
أيام زمان الجزء ٦٩ المهارشة - صراع الديكة في بغداد

تقاليد شعبية وأبعاد اجتماعية وثقافية
عراك الديكة، أو صراع الديكة، أو مُهارشة الدُّيُوك، أو مصارعة الديكة، وهو قتال وصراع دامي يكون بين ديكين، حيث أن الديوك مشهورة بمقاتلة بعضها البعض، عند لقائها والعدائية تجاه الديكة الآخرين، فيستغل بعض الناس هذه العدائية، لكي يضعوا الديكة في صراع ما بينهما، وعادةً ما تكون هناك رهانات على الديكة الفائزة، كان الفلبينيين القدماء من أوائل من اتخذ هذا الصراع كرياضة، وبعد أن وصل الإسبان إلى الفلبين اكتشفوا ذلك، وثم انتشرت في بقية أنحاء العالم، إلا أن بعض الدول منعت هذه الرياضة، بسبب أنها عنيفة ضد الحيوان حيث أنها تؤذي الديكة وكثيراً، ما تؤدي إلى موتها، وبسبب أنها توضع رهانات كبيرة عليها.
مهارشة الديكـــة هكذا يسمى في بغداد، ومن هوايات سكان العاصمة، هذه المكاسرة التي كانت شائعة في بغداد الى جانب هوايات أخرى، كناطحة الاكباش، وتربية الطيور، والمنطرد، وسماع القصة خون، وكان لهواة مكاسرة الديكة مقاهي خاصة، انتشرت في الاعظمية، وفي محلة الفضل، وباب الشيخ بالرصافة، وسوق الجديد بالكرخ، وغيرها حيث يختلف الهواة على مقهى التبانة في الفضل، وكهوة الجول في محلة باب الشيخ، وكهوة النتكة في محلة الصدرية، وفي ساعات يتفق عليها المراهنون تبدأ المهارشة بين ديكين، وكانت هذه الهواية معروفة في بغداد منذ القرن الخامس الهجري، وقد توارثها البغداديون جيلا عن جيل.

يُعد صراع الديكة في بغداد من الظواهر الشعبية القديمة، التي ارتبطت بالتراث والتقاليد الاجتماعية في المدينة. هذا النوع من الصراعات يجمع بين التسلية والتنافس، حيث يتجمع الناس في الأحياء الشعبية لمشاهدة ديكة مدربة، تتنافس فيما بينها وسط أجواء من الحماس والتشجيع. غالبًا ما تشهد هذه الفعاليات مشاركة واسعة من مختلف شرائح المجتمع، لتتحول إلى مناسبة اجتماعية تجمع الجيران والأصدقاء في جو من الألفة.
تعود جذور صراع الديكة في بغداد إلى العصور الماضية، إذ كانت هذه الرياضة الرمزية تعكس قدرة الإنسان على تدريب الحيوان وإظهار مهاراته في التعامل معه. كما أن هذه الصراعات تحمل دلالات ثقافية، إذ ترتبط بموروثات وقصص شعبية يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، وتظهر في الأغاني والحكايات البغدادية القديمة.
لعبة تجرى فيها المراهنات على الصراع بين الديكة، وتتم المباراة باجتماع المتراهنين حول حلبة مستديرة صغيرة، يتصارع فيها الديكة (تربى وتمرن على المصارعة)، وجها لوجه ثم تطلق من أيدى قابضيها، لتتصارع وتوضع في ارجلها قطع معدنية مشحوذة، حتى تكون ضرباتها مميتة، وتوجد قصص متعددة من صراع الديكة، فمنها ذات الجولة الواحدة ومنها ما تتعدد جولات حتى ينتصر احد الديكين..
ورغم أن صراع الديكة قد أثار جدلاً أخلاقيًا في العقود الأخيرة، بسبب المخاوف المتعلقة برعاية الحيوانات وأخلاقيات التعامل معها، إلا أن بعض الأحياء ما زالت تحتفظ بهذه العادة وتعتبرها جزءًا من هويتها الثقافية. في المقابل، ظهرت مبادرات تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية الرفق بالحيوان، مما أدى إلى تراجع هذه الممارسة في بعض المناطق، وتحولها إلى إرث تاريخي يُروى أكثر من كونه واقعًا معاشًا.
تاريخ قديم وعمق شعبي هذه المصارعة، جزء من التراث المحلي ويعتبرها البعض "رياضتهم المفضلة" التي تتفوق على كرة القدم. وقد استمرت ممارستها رغم الظروف الصعبة التي مرت عليها المدينة، وأن هناك من ينظم المباريات ويحضرها بانتظام. رجال من كل المستويات: تجذب هذه الرياضة في بغداد جمهوراً متنوعاً، من ضباط الجيش ورجال الأعمال إلى الموظفين والسباكين، وتقام نزالها في أماكن سرية ومحال قهوة قديمة.
سلالات مميزة من الديوك الأكثر قيمة في بغداد توصف بأنها من أصل "حراتي" أي تركي أو هندي، مما يشير إلى تأثير طرق التجارة والتبادل الثقافي القديم، في جلب هذه السلالات وتطويرها في المنطقة.
وتنحصر أنواع الديكة المتصارعة او المكاسرة بهذه الانواع:
1- الديك الهراتي: واصله من مدينة هرات المشهورة في خراسان وهو اكبر من الديك العراقي حجما وليس له عرف وعيونه حمراء ويمتاز بذيله المنخفض الى الاسفل وبالزائدة الصغيرة فوق رأسه.

2- الديك العربي او العراكي: وهو ديكنا المشهور بعرفه الكبير وبذيله المتعالي بتقوس وكذلك منقاره المدبب.
وتختلف الوان الديكين المذكورين بين الاملح (الشوكي) والاصفر، وبين الاحمر والاسود. وهما من حيث العمر، ضربان مخلف وفحل، ويتراوح عمر المخلف بين شهرين وثلاثة اشهر، وعمر الفحل بين ستة اشهر، ولا تباح المكاسرة بين مخلف وفحل لوجود (ناب) في رجل الفحل، لما يظهر بعد في رجل المحلف. والمعروف ان الديك يستعمل رجليه ومنقاره في المكاسرة ومن هنا عدم التكافؤ بين المحلف والفحل
ويتراوح ثمن الديك الماهر الاصيل سعرا خياليا ورغم ذلك فان مصيره المزبلة اذا مات يطرح فيها بلا دفن، وعرف البغداديون من اسماء هذه الديكة: بك وبطل العراق وابن الرافدين وبغدادي ومحبوب وزيدون والبطل
والطريف ان بعض الكلمات الدخيلة التي شاعت في سباق الخيل، شاعت ايضا في عراك الديكة فقد استعمل المتراهنون في كلا المضمارين كلمتي (فيبرت) و(فلوك) والجدير بالتنويه ان اصل (فيبرت) favorite وهو إنكليزي بمعنى المرجح او المفضل، وهو ما تجمع الآراء على انه سيفوز في قصب السبق. بينما اصل (فلوك) fluky وهو انكليزي ايضا المكتسب، بالمصادفة وعلى هذا الاساس يعرف اغلب المتراهنين ديكة المكاسرة معرفة تامة، ويراهنون اعتمادا على هذه المعرفة فلا عجب اذا راهن فلان بمبلع من المال على (الفلوك) مقابل مبلغ اخر اكثر منه.
مصطلحات خاصة بالمكاسرة أو المهارشة.
البوجة: ساحة السباق وهي دائرة مرسومة على الارض يتراوح قطرها بين 5-6 أقدام.
الملاشي: وهو مساعد الديك حيث يقوم بتنظيف منقاره، ومداواة جراحه بعد انتهاء المكاسرة.
الحكم: وهو المسؤول عن انفكاك الديكين المتكاسرين فبما اذا اشتبكا وعن اعلان نتيجة الفوز.
المكاسرة: يبدأ النزال بوضع الديكين المتكاسرين في (البوجة) التي تحاط بجمهرة كبيرة من الهواة مشاهدين ومرتهنين ويعلو الصياح تشجيعا خلال المناقرة والهراش بالقدمين عندما يقفز احدهما على الاخر وهما ينفشان ريش عنقيهما التي اطلق عليه اللغويون اسم البرائل.
ويعتقد العرب ان خصية الديك اذا علقت على الديك المهارش لا يغلبه ديك أخر. ولا يحدد وقت للمكاسرة فهي تستمر احيانا ساعة او اكثر، يعلن بعدها الحكم (التعادل) وتعاد دراهم المراهنة الى اصحابها. اما نتيجة الفوز فتتوقف على انهزام احد الديكين وخروجه من البوجة فيعلن الفوز عندئذ للديك الذي ظل في البوجة
البارولات :(بتفخيم اللام) ومعناها الحيل اذ لا تخلو مراهنة من بعض الحيل طمعا في كسب مادي فهناك اتفاقات تعقد بين اصحاب الديكة المتكاسرة بالخفاء تؤدي الى خسارة الديك (الفيبرت) ليتقاسمو الارباح فيما بعد.
ومن هذه الحيل: اطعام الديك الفيبرت بعض الحبوب المخدرة، أو شحذ منقار الديك الفلوك وجعله حادا لتؤثر نقرته تأثيرا جارحا، اطعام الديك الفلوك فلفل اسود مغلفا بشرائح اللحم لتعزيز شجاعته وجسارته، ودهن رأس الديك الفلوك بمعجون الدهن الحر مع الترياك وكذلك رقبته (لغاليغه) حنى اذا نقره الديك الفيبرت داخ وخسر.
الرعاية أثناء النزال: بين الجولات، يأخذ المربون ديوكهم ويقومون بـ سكب الماء على جروحها، وإعطائها شراباً، وتدليك أرجلها لتحضيرها للجولة التالية.
رمزية الفوز والإقصاء: يُعتبر الديك خاسراً إذا تخلى عن ثلاث جولات متتالية، بينما يُحتسب الفوز إذا أمسك ديك برقبة الآخر على الأرض لمدة دقيقة كاملة. كما يُسمح للمالك بالانسحاب إذا "خاف على حياة" ديكه.
التداعيات الاجتماعية: "ينام مع ديوكه"
الغيرة والطلاق: يُذكر أن الشغف بهذه الرياضة وصل إلى درجة تسببها بمشاكل بين الأزواج، بل وردت تقارير عن حالات طلاق بسبب تعلق الرجال بديوكهم لدرجة أن بعضهم بات "ينام مع ديوكه".
في النهاية، يظل صراع الديكة في بغداد علامة فارقة في ذاكرة المدينة، يعكس تداخل التقاليد الاجتماعية مع التحولات الثقافية والأخلاقية. وبين مؤيد ومعارض، يبقى هذا التقليد جزءًا من الحكاية البغدادية التي لا تنفصل عن روح المكان وزمنه.
اما مركز هذه اللعبة في العالم فقد نوهت به (الموسوعة العربية الميسرة -ص-1121) تحت عنوان صراع الديكة.. وعرفت في اسيا وامريكا اللاتينية، وعرفت قديما بفارس واليونان وروما. وفي انكلترا ظل صراع اليكة يتمتع بالرعاية الملكية عدة قرون، ولكن اصدر البرلمان سنة 1948 قانونا يعاقب كل شخص له علاقة بهذه اللعبة. ويحرمها القانون في بعض المناطق بالولايات المتحدة كما تحرمها كثير من القوانين في انحاء العالم، باستثناء جزيرة بالي في إندونيسيا التي تعتبرها لعبة قومية ذات طابع ديني.
المصدر: بغداديات عزيز الحجية، مواقع التواصل الاجتماعي
للراغبين الاطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/mochtaratt/71491-2026-04-25-16-46-23.html

783 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع