
عبدالسلام محمد عارف ومحمود شيت خطاب:علاقة صداقة.. واخوة روحية ربانية

صورتان نادرتان للمرحوم الرئيس عبدالسلام محمد عارف واللواء الركن محمود شيت خطاب "يرحمهما الله" اثناء تاديتهما صلاة المغرب في حدائق القصر الجمهوري عام 1965 وبعد اداء الصلاة جلسا سوية على أرض الحديقة ليتبادلا أطراف الاحاديث في شان العراق والامة في جلسة ربانية. والصورتان من ارشيف عائلة شيت خطاب.
واللواء الركن محمود شيت خطاب يُعدّ واحدًا من أهم العقول العسكرية العربية في القرن العشرين، وقد جمع بين الخبرة الميدانية، والبحث الأكاديمي، والتنظير العسكري الإسلامي، حتى لُقّب بـ "أكبر عقلية استراتيجية عربية" في بعض المصادر.
وتُعدّ العلاقة بين الرئيس العراقي المشير الركن عبدالسلام محمد عارف واللواء الركن محمود شيت خطاب واحدة من أكثر العلاقات دلالة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، لأنها جمعت بين قائد سياسي يحمل مشروعًا قوميًا ذا روح إسلامية، وضابط مفكر يُعدّ من أبرز العقول العسكرية العربية في القرن العشرين. لم تكن العلاقة بين الرجلين علاقة منصب أو بروتوكول، بل علاقة فكرية وروحية وإنسانية انعكست بوضوح على المؤسسة العسكرية العراقية خلال الفترة 1963–1966.
لقد تميزت العلاقة بين الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف واللواء الركن محمود شيت خطاب، بكونها علاقة صداقة بل اخوة وثيقة قائمة على الثقة المتبادلة، والاحترام الشخصي، والزمالة العسكرية، حيث كان اللواء خطاب أحد أبرز الشخصيات التي قرّبها عارف خلال فترة حكمه. وفي احد احاديثه ذكر اللواء خطّاب أن الرئيس عبد السلام عارف كان يتصل به عند بداية الشهر ويقول له: (هل عندك رغبه بأن نقوم بجولة ربّانية؟).. فأذهب معه لوحدنا ويدخل إلى أخواته في بيوتهن ويعطي كل واحدة منهن مبلغا بسيطا من راتبه كمساعدة لهن على العيش . ويضيف خطّاب قائلا: ذهبتُ يوما لزيارة دار والده (الحاج محمد عارف البزاز) فوجدت الرئيس عبد السلام بنفسه هو من يُقدّم القهوة لي ولضيوفه لأن أهل البيت كانوا في خارج البيت.
ولتحقيق طموحاته قرر الالتحاق بكلية الأركان والقيادة، ليتخرج فيها عام 1947 برتبة نقيب ركن، وبعد عام من تخرجه أتيحت له فرصة المشاركة في حرب 1948 لإيقاف التوسع الصهيوني في فلسطين.وعندما وافقت قيادته على طلبه بالانضمام إلى القوات العراقية المتجهة إلى فلسطين، شارك في معارك عدة هناك استبسل فيها، ومكث في جنين أكثر من عام ثم عاد إلى العراق. وواصل محمود شيت خطاب مهامه العسكرية، وشارك في 24 دورة تدريبية في العراق عام 1953، قبل أن يلتحق بالوحدات البريطانية في تدريبها الإجمالي بشمال أفريقيا.
أبرز ملامح هذه العلاقة:
1) الزمالة والثقة: عَرِفَ محمود شيت خطاب الرئيس عبد السلام عارف منذ فترة وجودهما في الجيش العراقي، وقد ذكره خطاب بأنه كان زميلاً يلمس فيه التعاطف، وتوطدت العلاقة أكثر عند لقائهما في سجن معسكر الرشيد ايام حكم الزعيم عبدالكريم قاسم.
2) التقريب والتوزير: عند تسلم عبد السلام عارف الحكم عام 1963، عمل على تقريب محمود شيت خطاب بسبب معرفته بأمانته وكفاءته، وأصر على إشراكه في المسؤولية، حيث تولى خطاب حقيبة وزارة البلديات.
3) علاقة شخصية وروحية: وصف اللواء خطاب الرئيس عارف بـ"الصديق"، مشيراً إلى أنه كان يجمعه به "جولات ربانية" (زيارات اجتماعية) لزيارة أهله وأقاربه، وكان عارف يحرص على التواصل الشخصي معه.
4) علاقة فكرية وقومية: كلاهما آمن بأن الجيش العربي لا يمكن أن يكون قويًا دون عقيدة أخلاقية وروحية .خطاب كان يرى أن “القوة المعنوية نصف النصر”، وعارف كان يردد أن “الأمة التي لا تملك روحًا لا تملك مستقبلًا”. هذا التلاقي جعل خطاب قريبًا من الرئيس بوصفه مرجعًا فكريًا لا مجرد ضابط.
5) علاقة مهنية – عسكرية: بعد انقلاب 18 تشرين 1963 وابعاد البعثيين وجد عبدالسلام انه بحاجة إلى ضباط قوميين معتدلين يثق بهملذا وجد في محمود شيت خطاب شخصية محترفة، مستقلة، ذات قبول واسع، بعيدة عن الصراعات الداخلية، فأصبح خطاب أحد أهم المستشارين غير الرسميين لدى الرئيس عارف. وبشكل عام، كانت العلاقة بينهما نموذجاً لعلاقة رئيس دولة بقائد عسكري ومفكر اسلامي موثوق، حيث لم تكن محصورة في الجانب السياسي فقط، بل تعدتها للجانب الشخص.
6) وساطة انسانية في قضية المفكر الاسلامي سيد قطب فقد ذكرت المصادر أن اللواء خطاب من خلال علاقته الوثيقة بالرئيس عارف وما يعرفه من علاقة الثقة والمودة بين الرئيسين عارف وناصر طلب منه التوسط لدى الرئيس المصري جمال عبد الناصر لإطلاق سراح المفكر سيد قطب، الذي مضى على اعتقاله في مصر عشر سنوات من (1954 الى 1964). وهو ما استجاب له الرئيس عبدالسلام عارف وحرر رسالة شخصية بخط اليد الى الرئيس عبدالناصر والذي استجاب للوساطة واطلق سراح سيد قطب من السجن، والذي تم اعادة اعتقاله عام 1966 بقصة المحاولة الانقلابية والحكم عليه بالاعدام، وقد ارسل كل من الرئيس عبدالرحمن محمد عارف والمرجع الشيعي الاعلى السيد محسن الحكيم رسائل طلب استرحام لالغاء حكم الاعدام على سيد قطب الا ان الرسائل وصلت الى عبدالناصر بعد تنفيذ الحكم.

المفكر الاسلامي سيد قطب
وحين خرج سيد قطب من السجن أهدى مؤلفاته لعبدالسلام عارف، ومحمود شيت خطاب، وكتب لهما عليها إهداءً لطيفًا بخط يده
7) خطاب الاستقالة: رغم ثقة الرئيس عارف بمحمود شيت خطاب واعتماده عليه، الا ان الاخير تقدم بخطاب استقالة من منصبه الوزاري في عام 1964 ليتفرغ للتأليف والعمل العلمي وعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة ولجنة المصطلحات العسكرية العربية، وهو ما قبله عارف بتقدير، ومع ذلك ظل هناك تواصل بينهما، حيث اعتذر خطاب لاحقاً عن قبول منصب وزير المواصلات عام 1968 لرغبته في البقاء في القاهرة لتنفيذ أعمال علمية.
8) أثر العلاقة على المؤسسة العسكرية العراقية: بفضل دعم الرئيس استطاع خطاب من ترسيخ “العقيدة العسكرية الأخلاقية” وأن يعزز داخل الجيش مفاهيم: الانضباط القيمي، القيادة القدوة، الروح المعنوية، مركزية الأخلاق في السلوك العسكري، وأصبحت كتبه تُدرّس في الكليات العسكرية، خصوصًا بين العقيدة والقيادة والرسول القائد.ودعم التوجه القومي – الإسلامي للدولة
وجود خطاب قرب الرئيس أعطى هذا التوجه عمقًا فكريًا، خصوصًا فأصبح الجيش العراقي أقرب إلى نموذج “الجيش القومي المحافظ”.
كان عبدالسلام محمد عارف ضابطاً قومياً، متديناً، شارك في حرب فلسطين، وكان من أبرز قادة ثورة 14 تموز 1958. تميّز بشخصية بسيطة، صادقة، وميل واضح إلى المزج بين القومية العربية والروح الإسلامية.
نهاية المرحلة وتأثير وفاة عبدالسلام عارف
شكّلت وفاة الرئيس عبدالسلام عارف عام 1966 نهاية مرحلة مهمة في حياة محمود شيت خطاب. ابتعد بعدها عن المناصب التنفيذية، وتفرغ للتأليف والبحث، وأصبح رمزًا فكريًا أكثر منه ضابطًا رسميًا. يبدو أن العلاقة بينهما كانت علاقة مرحلة كاملة، لا مجرد علاقة شخصية.
إن العلاقة بين اللواء الركن محمود شيت خطاب والرئيس عبدالسلام محمد عارف تمثل نموذجًا فريدًا في تاريخ العراق الحديث، لأنها جمعت بين الفكر والسلطة، وبين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة العسكرية والقيادة الوطنية. وقد ترك هذا التلاقي أثرًا عميقًا في المؤسسة العسكرية العراقية، وفي الوعي القومي العربي، وفي الأدبيات العسكرية التي لا تزال تُقرأ حتى اليوم.
العلاقة بين الرجلين كانت أكثر من صداقة؛ كانت شراكة فكرية تركت أثرًا واضحًا في الجيش العراقي وفي مسار الفكر العسكري العربي، وما زالت تُقرأ اليوم بوصفها نموذجًا للتكامل بين القيادة السياسية والعقل العسكري

محمود شيت خطاب (الاول على اليسار) إبان توليه منصب وزير البلديات في عهد عبد السلام عارف في زيارة رسمية الى جمهورية الهند
مؤلفاته
عرف الراحل بقدرته الفائقة على تأليف الكتب، وله عشرات المؤلفات تناول فيها قضايا عسكرية وتاريخية وإسلامية وأدبية متنوعة، وأنجز سلسلة تراجم لقادة الفتح الإسلامي. وبلغ إنتاجه الفكري أكثر من 126 مؤلفا، من أبرزها:
• الرسول القائد
• طريق النصر في معركة الثأر
• الأيام الحاسمة قبل معركة المصير وبعدها
• بين العقيدة والقيادة: الوجيز في العسكرية الإسرائيلية
• حقيقة إسرائيل: دراسات في الوحدة العسكرية العربية
• أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية
• عدالة السماء
• تدابير القدر
• تاريخ جيش النبي
• دروس عسكرية في السيرة النبوية
• الإسلام والنصر
• غزوة بدر الكبرى
• المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم
• العسكرية العربية الإسلامية
وبالإضافة إلى مؤلفاته الكثيرة، كتب مئات الأبحاث والمقالات في معظم الصحف والمجلات العربية والإسلامية، وقدّم العديد من البرامج الإسلامية في مختلف الإذاعات.
وبعد حياة حافلة بالكفاح والعلم والعمل، رحل في 13 ديسمبر/كانون الأول 1998 عن عمر ناهز 79 عاما، في منزله بحي اليرموك بالعاصمة العراقية بغداد، ودفن فيها.
خاتمة
إن العلاقة بين اللواء الركن محمود شيت خطاب والرئيس عبدالسلام محمد عارف تمثل نموذجًا فريدًا في تاريخ العراق الحديث، لأنها جمعت بين الفكر والسلطة، وبين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة العسكرية والقيادة الوطنية. وقد ترك هذا التلاقي أثرًا عميقًا في المؤسسة العسكرية العراقية، وفي الوعي القومي العربي، وفي الأدبيات العسكرية التي لا تزال تُقرأ حتى اليوم.

من اليمين الدكتور عادل البكري ثم الزعيم الركن محمود شيت خطاب ثم الدكتور راجي التكريتي والرئيس حافظ عبدالقادر التقطت الصورة في مستشفى معتقل ابو غريب اثناء توقيف محمود شيت خطاب. 1960
من قرارات وزير البلديات محمود شيت خطاب المنسية
من نوادر قرارات الاستاذ اللواء محمود شيت خطاب عند توليه وزارة البلديات انه اصدر قرارا استنادا لخلفيته كعالم في اسرار اللغة العربية انه اصدر قرارا باستبدال تسمية مدينة الثورة ومدينى الشعلة كالاتي:
مدينة الثورة ابدل تسميتها الى مدينة الرافدين لان اسم الرافدين اعمق في المعنى من اسم الثورة. اما مدينة الشعلة فقد ابدلها الى تسمية مدينة النور، لان الشعلة ترمز للوثنية وعادات الفرس القديمة بعبادة شعلة النار، ولكن بعد خروجه من الوزارة عاد الاسمان كما كانا لانهما رسخا في التعامل لدى الناس مثلما ابدلت امانة العاصمة في الثمانينات تسمية الباب المعظم الى اسم ساحة المقاتل العربي. لكن التسمية القديمة رسخت في تعامل الناس.
قصة وفاته يرحمه الله
في صباح اليوم الثالث عشر من شهر كانون اول سنة 1998م، كان اللواء خطاب يجلس على كرسي عتيق تحت درج منزله، وجاءت ابنته تودعه، وقبل أن تغادر المنزل إلى الجامعة، طلب منها أن تجلس معه لتقرأ معه سورة «يس»، فجلست وجاءت زوجته وجلست قربهما وقرأت البنت سورة «يس» وكان يقرأ معها، فأحس بجفاف في حلقه بعد الانتهاء من قراءة السورة، فطلب من زوجته أن تأتيه بكأس من الماء، وأسرعت الزوجة إلى المطبخ وهي تسمع زوجها يردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.. وكررها مرارًا ثم سكت، وابنته تنظر إليه وتردد معه شهادة الحق، فأسرعت زوجته إليه لتراه كالنائم، فقد أسلم الروح لباريها. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النَّبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمود شيت خطاب يرثي زوجته التي توفيت في القاهرة 1972

رسالة تاريخية نادرة بخط يد الاستاذ المؤرخ الاسلامي اللواء الركن محمود شيت خطاب (يرحمه الله) موجهة الى فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا (يرحمه الله) الذي كلفته الكويت باعداد موسوعة الفقه الاسلامي على المذاهب الاربعة …لاحظوا ادب المخاطبة من وزير عراقي وبرتبة لواء ركن الى شيخ فقيه عالم جليل .. والرسالة واضحة جدا وممكن قراءتها بسهولة لجودة وروعة خط المرحوم محمود شيت خطاب (يرحمهم الله جميعا) ويرحم من ذكرت اسماؤهم في هذه الرسالة من العلماء الاعلام
لقد استطاع اللواء الركن محمود شيت خطاب أن يبرهن للجميع أن الضابط المتدين حريّ بالتفوق وجدير بالاحترام...
-------------------------------
نهاية الحلقة الاولى
الحلقة القادمة
لمناسبة ذكرى النكسة:دور الجيش العراقي في حرب 1948 محمود شيت خطاب انموذجا...

550 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع