
جلال چرمگا
يحاكمون گصاب الخنزير... لعد منو يحاكم خنزير العراق؟!
يعني بصراحة، مرات الواحد بالعراق يحتار: يضحك لو يبچي!
گصاب بمدينة النجف يبيع لحم خنزير للناس لمدة عشر سنوات، ويگول لهم هذا لحم عجل. انكشف أمره، گامت الدنيا وما گعدت: قبضوا عليه، حققوا وياه، وحاكموه، وصار القانون حاضر وبقوة.
زين، ماكو مشكلة. الغش جريمة، واللي يغش الناس لازم يتحاسب.
بس عندي سؤال صغير، ويمكن بسيط جدا:
إذا الحكومة تعرف شلون تحاكم گصاب غش الناس بلحم الخنزير، ليش ما تعرف شلون تحاكم اللي غشوا العراق كله؟!
شنو الفرق؟
هذا باع الناس لحم خنزير على أنه عجل.
والثاني باع الناس الوهم على أنه دولة، والمحاصصة على أنها ديمقراطية، والطائفية على أنها حماية للمذهب، والفساد على أنه خدمة، والنهب على أنه حق، والفشل على أنه إنجاز!
هذا الأول غش الناس عشر سنوات.
أما الثاني، فخرب بلد بأكمله!
الأول باع لحم الخنزير.
والثاني أكل العراق!
أكل فلوسه، وأكل مؤسساته، وأكل فرص شبابه، وأكل أمنه، وأكل مستقبله، وأكل حتى ثقة العراقي بنفسه وببلده.
والأغرب من هذا كله، أن الدولة العراقية تخلي رهبة وقوة وهيبة ألها گدام القصاب، لکن في نفس الوقت هي خجلانة هواي گدام خنزير الفساد السياسي!
گدام الگصاب: قانون وهيبة دولة.
گدام حوت الفساد: "خلينا نتحقق من الموضوع".
گدام السارق الصغير: قبض وتحقيق ومحكمة.
گدام اللي نهب الملايين والمليارات: "أكو ظروف سياسية... وأكو حساسيات... وأكو توازنات"!
الله أكبر!
يعني القانون بالعراق عنده عضلات على الضعيف، وأعصاب رخوة أمام القوي!
وهنا أتذكر رواية مشهورة تنسب إلى عبدالله بن عمر، حين سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض، أو في رواية أخرى عن قتل الذباب للمحرم، فقال له ابن عمر متعجبا ومستنكرا: "انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي..."، ثم ذكر الحسن والحسين بقوله إنهما ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بغض النظر عن اختلاف الروايات وتفاصيلها، تبقى المفارقة صارخة:
الانشغال بالتفصيل الصغير، والهروب من الجريمة الكبرى.
وهذا بالضبط اللي دا يصير بالعراق اليوم.
يريدون من العراقي أن يصفگ لأن الدولة قبضت على گصاب باع لحم خنزير على أنه لحم عجل.
زين، الله يعطيهم العافية.
بس العراقي يريد يعرف:
من يحاكم اللي باعوا الوطن؟
من يحاسب اللي سرقوا المال العام؟
من يحاسب اللي حولوا الطائفية إلى تجارة رابحة؟
من يحاسب اللي خلى الدولة مقسمة بين أحزاب وجماعات ومصالح؟
من يحاسب اللي قتلوا فكرة المواطنة وخلو العراقي قبل لا يسأل: "شنو كفاءتك؟" يسأل: "إنت من أي مذهب؟ ومن أي حزب؟ ومنو جماعتك؟"
ومن يحاسب اللي حول العراق، بكل تاريخه وثروته وموقعه، إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
هنا السؤال الحقيقي.
مو منو باع الخنزير على أنه عجل... وإنما منو باع العراق كله على أنه دولة؟!
الگصاب غش معدة العراقي.
أما خنزير الفساد السياسي فقد غش مستقبل العراقي.
الأول ممكن تمنع الناس من شراء لحمه.
أما الثاني، فالعراقي ما يگدر يهرب منه، لأن هذا الخنزير السياسي صار داخل مؤسسات الدولة، وداخل الاقتصاد، وداخل السياسة، وداخل شبكات المصالح.
ولهذا، لا تخلوا العراقي يصفگ ألكم لأنكم مسكتم قصابا.
العراقي يريد يشوف الحوت الكبير خلف القضبان، مو بس الگصاب الصغير.
يريد يشوف القانون وهو يصعد إلى فوق، مو بس ينزل إلى تحت.
يريد دولة تخاف من الفاسد بقدر خوفها من القصاب.
ويريد حكومة إذا كانت عندها الجرأة حتى تحاسب من باع لحم الخنزير على أنه عجل، تكون عندها الجرأة نفسها حتى تقترب من الخنزير الأكبر اللي أكل العراق.
لأن القضية مو قضية خنزير وعجل.
القضية قضية دولة أكلها الفساد، وشعب خلوا ينشغل بدم البعوض، حتى لا يسأل: من اللي سفك دم العراق؟
وهنا، يا حكومة، السؤال إلكم مو للعراقي:
إذا صارت محاکمة گصاب النجف لأنه باع الخنزير على أنه عجل... گلولي منو راح يحاکم خنزير العراق اللي باع الخراب على أنه دولة؟!

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع