب اضعاف مضاعفة من القوات بالاضافة الى وقت اطول .
المشكلة ما بعد إسقاط النظام باستخدام القوات البرية
وهي المرحلة الاخطر في ادارة الدولة الايرانية سياسياً وامنياً، مما يحتاج مئات الالاف من الجنود لفترة طويلة وهذا أحد الأسباب التي تجعل أن الغزو البري لإيران خيار شديد الصعوبة، بل هو ضرب من الخيار في الظروف الامريكية الاسرائيلية بدون دعم دولي بتفويض مجلس الامن .
بعد ان توصلنا الى عدم جدوى الهجوم البري بمقارنة بسيطة لحرب العراق 2003 ، فالحل الانسب ممكن يكون كما ياتي :
1. تكثيف الضربات الجوية الدقيقة بهدف الهدف إضعاف القدرات العسكرية (القواعد الجوية،الصواريخ ارض – ارض ،مراكز القيادة والسيطرة ، كل مايتعلق بهذه القدرات)، لاضعاف قدرات ايران على مواصلة القتال دون التورط في حرب برية واسعة
2 . الضغوط الاقتصادية والسياسية . مثل عقوبات اقتصادية ، ضغوط سياسية، جهود وساطات دولية ، وذلك لخلق بيئة تدفع ايران قبول تسوية سياسية .
هل ترفض ايران كل الحلول السياسية سواء الاممية والامريكية وتستمر الحرب كحرب استنزاف
قد ترفض إيران كل الحلول السياسية الصادرة من مجلس الامن والولايات المتحدة وأظهار الاستعداد لمواصلة القتال كحرب استنزاف هو احتمال وارد كنوع من الهيبة والعنجهية الايرانية التي اعتادة عليها في مواقفها السياسية بغض النظر لما قد يحدث من خسائر مادية وبشرية ، استخدام الاستنزاف كورقة تفاوض لاطالة امد الحرب بهدف زيادة التكلفة على العدو ، وخلق ضغط سياسي لوقف الحرب وتحسين شروط التفاوض ، قرار الاستمرار أو القبول بالتسوية يتأثر عندما يضغط الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد ،وقدرة الدولة على تحمّل استمرار العمليات. ومع ذلك التجربة التاريخية تشير إلى أن القرار الإيراني غالباً البحث عن مخرج سياسي لمصلحتها ومصلحة عملائها خارج ايران ومليشياتها في العراق ولبنان واليمن وغيرها .
التاريخ يوضح أن إيران لم ترفض التسوية إلى ما لا نهاية. ففي الانتصار العراقي عليها بعد ثمان سنوات من الحرب رضخت بالنهاية على قرار مجلس الامن الدولي 598 في 18 تموز 1988 بوقف اطلاق النار في الحرب عندما أصبحت كلفة الحرب المادية والبشرية مرتفعة جداً، واطلق خميني مقولته المشهورة ( اوقفت الحرب بعد تجرع السم )، وهذا يعني ارغم على قبولها .
دول الخليج العربي والاردن تواجه ايران وفق القانون الدولي
تقدمت دول الخليج ومعها الاردن الى مجلس الامن الدولي شكوى لما تقوم به ايران باستهداف اراضيهما بالصواريخ البلاستية والطائرات المسيرة منذ بدء التعرض الامريكي الاسرائيلي في 28 شباط/ فبراير 2026 . وقد اصدر مجلس الأمن الدولي القرار المرقم 2817 في 11 آذار/مارس 2026، أدان الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، واعتبرها انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين. وقد أُقرّ القرار بأغلبية 13 صوتًا مع امتناع روسيا والصين دون أي فيتو(10).
القرار إدان استهداف البنية التحتية المدنية والملاحة في الخليج العربي، لكنه لا يتضمن إجراءات عقابية مباشرة سواء اقتصادية ملزمة او استخدام القوة او تشكيل قوات دولية . عليه فهو ليس حلا للازمة القائمة بل هو بداية مرحلة الضغط الدولي على إيران (11)
إذا استمرت الهجمات، قد يصدر مجلس الأمن قرارات لاحقة مثل، فرض عقوبات دولية جديدة او حظر سلاح أو تجميد أصول. أو تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لكن هذا يتطلب عدم استخدام الفيتو من القوى الكبرى.
بعد صدور القرار ، صرّح مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرفاني بأن طهران لا تعترف بالتصويت الذي تبناه مجلس الأمن، واعتبر القرار منحازًا لأنه أدان الهجمات الإيرانية ولم يتطرق إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، والقرار عبارة عن إساءة استخدام واضحة لمجلس الأمن لتجاهله ما تعتبره إيران عدوانًا عليها، مؤكداً أن إيران تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.(12)
خيار استخدام الاسلحة النووية
من اهم الدروس المستنبطة من الحرب العراقية الايرانية ( 1980 – 1988)،هي الاسباب التي ادت ايران اطالت زمن الحرب الى ثمان سنوات بهدف وجوب تحقيق نصرها على العراق ثم التمدد في اقطار اخرى لتحقيق مبدء ولاية الفقية ، رغماً عن خسائرها الكبيرة مادياً وبشرياً . وكان العراق قد توقف بعد استعادت كافة اراضيه المحتلة من قبلها ، وطالبها بايقاف القتال بعد اسبوعين من بدئها لكن ايران رفضت بلسان خميني قائلاً (ما الذي دعا صدام لهذا العمل حتى يقع الان متوسلا بهذا وذاك قائلا تعالو اصلحوا بيننا كيف يمكن ان نتصالح ؟ ومع من نتصالح ، ان هذا شبيه بان يطالب من رسول الله التصالح مع ابي جهل على انه لاتصالح في هذا الامر)، واتهمت العراق بانه غير قادر على استكمالها ، اسباب ذلك كثيرة اهمها ،ان ايران تخطط لاهداف توسعية تشمل معظم دول العالم وفق مبدء تصدير الثورة التي اوضحتها المادة الثانية من دستور ثورته في شباط / فبراير 1979 (13)، ارتكازاً لمفهوم ولاية الفقيه ، وقد كان العراق قد ادرك ذلك واستمر في قتاله دفاعاً على البوابة الشرقية للوطن العربي ، محققا نصرا ناجزا يشهد له الاعداء قبل الاصدقاء ، حتى استنفذت ايران كل قدراتها العسكرية والاقتصادية ، وبالتالي اعلنت موافقتها على ايقاف القتال في تموز / يوليو 1988.
هذه المقدمة البسيطة عن العناد الذي تمتلكة ايران اثناء الحرب ،عليه فمن المتوقع ان حربها الحالية مع الولايات المتحدة واسرائيل ستطول دون توقف رغم خسائر كافة قدراتها العسكرية التي اعلنها وزير الدفاع الامريكي .
بصورة عامة، احتمال استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي ضد إيران ضعيف جداً في الظروف الحالية، حتى لو زادت المواجهات بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وهناك عدة أسباب استراتيجية منها ان العقيدة النووية الأمريكية تاريخياً تعتبر السلاح النووي وسيلة ردع أخير وليس وسيلة قتال تقليدية يُستخدم فقط في حالات تهديد مباشر للولايات المتحدة واستخدام سلاح نووي ضدها أو ضد حلفائها ،حتى في النزاعات الكبرى مثل حرب حرب كوريا أو حرب فيتنام لم تستخدم واشنطن السلاح النووي.
عليه السلاح النووي ليس هو الحل في انهاء هذه الحرب التي لم يعرف لحد الان كيف ستنتهي وايران مصره على تواصل الحرب دون هوادة ، الدول التي تمتلك أسلحة نووية، مثل الولايات المتحدة تحتفظ بها أساساً ضمن عقيدة الردع النووي وليس للاستخدام الفعلي ، وفكرة الردع تعني اقناع العدو بأن تكلفة التصعيد ستكون كارثية بحيث يتجنب الوصول إلى تلك المرحلة. واستخدام سلاح نووي حتى لو كان تكتيكياً سيخلق تداعيات كبيرة إنسانية وقانونية وسياسية على المستوى الدولي في خطر توسع النزاع إلى مواجهة أكبر. لهذا السبب لم يُستخدم السلاح النووي في الحروب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية رغم كثرة النزاعات الكبرى في العديد من دول العالم .
عادة ما تمر الأزمات العسكرية بمراحل تصعيد تدريجية قبل التفكير في الخيار النووي ، مثل تكثيف الضربات العسكرية التقليدية ، توسيع العقوبات الاقتصادية الدولية ، الضغوط الدبلوماسية الدولية، تفعيل الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، عمليات ردع تقليدية واسعة.
ختاما
اختياري لموضوع هذا البحث المهم ينبع من سببين الاول: جاء بعد ان طرحه للمناقشة استاذنا اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس ،هل احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي من قبل الولايات المتحدة الامريكية لو تعرضت ايران لبعض قدراتها الاستراتيجية لضرر جسيم . وانا من خلال متابعاتي لواقع الحرب الدائرة منذ 28 شباط / فبراير 2026 بين الولايات المتحدة واسرائيل وايران ، والمواقف المتشنجة بين هذه الدول التي اعتبرها خارج القوانين الدولية التي اعتادة عليها ، تحديداً بقيادة الرئيس ترامب ونتن ياهو وايضا بعد الثورة الايرانية في شباط / فبراير 1979 بقيادة خميني ومن بعده خامنئي في التمدد بالعديد من دولنا العربية وافريقيا ، وفق مبادئ جاءت بها هذه الثورة .
الثاني تم التركيز على موضوع سبق ان بحثت فيه موضع نشرته في موقع الكاردينيا ( رئيس تحريرها الاستاذ جلال جرمكا في سويسرا) ، أن النظام العالمي يتجه الان ضمن نهج يجعل من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية الرادع الفعلي لسلوك الدول، فالقواعد القانونية التي صُممت لضمان العدالة والأمن الجماعي تُفرغ تدريجيًا من محتواها أمام تسييس المؤسسات الدولية، وانتقائية في تطبيق القانون.
إن مستقبل القانون الدولي مرهون بقدرته على استعادت شرعيته، وهذا لا يتحقق إلا عبر نظام عالمي يُخضِع القوة للقانون، لا العكس. أما استمرار الوضع القائم، فسيؤدي إلى مزيد من اضعاف الثقة بالمؤسسات الدولية، وتراجع فاعلية النظام القانوني، وتزايد النزاعات التي تُدار بمنطق القوة لا بمنطق العدالة. ومن هنا تأتي الحاجة الملحّة لإصلاحات جذرية تُعيد التوازن إلى النظام الدولي، وتضمن أن تكون العدالة قاعدة لا استثناء، وأن يكون القانون أداة لتنظيم العلاقات الدولية وليس غطاءً لسياسات القوة ، ومثالنا الواضح سلوك الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني، وايران في محاولة فرض سيطرتهم على منطقة الشرق الاوسط دون سند قانوني ، في القضايا التي يتطلب حلها قانوناً مع معظم الدول سواء العربية منها او الدولية مع تقديري واعتزازي بكل من يقرأ ويناقش مثل هذه المواضيع المهمة .
المراجع
1. United States nuclear weapons , 2025.
2. HIGHLIGHTS| Trump claims US role in Iran’s next leader; Araghchi says Tehran sees no reason to negotiate
3. https://www.china.org.cn/2026-03/06/content_118367877.shtml?utm_source=chatgpt.com
4. وزير الدفاع الامريكي بيت هيغسيت
5. ويكيبيديا الموسوعة الحرة .
6. قائد القيادة المركزية للولايات المتحدة، براد كوبر AFP
7. نيويورك بوست
8. Trump says he thinks iran's new supreme leader is alive but 'damaged'
9. Iran war disrupts energy supplies as Iran’s new leader resolves to keep fighting
10. ويكيبيديا الموسوعة الحرة .
11. UN Security Council adopts resolution condemning Iran's attacks on Gulf states
12. The Middle East Crisis: Votes on Two Draft Resolutions
13. ). الدستور الايراني 1979في مادته الثانية ذكر (على ولاية الامر والامة، جعله حجة مطلقة ومصدرالسلطات نائباً لله والوصي الاوحد على الاسلام والمسلمين ،حاكماً الاهياً ،ناطقاً باسم السماء ، يدعي لآرائه العصمة ولاجتهاداته اليقين ولاحكامه الكمال): من كتاب الدكتور عبد الستار الراوي :التجربة الايرانية – الواقع والمآلات.

1005 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع