
نزار جاف
الگاردينيا ... زهرة في بستان الذاكرة العراقية
ليست كل الأشياء الجميلة تقاس بعمرها، فبعضها يقاس بالأثر الذي تتركه في النفوس. وقد تكون السنوات مجرد أرقام في سجل الزمن، لكنها تصبح حكاية عندما ترتبط برسالة، وبأشخاص آمنوا بأن الكلمة ليست مجرد حروف تكتب، بل ذاكرة تحفظ، وصوت يسمع، وجسر يصل الإنسان بوطنه وتاريخه.
وفي الرابع من آب، تحل ذكرى تأسيس موقع الگاردينيا، هذا المنبر الذي استطاع أن يجد لنفسه مكانا مميزا في المشهد الإعلامي والثقافي العراقي، لأنه لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها مهنة عابرة، بل باعتبارها مسؤولية تجاه الوطن والإنسان والذاكرة.
إن الگاردينيا تشبه زهرة نمت في بستان الذاكرة العراقية؛ زهرة حملت معها عبق بغداد وأزقة المدن العراقية القديمة، وأصوات المثقفين والكتاب، وحنين الذين أبعدتهم الظروف عن أرض الوطن، لكنها لم تستطع أن تبعد الوطن عن قلوبهم.
فالأوطان لا تعيش فقط بحدودها الجغرافية، بل تعيش أيضا بما يكتب عنها، وبما يحفظ من تاريخها، وبما يروى من قصص أبنائها. ومن هنا جاءت أهمية الگاردينيا، لأنها لم تكن مجرد نافذة إلكترونية، وإنما أصبحت مساحة تحتضن الذاكرة العراقية بكل ما فيها من أفراح وأحزان، من إنجازات وتحديات، ومن تجارب إنسانية تستحق أن تبقى حاضرة.
في زمن أصبحت فيه السرعة أحيانا تسبق الدقة، وأصبحت بعض المنابر أسيرة للخبر العابر، حافظت الگاردينيا على خصوصيتها؛ فقد جمعت بين المقال السياسي والتحليل الثقافي، وبين الأدب والتاريخ، وبين الرأي الشخصي والهم العام. وهذا التنوع هو ما منحها حضورا خاصا لدى قرائها وكتابها.
ولعل أجمل ما يميز هذا المنبر أنه فتح أبوابه للأقلام التي تحمل هم الكتابة، لا بحثا عن الشهرة، بل إيمانا بأن القلم يمكن أن يكون شاهدا على العصر. فكم من فكرة وجدت طريقها إلى القراء عبر صفحات الگاردينيا، وكم من ذكرى بقيت حية لأنها وجدت من يوثقها ويمنحها مساحة من الاهتمام.
إن الإعلام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المتابعين أو بسرعة الانتشار، وإنما بقدرته على بناء علاقة ثقة مع القارئ. وهذه الثقة لا تمنح إلا لمن يحترم عقل الإنسان، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على مقاومة النسيان.
لقد أصبحت الگاردينيا، خلال مسيرتها، بيتا ثقافيا يلتقي فيه أبناء العراق ومحبو العراق، داخل الوطن وخارجه. فهي تحمل رسالة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل؛ لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءا من هويتها، والشعوب التي تحفظ تاريخها تملك القدرة على صناعة غدها.
وفي ذكرى تأسيسها، فإن أجمل تحية تقدم إلى الگاردينيا هي الاعتراف بالدور الذي أدته في خدمة الثقافة والإعلام، وبالجهود التي بذلتها أسرتها وكتابها ولاسيما رئيس تحريرها الاستاذ المبدع جلال چرمگا للحفاظ على هذا الحضور.
كل عام والگاردينيا تزداد اخضرارا في بستان الذاكرة العراقية، وكل عام وهي تواصل زراعة الكلمة الجميلة، وحماية الحكاية العراقية من الذبول والنسيان.
فبعض الزهور لا تقاس بحجمها، بل بعطرها الذي يبقى... والگاردينيا واحدة من تلك الزهور.

756 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع