
"الحنين الى حياة الماضي الجميل حكاية وحسرة على أيام زمان، ارث يتجدد"

في الحياة محطاتٌ نقف فيها مع أنفسنا بصمتٍ ثقيل، وتمضي الأيام والحنين الى الحياة لا تغيب عن ذاكرتنا، عن الأمنيات التي لازالت ترافقنا، رحلة بين الكلمات والأفكار حيث تتقاطع الذكريات مع الحلم وتتداخل المشاعر مع الواقع خلال حياتنا اليومية، وحملت معها شيئًا من روح لا يعود، للماضي عبقه وسحره، نستدعيه بعاداته وتقاليده التي غاب أغلبها، وكم نحن بحاجة للكثير منها في زمننا هذا، لا تغيب عن ذاكرة كل منا أطياف الأزقّة والدرابين القديمة العتيقة وناسها الطيبين وصفاتهم الإنسانية وتسامحهم، كبرنا، ولم يكبر معنا ما تركناه خلفنا الأمس واليوم رحلة متصلة؛ فالأمس ذكريات تُشكّل جذورنا ومواقف تُعلّمنا الدروس، عن العبق الذي يُبكينا، عن الجمال، أكانت سعيدة وجميلة ام حزينة وفيها المّ؟، فالحياة بعضها زهورا في حديقة او رملا في البادية، الزهور الجميلة التي تسكن قلبنا ووجداننا ، ورائحة عبقها كل ما مرت بنا نبكي شوقاً لأن تعود، بينما اليوم آمال نرسمها وطموحات نسعى لتحقيقها.
تذكرتُ يتنا و بيوت المحلة، وهي تحفظ وجوه ساكنيها وخطواتهم وضحكاتهم وحزنهم، وكيف كانت أبوابها وجدرانها تخنزن الحكايات و تحمل ذاكرة السنين، وكم تحتفظ من الاسرار.
تذكرت كيف كانت الحياة هادئة وبسيطة وحلوة خالية من التعقيدات ومليئة بالمعاني والعبر، والرفاهية موجودة حتى عند البسطاء، والأكثرية قانع وراضي برزقه وقسمته ً الى أقصى الحدود، وكيف اتسمت العلاقات الأسرية والاجتماعية بالدفء والترابط المباشر، كما تذكرت كيف كان الوضع الأمني مستتب ولا وجود لاي تسمية عنصرية او طائفية.
تذكرت كيف كنا بالأمس نرتدي ثوب البساطة في زياراتنا التي لا يسبقها موعد ولا ترتيبات مسبقة، وفي طعامنا كانت المائدة الواحدة تجمع صغيرنا وكبيرنا، وفي انتقاء وارتداء ملابسنا الخالية من بهرجة اليوم، وفي جلساتنا العصرية التي تنعم بالبساطة والألفة، وفي اجتماعاتنا وترابطنا وتراحمنا وروح المحبة، وفي صفاء نوايانا التي لا تشوبها أحقاد ولا ضغائن.
تذكرت كيف كانت الطفولة البريئة في الأمس، حيث تُولد مع شروق الشمس، وتنام مع غروبها، واللعب في الهواء الطلق، فالشوارع والأزقة هي الساحات المفتوحة للعب، حيث كانت الألعاب الجماعية التقليدية تعزز من التواصل الاجتماعي الحقيقي بين أبناء الحي الواحد، كما كانت أدوات اللعب بسيطة وتعتمد على الخيال البسيط لا نكسرها ونشتري غيرها، مما ساهم في تطوير مهارات التفكير الابتكاري لدى الأطفال، في المقابل، تعيش طفولة اليوم إيقاعاً سريعاً تحكمه التكنولوجيا والإنترنت، وباتت الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الافتراضية جزءاً أساسياً من يوميات الطفل، ورغم أن هذا التطور قد يقلل من الحركة البدنية، إلا أنه يمنح أطفال اليوم مساحة أوسع للمعرفة، والاطلاع المبكر على الثقافات المختلفة، ويزيد من وعيهم وجرأتهم في التعبير عن آرائهم، ورغم اختلاف الإيقاع، تظل الطفولة في كل العصور مرحلة أساسية لبناء الشخصية.
تذكرت بان الفتيات من جيلي، كانت اغلبها سافرات يلبسن احدث ازياء التنورات القصيرة من ميني جوب، كما كان البعض يرتدن العباءة البغدادية التقليدية مع غطاء رأس بسيط،، تبرج حياء بدون حجاب، تذكرت كيف كن يتنافسن في الدراسة وفي الأعمال المنزلية، فالفتاة الأكثر براعة تلفت الانتباه، في المقابل ان الفتيات في هذه الأيام أصبح البعض يجمع بين الحجاب العصري الملون والأزياء الشبابية الحديثة كالمعاطف الطويلة والجينز، والبعض الاخر يرتدي الحجاب الأسود والعبائة الإيرانية !!.

تذكرت كيف كانت امهاتنا مولعات بمواعين الالفي وروميو وجوليت وسيتات الكلاصات والإستكانات وخواشيك الچاي المذهبة وتضعها في البوفيه، وما تطلع الا للخطار، ضلت بوفيات بيوتنا مليانة بالغالي والنفيس والاصلي للخطار، واهل البيت يشربون الجاي بالاستكانات القديمة وياكلون بالمواعين العادية.

تذكرت النوم على السطوح ليلا ايام الصيف الحارة كملاذ للأسرة جميعا، وكيف كان اهل البيت من البنات يتسابقن بكنس السطح ورشه بالماء قبل غروب الشمس لكي يبرد، كما كانوا يقومون بنشر فرش النوم وفرشها في اماكنها المحددة وفقا لتوزيعاتها المعروفة،
ووضع تنكة الماء على السياج كي يلاعبها الهواء لكي تبرد، وتقوم الوالدة بـقطع الرقي الى نصفين ووضعها على "التيغة" لكي تبرد ويطيب مذاقها وبالتالي تناولها، وكانت احلى الأوقات عندما كنا أطفالا نتسابق للوصول الى الفراش والقفز عليه ولعب الجقلمبة، كما كنا نستمع لاحلى القصص، وأخيرا كنا نعد النجوم بالرغم من تحذير الاهل لتجنب ظهور الفالول على أيدينا او ارجلنا حتى يباغتنا النوم، وكانت بعض العوائل تضع "الكلة" لمنع الحرمس والذباب من لمس الجسم، وهي عبارة عن (قطعة قماش خفيفة)عادة ما تكون بيضاء فتضم بين جوانحها من ينام وسطها، لكن مما كان يجلب الازعاج والغضب هي ذبابة الصباح والتي كانت تشتهر بالالحاح الشديد للالتصاق بالوجه، وبالرغم من حرارة الجو فانك تضطر الى الدخول تحت الغطاء كي تهرب من تلك الذبابة اللعينة، هذا هو المنبه الأول والثاني للصحو هو طلوع الشمس، بالمقابل هجرت الاسر البغدادية النوم صيفا فوق اسطح منازلها لاسباب عديدة منها التلوث الحاصل من عوادم السيارات والمولدات والتغير المناخي والاطلاقات النارية.

تذكرت القيلولة ظهرا ايام الصيف في الزمن الجميل وبعد الصحو من القيلولة هناك الشاي والرقي والجبن الأبيض ذلك الطقس العائلي المريح يعيد شحن الطاقة؛ للاستمتاع بهذه الجلسة يوميا ، ثم البدء برش الحدائق الغناءة بالاشجار المثمرة والورود والثيل استعدادا لفترة المساء التى عادة ما تقضى في الحدائق.

تذكرت كيف كانت المقاهي القلب النابض للحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية لبغداد، تعقد فيهِا جلسات مختلفة حسب المناسبات التي تخص شخص أو جماعة معينة، سواء كانت هذه المناسبة مفرحة أو محزنة، عامة أو خاصة. قسم منها تتوفر فيها وسائل التسلية والترفيه، المقهى ذاكرة الحكايات والمجالس، وتبادل الحوار والأفكار وشاهدًا على متغيرات الدنيا، والترفيه للشباب وملاذًا لبعضهم عبر رفقة قد تطول من الشباب حتى الرحيل، جمعت المسامرين والروّاد والادباء والشعراء وأهل السياسة، اقتصرت قديماً على تقديم الشاي "المهيل" والقهوة والمشروبات الغازية..
ولعب "الدومينو" وا"لطاولي"، وفي تاريخ بغداد تميزت مقاهٍ عشت طرفا منها، وشكلت بعضا من الذاكرة نذكر منها: مقهى البلدية ومقهى الشط ومقهى ام كلثوم ومقهى عزاوي ومفهى عارف اغا ومقهى الزهاوي ومقهى البرازيلية ومقهى حسن عجمي ومقهى الشابندر ومقهى البيروتي ومقهى النعمان ومقهى محمد غائب ومقهى خليل .....

تذكرت بعض الصباحات التي لا تحلو الا باكلات الكاهي والقيمر في الكسرة او الحيدرخانة او الكرخ مع الشاي المهيل، اوطبق "البقلاء والدهن الحر والمخلمة"، وخصوصا في فصل الشتاء عند قدوري في شارع أبا نؤاس، او مطعم "زبالة" الذي يقدم الحبن عرب او العروك مع كلاص شربت الزبيب، او كبة "السراي" المحشية باللية واللوز في شارع المتنبي والتي تعد سيدة الكبب نكهةً وطعماً،
كما تذكرت كيف كانت بغداد مزدهرة بالمطاعم الشعبية التي يعشق اكلاتها العراقيون "عنوان المذاق العراقي الأصيل" فالعوائل او الافراد، يحبون ارتياد المطاعم سواء الراقية او الشعبية ومنها: مطعم "أبو حقي" والكائن في احد ازقة سوق الصفافير في الطابق الأول من احدى البنايات، مطعم "عمو الياس" في منطقة المربعة، مطعم "ابن سمينة" في سوق دانيال ، والمشهور بطبق القوزي على التمن العنبر مع الدهن الحر وغيرها من الأطباق، ويفضل الشواء على الحطب، مطعم "فوانيس"، مطعم "تاج محل" الكائن في الباب الشرقي، مطعم "تاجران"، مطعم "نزار" في الباب الشرقي ، مطعم "دنانير" والذي تحول الى مطعم "البرمكي" في ساحة الفتح والذي كانت فرقة الهام المدفعي تقدم امسياته فيه، مطعم "ستراند" في نهاية شارع السعدون من جهة العلوية، مطعم "الشموع" في شارع السعدون، مطعم "الأناء الذهبي" و"مطعم ا"لمطعم" في منطقة العرصات، ومطعم "خان دجاج" قرب نادي العلوية، مطعم "ياقوت" في الكرادة داخل في شارع أبو نؤاس، ومطعم "ابو يونان"، في شارع السعدون، مطعم "علي اللامي" للهمبركر في الكرادة خارج، وفي شارع الرشيد مطعم "خان مرجان" الذي تقام فيه حفلات تراثية لأشهر المغنين، مطعم "شباب الكرخ"، مطعم "حمادة" في الكرخ قرب حسر الشهداء، مطعم "نينوى" للكباب في المنصور، مطعم كباب "زرزور" في المنصور، مطعم "فاروق" في الحارثية قرب معرض بغداد الدولي، مطعم "صفوان" في كورنيش الاعظمية،
مطعم "هبوبي" للكباب والمشويات، في الاعظمية مجاور كازينو النعمان، مطعم "قاسم أبو الكص" في الاعظمية، ومطعم الكباب في سوق الاسترابادي في الكاظمية اما مطاعم الباجا فكانت باجة ا"بن طوبان" في الكرخ وباجة "الحاتي" في الرصافة، وفي شارع أبو نؤاس على شاطيء دجلة كانت منتشرة العشرات من مطاعم "المسكوف "والاكلات التراثية، اما اكلة الفلافل التي استذوقها البغادة حديثاً فقد كانت عند مطعم " أبو سمير" قرب سينما الخيام.
تذكرت كيف كانت تهوينا بحماس إطلالة ملصق ترويجي لاحد الأفلام العالمية، وكيف كانت بغداد زمان تحاكي مدينتي القاهرة وبيروت، في استيراد احدث الافلام الامريكية والعربية وتعرضها في دور السينما منها ("الخيام"، "النصر"، "بابل ، "غرناطة"، "اطلس"، "النجوم"، "روكسي"،"الحمراء"......)، وكانت تلك السينمات ملتقىً اجتماعياً وثقافياً نابضاً بالحياة، ومكاناً للقّاء المحبب لكل الأسر، حيث تجد الاسر ملاذها في الانس الاسبوعي داخل الصالة، وكل السينمات كانت تقسم على ثلاث درجات اولى وثانية وثالثة حسب مواقع مقاعدها والواجها (مقصوراتها) وتوفر الخدمات الضرورية فيها، في المقابل فان اغلب دور العرض السينمائي قد تحولت الى اشياء اخرى واندثر معظمها فمن اصل ستين صالة عرض سينمائي في بغداد لم تعد تعمل حاليا الا واحدة او اثنتين مع الصالات الجديدة في بعض من المولات.

تذكرت فترة نهاية الستينات و السبعينات والتي كانت حقبة ذهبية في تاريخ الموضة والثقافة الشبابية، حيث انتشرت قصات الشعر المميزة واطالة الشعر كتسريحة الخنافس واطالة الزلوف، وصيحات الملابس الجارلس العريض وتنورات الميني والمايكرو، وتغيرت أساليب التعبير عن الإعجاب، شكلت هذه الفترة أيقونة بصرية واجتماعية لا تزال محفورة في الذاكرة.
تذكرت كيف كنا وبعض من الأصدقاء أيام الشباب نستمتع عند سماع كوكب الشرق تشدو في اغانيها التي تصل الى مسامعنا معنى الغناء والطرب والانتشاء بهذا الطرب، كما انها تحدثنا عن الأحلام، وعن الاشتياق للبعيد أن يأتي وتوصف لنا الحال ومدى هيام القلب، كما تذكرت مدى عشق الشباب لأغاني عبد الحليم وعبد الوهاب وفريد الاطرش.

تذكرت كيف كنا نذهب مع الاصدقاء للسهر أحيانا في ملاهي بغداد كالطاحونة الحمراء والامباسي وسليكت لمشاهدة العروض الأجنبية الراقصة، وكنا نشاهد حضورا لبعض من العوائل.
تذكرت كيف ارتبطت الصباحات البغدادية الأصيلة بذكريات دافئة وأغانٍ خالدة كانت تبث عبر أثير الإذاعة العراقية، لتعطي نكهة مميزة وتبعث على التفاؤل والمرح منها: "صباح الخير يا لولة" للفنانة ملك محمد، واغنية "كلي حبيبي صباح الخير" لهناء محمد، او صوت فيروز "طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة يلا بنا نملأ ونحلب لبن الجاموسة".

تذكرت كيف كان البث التلفزيوني في بداياته محلياً ومحدوداً، ويبدأ عادةً في فترة العصر (حوالي الخامسة) وينتهي في الثامنة أو التاسعة مساءً بـ "السلام الملكي" أو قراءة القرآن الكريم،..
وكان الاعتماد كلياً على أجهزة التلفاز القديمة ذات اللونين الأبيض والأسود،وكان من العادات الشائعة لأكثرالبيوت وضع الجرجف بعد انتهاء البث التلفزيوني حفاظا عليه من الأتربة او الحفاظ على الديكور، في المقابل أصبح شكل التلفزيون الملون أشبه بمرآة مسطحة، وتوشك الأجهزة المستطيلة والمربعة أن تنقرض من السوق، كما أن التلفزيون لم يعد يقتصر دوره على استلام بث المحطات، بل أضحى جهازا للاتصال الرقمي والفيديوي.
تذكرت أحلى ممارسة لنا في العطلة الصيفية، النزول الى الشط للسباحة في نهر دجلة، وكان الكثير من أهالي المنطقة يمارس الألعاب الشاطئية، وكنا ندفن الرقي بالرمل حتى يبرد، والجراديخ على ضفاف دجلة، وكان معظمها يقع في المنطقة الواقعة بين ألأعظمية ومرورا بمنطقة (الصرافية) عند الجسر الحديدي، وشريعة (المجيدية) في (باب المعظم)، وشريعة (المصبغة)، وشريعة (السيد سلطان علي)، وعند شارع (أبو نؤاس) وحتى منطقة (الكرادة)، وعلى جانبي النهر تقريبا، حيث كان البعض يقضي سهراته، ففيها كانت الأمسيات الشعرية والغنائية والسياسية .
تذكرت كيف كانت بغداد تزخر بكثرة نواديها الاجتماعية والتي تعد جزءاً أصيلاً من إرث العاصمة الثقافي والاجتماعي، والتي كانت مقصدا لصفوة المجتمع والمسؤولين وبعض من طبقات المجتمع العراقي، وفيها كانت تقام الحفلات الغنائية للمطربين الأجانب والعرب والعراقيين كما انها كانت تزخر بالفعاليات الرياضية ولعبة الدومبلة، ومن أبرزها: نادي العلوية، النادي العسكري، نادي النهضة النسائي ، نادي المعارف، نادي المنصور، نادي الهندية، نادي المشرق، نادي الصيد، نادي الهومنتمن، نادي الاخاء التركماني، نادي الأطباء، نادي المشرق، نادي الاعلام، نادي سيروان، نادي صلاح الدين نادي الأولمبي، نادي المهندسين، نادي الاقتصادين، نادي الصيادلة، نادي المالية، نادي التعارف، الجمعية البغدادية، ومما يؤسف له انحسرت اليوم حالها حال الكثير من الأماكن الاجتماعية .
تبقى تلك الذكريات الجميلة التي حفرناها بداخل اعماقنا وصوراً حفظناها في عيوننا راسخه في اذهاننا، وتبقى مرحلةً مفصلية في حياتنا لأجل غير مسمى، تطول الحياة او تقصر، ثمة أشياء لا تنتهي قصص وحكايات ومواقف وقيم جميلة، وإن انتهت تبقى كامنةً في زاويةٍ من القلب، لا تُرى، لكنها تستيقظ كلما جاء ذكرها، أو مرَّ اسمٌ متعارف عليه، إنها رحلة تحكي الماضي وتعيش الحاضر بكل تفاصيله، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود.

723 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع