رغما عن انف الحاضر استمرارية الماضي في المستقبل

ابراهيم فاضل الناصري

 رغما عن انف الحاضر استمرارية الماضي في المستقبل

نظريًا، يبدو أننا نعيش لحظة قطيعة فاصلة في مسار التاريخ الإنساني، لحظة مدفوعة بذكاء اصطناعي فائق، وبيانات ضخمة تتجاوز قدرة الاستيعاب البشري، وسرعة سيبرانية غير مسبوقة في إنتاج المعرفة وتوجيه القرار؛ غير أن المرء ما إن يتأمل هذا السطح التقني المصقول حتى يتبدى له مشهد أكثر هدوءًا وعمقًا: فالماضي لا ينقضي أو يتلاشى، بل يعيد تنظيم أركيولوجيا حضوره داخل الحاضر ليمارس هيمنته من جديد. إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في أن الماضي "يعود" كفعل مفاجئ، بل في الحقيقة السوسيولوجية والأنطولوجية الصارمة بأنه لم يغادر فضاءنا أصلًا، وما نشهده اليوم ليس انقطاعاً في صيرورة الزمن بقدر ما هو إعادة تدوير كثيفة للبُنى التقليدية القديمة وإعادة إنتاجها داخل قوالب رقمية مستحدثة. فالتاريخ لا يسير وفق رؤية خطية صاعدة تنتهي فيها كل مرحلة بانتهاء مدتها الزمنية، وإنما يعمل كطبقات جيولوجية متراكمة ومعقدة، حيث تظل الطبقات السفلية والتاريخية العميقة فاعلة ونشطة، تحرك السطح وتوجه تموجاته وتمنحه طابعه الخاص مهما تراكمت فوقها قشور "الحداثة" الرقيقة وصيحاتها البراقة.

​من هذا المنطلق، يغدو الحاضر في جوهره زمنًا غير مستقل وغير متجانس، بل هو بنية مركبة من رواسب تاريخية ممتدة تمارس فاعليتها اليومية في أدق تفاصيل حياتنا المعاصرة؛ نجدها حية في اللغة التي نسكنها وتنسج حدود وعينا، وفي "الهابيتوس" الاجتماعي الذي يوجه سلوكياتنا وخياراتنا، وفي الآليات العميقة لتوزيع السلطة وتراتبها، وحتى في المعايير الحاكمة لكيفية تمثلنا واستقبالنا للتقنية ذاتها. وحين يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم بقوته الزاحفة إلى هذا الفضاء البشري، فإنه لا يهبط في فراغ معرفي أو قيمي عذرّي، وإنما يُستوعب فورًا داخل "إبستيمي" عام محكوم بمنطق قديم صلب، وبدلاً من أن يُحدث هذا الذكاء قطيعة معرفية شاملة مع الماضي، يتم احتواؤه وتدجينه داخل بنى الهيمنة القائمة وتوجيهه لخدمتها، لتصبح الأسئلة الجوهرية التي تحكم الآلة والخوارزميات اليوم ليست أسئلة تقنية أو رياضية بحتة، بل هي امتداد مباشر لأسئلة السياسة الكلاسيكية وصراعات القوة في التاريخ: مَن يملك المعرفة؟ مَن يملك حق التوجيه أو الحجب؟ ومَن يمتلك سلطة صياغة ملامح الحقيقة؟ إنها ذات الأسئلة القديمة التي رافقت كل تحول إنساني، لكنها تتدثر اليوم برداء تكنولوجي بالغ الذكاء ومفرط في التعقيد.
​بهذا المعنى، لا يمكن القول إن التقنية الحديثة تُنتج زمنًا منقطع الصلة بما قبله، بل إنها تعمل بوصفها "مُسرِّعًا" للزمن القديم، إذ تكشف عن قدرة مرنة وفائقة للمنظومات التقليدية وسلطاتها المركزية على التكيف مع الأدوات المعاصرة واستثمارها، وكيف يمكن للأنماط الطبقية، والاجتماعية، والثقافية الكامنة أن تعيد إنتاج انحيازاتها القديمة من خلال خوارزميات ووسائل "ذكية" ورياضية دون أن يطرأ عليها أي تحول جوهري في مضمونها الأخلاقي أو الإنساني. ومن زاوية أكثر عمقًا، يتبين أن ما اعتدنا تسميته "حداثة" ليس خروجًا ناجزًا من مجازات الماضي وصراعاته، بل هو آليّة بالغة التركيب لتمديد هذا الماضي، وتكثيف آثاره، وإخفاء تناقضاته وعيوبه داخل أشكال بصرية وحسابية أكثر غموضًا وتركيبًا، بحيث يبدو الحاضر متقدمًا بصرياً ورقمياً، بينما هو في حقيقته البنيوية استمرار مشروط، وتأجيل دائم لمعارك تاريخية وثقافية لم تُحسم بعد.
​وتتبدى الفجوة الوجودية الكبرى في عالمنا المعاصر لا بين خطين يفصلان الماضي عن المستقبل، بل في التباين الحاد بين سرعة التقنية الخارقة وبطء الوعي البشري وتثاقله؛ وهي الفجوة الذاتية التي تجعل الإنسان المعاصر يعيش مغتربًا داخل "زمن مزدوج": زمن تكنولوجي سيبراني يطير بسرعة الضوء، وزمن ثقافي واجتماعي ونفسي ما يزال يراوح مكانه، معتقلاً ومكبلاً في أسئلته الأولى وصراعاته البدائية والقبلية. وفي المحصلة، فإن ما نمر به اليوم ليس وثبة أو قفزة نحو يوتوبيا جديدة متحررة من إرث البشرية، بل هو اشتداد لقبضة التاريخ وتعميق لسيطرته علينا، لكن بوسائل وأدوات أكثر خفاءً ونعومة ونفاذًا؛ فالماضي لا يحتاج إلى العودة لأنه لم يغب أصلًا عن تكويننا، بل يواصل عمله الجوفي بهدوء وثبات، يُعيد هندسة حاضرنا، ويخط ببنانه ملامح المستقبل وصورته قبل حتى أن يولد.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

589 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع