حين يلتقي جمال المرأة العراقية بملبسها، لوحة فنية تمزج بين سحر الماضي وهوية الحاضر يستوجب المحافظة عليه"

حين يلتقي جمال المرأة العراقية بملبسها، لوحة فنية تمزج بين سحر الماضي وهوية الحاضر يستوجب المحافظة عليه"

في ذاكرة الأوطان، يشكل التراث وجدان أي امة، ويبقى التراث خيطاً من ذهب يربط الماضي بالحاضر، ومرآة تعكس هوية الشعوب وفرادتها الثقافية، فالتراث هو التأريخ الذي يعيش فينا ونعيش فيه، فالأزياء التقليدية كونها موروثاً وتراثاً وعادات تختلف في تفاصليها وألوانها وطريقة حياكتها وأسلوب لباسها من دولة إلى أخرى، ومن شعب إلى آخر، فهي ليست مجرد أقمشة وألوان، بل لغة تعبر عن التاريخ والانتماء والمكانة والذوق الجمعي الذي صاغ ملامح كل حقبة، فحين يلتقي جمال المرأة بلباسها التقليدي، اذ يتحول المظهر الخارجي من مجرد أزياء إلى لغة بصرية تعبر عن الهوية، والثقافة، والثقة بالنفس، فهي لا ترتدي مجرد قماش، بل ترتدي تاريخاً حياً وقصة ترويها الخيوط والنقوش، لتصبح بالفعل لوحة فنية متحركة تجمع بين أصالة الماضي وتجدد الحاضر.

العراقيون أهل عشق وغرام، وهيام بالجمال، تفننوا في تشبيه المرأة الجميلة بالمجاز والحقيقة، مع ولع الكثير منهم للصفات المعنوية في الانوثة مثل الحنان والرقة والوفاء والرحمة، تتسم المرأة العراقية بسحر الشرق وبجاذبية خاصة، جمالها طبيعي اصيل ومثير ات من التنوع الثقافي والجغرافي بين مناطق الشرق والغرب والجنوب والشمال، حيث يجمع بين ملامح نهري دجلة والفرات، وعمق الصحراء، وشموخ الجبال، يبرز جمال وجهها في ملامحها الرقيقة وعيونها اللامعة، التي تعكس عمق الروح والحكمة، تمتاز بالأناقة الفائقة تعبر الزمن، شخصيتها عطر في زهرة، ولهذا تجسد للمرأة العراقية بملابسها التقليدية الاصيلة جمالا فريدا تعبر الزمن في الماضي والحاضر.
تعد الملابس من ابرز جوانب الثقافة المادية في أي حضارة، واللباس التقليدي الأصيل يعتبر من المقومات الثقافية المبسطة لانتماء الحضارة لأعرافها التراثية، فهو ليس مجرد ملابس بل هو هوية بصرية وثقافية، مرأة للمجتمع، التي تبرز قيم صموده وارتقائه في التمسك بهوية الذات والتعريف بتقاليد المنطقة التي تنبع على تشريفه ليتميز بتنوعه التراثي الذي يروي المبادئ المحافظة لتعاقب الأجيال مستمدة جذور أصالة الخلف من السلف.


بدأت الموضة عندما بدأ البشر في ارتداء الملابس، ان الانسان قد قطع شوطا طويلا في تدجين الخراف والماعز والابقار للاستفادة من لحومها واصوافها واحشائها، وسرعان ما تعلم كيفية غزل صوف الأغنام واستخدام شعر الماعز وخياطة الملابس، وبدأ الناس في ارتداء الملابس في ما بين 100,000 إلى 500,000 سنة مضت، مرّت الملابس النسائية بتطور كبير عبر التاريخ، من جلود الحيوانات لحماية الجسم في عصور ما قبل التاريخ، وازدهرت صناعة لملابس حتى بلغت درجة الرفاهية والترف عند الملوك و الأمراء ونسائه و البداية كانت تقليدية مقارنة لما وصلت إليه ذروة الحضارات الإنسانية البابلية و الأشورية.

كانت الأزياء التقليدية في بلاد ما بين النهرين على مر العصور مرآة تعكس التأثيرات الحضارية المتعاقبة التي مرت بها المنطقة، من الحضارات القديمة إلى العصور الإسلامية المختلفة، وقد حافظت هذه الأزياء على خصوصيتها رغم التأثيرات الخارجية، مما جعلها شاهداً حياً على الهوية الثقافية العراقية الأصيلة، إن دراسة الأزياء التقليدية تقدم لنا فهماً عميقاً للمجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده الموروثة.
ان الثراء أهم سمات الحضارة السومرية، متجسدًا في إرثها من الآداب والفنون والموسيقى وأيضا الأزياء التي تجسد مقدار ما حققته من إنجازات في الصناعة والفنون من خلال ما استخدم في تلك الأزياء من زخارف، فلم تكن مجرد أردية، بل كانت لوحات فنية تنم عن ذوق ورقي، وكانت ملابس النساء جزءًا أساسيًا من التعبير الثقافي والاجتماعي، مع أن كلا الجنسين كانا يرتديان ملابس أساسية متشابهة، إلا أنه ربما كانت هناك اختلافات في الطول والزخرفة، حيث كانت التنانير الأطول والمجوهرات الأكثر تفصيلًا تُشير ربما إلى مكانة اجتماعية أو أدوار جنسانية أعلى.

وفي وقت مبكر ارتدت النساء السوماريات شال ملفوفة حول أجسادهن ومن ثم فيما بعد ملابس مخيطيه مغطاة بطبقات من الاهداب أو حواش مرتبة بأشكال مختلفة مثل هذه الأهداب تغطي كامل القطعة الملبوسة، وفي أحيان أخرى تغطي الاهداب الاقسام السفلية من الثوب، وشملت التنانير والشالات التي يرتديها الرجال وكانت أيضا ذات اهداب، وبحلول نهاية الحكم السومري حوالي عام (2000) ق.م ارتدى كل من الرجال والنساء التنانير والشالات مزينة الحافة التي تصل تقريبا إلى الكاحلين، وقد ثبتت معظم الشالات والتنانير بواسطة أحزمة مزخرفة، وتذكر أحد النصوص البابلية ان الثوب الاحتفالي بالإلهة إنانا بلغ وزنه ما يعادل احد عشر ونصف كيلوغرام من الزينة المتكونة من (700) وردة من الذهب، وأيضا ذكر ملابس المزينة بقطع من الذهب على شكل أوراد ونجوم ودوائر واشكال مربعة، وتذكر النصوص لبوسُ سومري مخصص لسيدة مدينة الوركاء (الإلهة إنانا) بانه كان مزخرفا بـ (703) نجمة من الذهب و (688) حلية أخرى، تطورت الأزياء لتشمل أثواباً طويلة مشدودة عند الكتف والخاصرة، وغالباً ما كانت مزينة بزخارف هندسية أو نباتية، تعكس المكانة الاجتماعية، وكانت النساء تضع فوق السترة شالاً أو أكثر، وتتميز بحواف مزخرفة بالشراريب والأهداب الهندسية ظهرت تصاميم شبيهة بالهاشمي في منحوتات النساء السومريات، اشتهر السومريون بتسريحات الشعر والمجوهرات المتقنة، حيث كان كل من الرجال والنساء يرتدون شعرًا مستعارًا كبيرًا وقلائد وأقراطًا وغيرها من الحلي، كما ارتدت النساء المجوهرات، بما في ذلك أغطية الرأس المتقنة والقلائد المصنوعة من الذهب واللازورد والعقيق، كما عُثر عليها في المقبرة الملكية في أور، وغالبًا ما كانت النساء يصففن شعرهن بضفائر طويلة، وأحيانًا يُزينن بالخرز أو الشرائط، كما كانت تسريحات الشعر المرفوعة والكعكات شائعة، مع تسريحات شعر متقنة مزينة بالمجوهرات بين الأثرياء، كما كانت تُرتدى عباءات طويلة أحيانًا مصنوعة من الصوف الملبد أو الجلد، وأغطية رأس متنوعة، وكانت مهارات تشكيل المعادن واضحة في المجوهرات والحلي التي تُرتدى فوق أزياء وفساتين زاهية وما فيها من ألوان وأشكال ورسوم ومظاهر على البهجة والحسن والبهاء.

كان الصوف الأكثر شيوعا لصنع الملابس في وقت مبكر من (3000) ق.م، أما المادة الثانية والتي عثر على بعض شظاياها في المقابر الملكية السومرية فهو الكتان، ويكاد يكون منسوجا كنسيج الكتان الحديث، وكان يصنع مه ملابس الأثرياء والكهنة، وفي عهد سنحاريب الملك الاشوري جلب نبات القطن من بلاد السند وأطلق عليها (شجرة الصوف) وتم زراعته في آشور حوالي (700) ق.م وأطلق عليه فيما بعد بالأكدية قطنُ، لان كلاهما منتوج زراعي وليس حيواني أما الحرير فقد عرفه العراقيين القدماء بعد عام (115) ق.م في عهد الدولة الفرثية عندما كانت التجارة مع الصين تمر عبر العراق ومن ثم نهر الفرات إلى انتوشيا (انطاكيا) ومنها إلى روما.

في الحضارة البابلية كان لديها ملابس خاصة بالطبقات الاجتماعية المختلفة والأغراض المختلفة، وقد كانت هذه الملابس تتكون عادة من قمصان وتنانير للنساء والرجال، وقمصان طويلة للرجال وقد يطرزونها بالذهب والفضة، كما كانوا يرتدون أيضًا قمصانًا ضيقة مع بنطلونات مدببة، وكان لأغطية الرأس أهمية كبيرة في الملابس البابلية، وكانت النساء تغطي رؤوسهن بأقنعة من الحذاء الجلدي، وكان النسيج البابلي يُنسج باستخدام النول، وتُصبغ الخيوط بألوان مستخرجة من النباتات والمعادن، مما أضفى طابعاً فنياً على الملابس.

أما النساء في الحضارة الاشورية فترتدين فساتين طويلة مزينة بتطريزات يدوية دقيقة، غالباً بألوان زاهية، يغطى غالبها بشال طويل مزين بالاهداب والشراشيب، ويكمل الزي وشاح يغطي الرأس.

اهتم العراقيون ابان ازدهار الحضارة العربية والاسلامية كثيرا بالتطريز والزخرفة والفن حيث تداخلت الازياء بعضها ببعض بشكل جميل مؤثرا على الازياء العراقية، كان العهد العباسي في بغداد عصر الترف والثروة والحضارة والذوق والفن والتأنق والجمال فقد انسحب ذلك على المرأة البغدادية اذ كانت تخصص جزءا كبيرا من وقتها للعناية بمظهرها وجمالها وزينتها، ولم تكن هذه العناية تقتصر على طبقة معينة من النساء بل كانت شائعة بينهن جميعا، ومع الاختلاط لأقوام البلدان التي فتحوها عند توسع دولة الخلافة العباسية شهدت هذه الملابس تطورًا ملحوظا من حيث التنوع، والأشكال، والقدرة على مزج الألوان، والتفنن في تزيينها، ومواكبة ما هو جديد، ترتب على ذلك زيادة الطلب على الملابس بصفة عامة وأزياء المرأة بصفة خاصة، كل ذلك ساهم في تطور صناعة الملابس من خلال إلحاق دور صناعتها بقصور الخلفاء، فضلًا عن إنشاء مراكز لصناعة الأزياء في المدن والقرى المختلفة، ومن أشهر المدن التي راجت فيها صناعة الأزياء مدينة بغداد وما حولها من القرى؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر انتشرت ببغداد: (محلة عتاب)، الكرخ، منطقة تُستَرِين، والنرسية وهي موضع قريب من الكوفة، مدينة البصرة، والنعمانية وحربي وتكريت.

أصبحت لكل فئة ما يميزها من ملابس وأصبحت لكل مناسبة ملابسها، أن الترف الذي ساد في العصر العباسي انعكس على ملابس النساء، وتعددت ألوان الملابس وكان لكل لون دلالته الخاصة فالأسود والأزرق والكحلي للترمل والحداد، والأحمر لون الفرح والطرب والسرور، والأحمر القائم للإيماء والمحظيات، وظهرت الأكمام المفتوحة المطرزة وبالسراويل البيضاء المذيلة بالتطريز، إذ كانت المرأة تلبس قميصا مشقوقا عند الرقبة يسمى الاتب وملاءة واسعة ولبست أيضا الإزار وهو رداء قصير على الكتفين، والجدير بالملاحظة أن المرأة اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالإزار فتفننت في حياكته فزينته بالزنانير وخيوط الإبريسم والذهب، ليزيدها جمالًا وأناقة، ومنهن من لبسن إزارين مختلفين في الألوان، وقد شاع اللون الأبيض والأزرق، وقد ورد في شعر الجاحظ حيث يقول:
الي وان كان ازاري خرقا في برنكاني سملا...قد اقلقي قد جعل الله لساني مطلقا
وكذلك السروال الذي شاع ارتداءه بين النساء بمختلف طبقاتهن، وكان اللون السائد للسروال هو اللون الأبيض، كسروال عريب مغنية وشاعرة المأمون، كما زينته المرأة بالزنانير وخيوط الإبريسم والذهب، كما لبس النساء المسجد وهو قميص ذو أكمام ضيقة يغطى ثلاثة أرباع الذراع ويصنع من القماش الخفيف من خيوط القطن أو الحرير ولبست المرأة أيضا الرداء وهو يغطى الجسم كله وله كمان وتفاوتت الأردية في نوعية الأقمشة ومادة التطريز فمن الممكن أن تصنع من القطن أو الكتان أو الحرير، ومن الممكن أن تطرز من الخرز أو الأحجار الكريمة، وكانت المرأة تتفن في تصنيف الشعر وتسريحه وفي تزيينها وتعطيرها، فقد تجعل شعرها غدائر مجعدة او طويل فاحم السواد وقد تتركه مسدولًا من الخلف وترصف الاصداغ بعناية ودقة، وهذه ظاهرة للمرأة البغدادية لم تكن موجودة قبل ذلك بكونها شكلًا جديداً من اشكال تصفيف الشعر، قد تزينت المرأة في هذا العصر بأنواع متعددة من الحلي منها زينة الرأس والشعر وارتدت التيجان كحلي للرأس، فالسيدات الأغنياء فقد اتخذن غطاء للرأس يسمى البرنس وكان مرصعاً بالجواهر ومحلى بسلسلة ذهبية مطعمة بالأحجار الكريمة، أما نساء الطبقة الوسطى فكن يزين رؤوسهن بحلية مسطحة من الذهب ويلففن حولها عصبة منظمة باللؤلؤ والزمرد، بينما كانت زينة العنق القلائد والمخنقة والتي كانت تلتصق بالرقبة التصاقا شديدا، أما زينة الأطواق فكانت عبارة عن حلقة مستديرة تحيط بالعنق ويرى أنها كانت موجودة في العصر السومري والبابلي مع اختلاف الخامات وقد برعت النساء في كتابة الأشعار على الأزياء وكتبوا الشعر بخيوط الفضة والذهب واستخدموا خيوط التطريح على الأكمام والعصائب وقد اشتهرت علية بنت المهدى بعصابتها وما بها من جواهر، وقد كان للسيدة زبيدة (زوجة الرشيد) أثر كبير في تطور الزي وتغيير ملابس السيدات، واشتهرت زبيدة بتوشية ملابسها وكانت ترتدي نوعا من الحرائر عرف باسم (البريم)، ولقد اهتمت المرأة بارتداء الرَّيْطَة في العصر العباسي للين ملمسها، وهي على أشكال عدة؛ فمنها المزركش والمزين والملون كما لبست المرأة ما يسمى بالبَرْنكان، وهو شبيه الرَّيْطة ونفس استعمالها، يلبس فوق الثياب كالإزار والجبة، وغالبًا ما يكون لونه هو اللون الأسود، وغالبًا ما تتم صناعته من الصوف، كما يطلق عليه بالملاءة.

يصف الخطيب البغدادي سيدات المجتمع العباسي في بغداد، بأنهن اتخذن زينة عظيمة من الحلي والجواهر والأحجار الكريمة المشغولة ببغداد وسائر المدن والعواصم في الأقاليم المجاورة، فجلبن الانتباه لجمالهم وفخامة ملابسهن وزينتهن وحليهن.


عند مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، شهدت الأزياء التقليدية في العراق مُنعطفًا حاسمًا تمثل في تزايد تجليات التأثير العثماني على المشهد الثقافي والمظهري للمنطقة، وتميز الزي التقليدي بالاحتشام والطبقات المتعددة حيث ارتدت النساء البراقع والفساتين الطويلة ذات الأكمام الطويلة وكانت ملابسهم مزخرفة بالألوان والتطريزات الغنية والمعقدة، مع استخدام الأقمشة الفاخرة مثل الحرير والساتان،
في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت الأزياء التقليدية تعكس انتماءات العيش في المكان والطبقة، وكانت المدينة تتميز بزي يختلف عن زي القرية، وبدأ التغير مع دخول السترة والبنطال والملابس الاوربية الجاهزة وانتشارها تدريجياً، وبعد نشوء الدولة العراقية الحديثة، تبدلت البنية الرمزية للزيّ على نحو يعكس انكسار السردية التقليدية لصالح هيمنة المشروع الحداثي الغربي، وبعد انتشار التعليم وافتتاح المدارس والمعاهد ومن ثم الجامعات سرَت موجة من التحدي داخل المجتمع العراقي وحبه للتغيير من النمطية فظهرت موجة من السافرات اللواتي لاقين التشجيع من قبل الشعراء وبعض السياسيين، ولم يعد الزيّ مجرد انعكاس لقيم الماضي، بل أصبح أداة تعبير عن الانخراط في عالم يتغير، وبدأت الأزياء بالتطور مع تطور البلد وبروز الطبقة الوسطى، ونتيجة متابعة العروض السينمائية وتقليد نجمات السينما والبسة العائلة الملكية وكبار الشخصيات المثقفة شجعت البغدادية في صناعة ملابسهن،

وشهدت أزياء المرأة تحوّلاً جوهريًا، إذ بدأت البلوزة والتنورة والفساتين القصيرة نسبيًا تحلّ محلّ الثوب التقليدي في البيئات الحضرية، تعبيرًا عن انفتاح اجتماعي من جهة، وضغط مجتمعي نحو النمط المعولم من جهة أخرى، وبقيت العباءة العراقية المصممة والمغزولة يدويا هي ما يلف تحته احدث الموديلات، اقيمت عروض للأزياء في الستينات والسبعينات وكانت السيدة سعاد ارشد العمري مصممة الديكور الانيقة ابنة السياسي العراقي الشهير أرشد العمري الذي شغل منصب رئيس وزراء العراق في العهد الملكي وكذلك منصب أمين بغداد، والتي كانت تتمتع بذوق رفيع معروفة من قبل سيدات المجتمع العراقي من خلال ترأسها لجمعية الهلال الأحمر النسائية في اواخر الخمسينات، ومنصب مدير عام شركة المخازن العراقية (أوروزدي باك)، كما ترأست إدارة الشركة العامة للخياطة في الوزيرية هي من كانت وراء عروض الأزياء، اذ انها اقامت اول عرض للأزياء في قاعة الشعب بجوار مبنى وزارة الدفاع في الميدان، و السيدة فريال الكيليدار المرأة المبدعة المولودة في كربلاء والتي تُعد من أبرز الشخصيات العراقية في مجال الأزياء والفن التراثي، التي استلهمت جانبا من اعمالها وتصاميمها من الزخارف والنقوش العراقية، حيث قامت بتأسيس دار الأثاث العراقية عام 1970 لها الفضل بتطويرها والتي التي أصبحت واجهة مهمة للتعريف بالتراث والهوية العراقية، عملت على تقديم الأزياء العراقية التقليدية بأسلوب فني حديث، ونقل صورة عن التنوع الثقافي والتراثي للعراق إلى العالم، وخلال فترة إدارتها، شاركت الدار في عروض ومهرجانات دولية في عدد كبير من الدول، لتصبح الأزياء العراقية حاضرة على منصات عالمية ، من بينها إيطاليا، سويسرا، فرنسا والولايات المتحدة، سعاد ارشد العمري وفريال الكيلدار تلك الشخصيتين البارزتين في تا ريخ العراق الحديث المهتمتين بالازياء ولهما الفضل بتعريف الزي العراقي عربيا وعالميا

شهد العصر الحديث تغيرات جذرية في الأزياء لعراقية، حيث تأثرت بالموضة الغربية بشكل كبير، وارتدي الناس الملابس العصرية مثل الجينز والتنانير القصيرة والقمصان، وفي الوقت نفسه حافظت بعض الفئات على الأزياء التقليدية، فالمرأة العراقية التي تجمع بين القوة والنعومة بملابسها التقليدية الاصيلة، والتي طالما اثارت الاعجاب بجمالها الطبيعي الذي يجمع بين سحر الشرق وعبق الاصالة، ورغم الانفتاح على الثقافات المختلفة تحرص على الحفاظ على موروثاتها الثقافية وتقاليدها التي تميزها عن غيرها من نساء العالم، وتحمل في قلبها ذلك التراث وهو اللبس التقليدي الذي يعكس الأناقة والبساطة
ومثال على ذلك:

في بغداد كانت سيدات بغداد يلبسن الصاية ذات الاكمام الطويلة والمزينة بخيوط من ذهب والفضة والحرير ويلبسن تحته فستانا من الساتان والبعض يلبس الثوب الهاشمي هو من اعرق واجمل الازياء التراثية التقليدية العراقية القديمة جدا وتاريخه يعود الى مدينة البصرة، الزي الهاشمي أيقونة التنوع الثقافي وسفير العراق في أرقى العروض العالمية من الاثواب التقليدية للبصرة، ويعد سيد الأزياء التراثية وأكثرها فخامة، الهاشمي، ارتده ميسورات البصرة والغنيات ونساء الشيوخ وتميزت من ترتديه بالجاه والمكانة الراقية وتعددت تطريزاته حسب الحالة الاجتماعية ووصل للحجاز عن طريق الكويت فقد كانت البصرة مكان لا يمكن وصفة متطورة جدا جدا والمناطق حولها يتسوقون منها للعروس نسيج واقمشة وكل شيئ فقد كان سكان الجزيرة العربية يتسوقون من البصرة ونتيجة للاختلاط وايضا كان الحجاج عند قدومهم فقد اصبح هذا الثوب مشهور في الحجاز والمنطقة الشمالية القريبة من حدود العراق والكويت والمناطق المجاورة وانتشر وفق البيئة وكانوا يتسوقون ويطرزونه تطريز تراثي من تراثهم هم وانتشر اكثر عندما ارتده نسوة بني هاشم في الحجاز واخذوه بعد ذلك ليصبح ثوب تقليدي لهذه المنطقة الجغرافية البصرة والخليج أيضا.
الهاشمي في الأصل عباءة أو ثوب واسع يتميّز بخطوطه الطويلة وتطريزه الفاخر الذي يعكس مكانة من يرتديه، وهو ثوب فضفاض واسع جداً يتميز بأكمامه الطويلة العريضة التي تُسمى (الردان). يُصنع من أقمشة رقيقة وشفافة مثل الشيفون، التول، أو الموسلين، ويُطرز يدوياً بخيوط الذهب والفضة (الكلبدون) والخرز البراق بنقوش نباتية حول الصدر والأطراف، وكان يُرتدى فوق فستان ستان او الشفون او الكتان او الاصواف لإبراز جمال التطريز، قام بعض المصممين بتطويره ما سمح بالتجديد وعدم الخروج عن شكله المعهود.. البغداديات يعشقن الذهب ومن أبرز الحلي في العهد الملكي: قلادة ام الليرات (سلسلة محلاة بقطع نقدية ذهبية)، والكردان (عقد ذهبي كبير وثقيل)، والأساور العريضة، التي صيغت لهن عند افضل صاغة المحلة، وكان لكل حي جواهرجي، واغلب الجواهرجية كانوا من الطائفة اليهودية، اما صاغة المينا والنقاشون على الذهب فهم من مندائيي العراق وهم مشهورون بصياغة المينا وترصيع الذهب بالأحجار الكريمة، البغداديات عرفن بالعباءة كملابس للفخر، وعلامة على حسن الحالة المادية، و كانت عباءات النساء الميسورات من الحريرالفاخر او الجوخ والبعض تحلى عباءاتهن بزوج من الحلي الذهبية التي تتدلى من طرفي العباءة عند الرأس وتسمى بـ (البلابل).

الفترة الذهبية في منتصف القرن العشرين (الأربعينات والخمسينات)، كانت العباية العراقية تُنسق في شوارع بغداد مع الفساتين العصرية والكعب العالي، واعتبرت رمزاً رفيعاً للأناقة الاجتماعية والهوية بغض النظر عن الانتماء الديني أو القومي، في التسعينات شهدت العباءة تحولاً ملحوظاً باتباع أحدث صيحات الموضة العالمية، أصبحت العباءات أكثر أناقةً وإتقاناً، وبدأت النساء بتجربة قصات وألوان وزخارف مختلفة، في العصر الحالي، انتقلت المرأة العراقية بشكل واسع إلى ارتداء الأزياء العصرية والفساتين والملابس العملية الحديثة، بينما ظل "الهاشمي" والعباءة رموزاً تراثية تُرتدى في الأعياد والمناسبات الوطنية والاحتفالات الشعبية.
اما الزي التقليدي للمرأة الريفية في الجنوب فانه يتكون غالباً من عباءة سوداء واسعة تُرتدى فوق ثوب ملون، مع وشاح للرأس يسمى "الشيلة" أو "الچنچة"
الألوان الزاهية تحت العباءة تعكس الفرح والاحتفاء بالمناسبات، بينما اللون الأسود يرمز إلى الوقار والاحتشام.
الزخارف المطرزة يدوياً على الأكمام أو أطراف الثوب تحمل رموزاً محلية، مثل النخلة أو الهلال، وتُعدّ تعبيراً عن الانتماء للمكان، وفي الاهوار ترتدي النساء ثوبا طويلا يعرف بالقفطان والذي ما يكون مزينا لتطريزات دقيقة، وغطاء الراس الذي يغطي الوجه اثناء العمل في جمع الحشائش والقصب للحفاظ على الوجه من الحشرات واشعة الشمس.

في شمال العراق تتميز الأزياء النسائية الكردية، لا سيما، الشائعة على نطاق واسع في كردستان، ببريقها ولمعانها والوانها الصارخة، التي تسر الناظر وتستقطب الانتباه حتى من مسافات بعيدة، فالزي الكردي عموما يتكون من ثوبين وسترة وبسروال طويل والثوب يأخذ أنماطاً فضفاضة وأكماماً واسعة تنتهي بقطع تتدلى على جانبي المرأة مثل جناحين، وزي المرأة الكردية مستمد من شكل الحمامة، وهو رمز السلام والجمال عند الميتانيين، وهو رمز ميتاني أصيل كما كشفت عن ذلك الكشوفات الأثرية،، وعادة ما يتم تنسيق الألوان بدقة متناهية بين لون قماش الأثواب والقميص الداخلي والسترة القصيرة والسروال الطويل الذي تمتد اكمامه الضيقة الى اسفل الكعبين، الذي يحاك في الغالب من الاقمشة الحريرية ذات البريق الساطع، حتى تبدو لمن ينظر الى المرأة التي ترتدي هذا الزي الشعبي بصورته الكاملة، وكأنه ينظر الى لوحة فنية لرسام متذوق جمع فيها كل الوان الطيف الجذابة وابدع في التنسيق والمزج بينها لتظهر على هيئة موزاييك يثير الاعجاب والاندهاش، لا سيما اذا كانت التي ترتديه فتاة جميلة ذات قامة ممشوقة وفارعة، وتحرص المرأة الكردية غالبا على ارتداء هذا الزي الفسيفسائي الجميل في المناسبات السعيدة، وتعمد سيدات او بنات الاسر الثرية الى ارتداء الأحزمة الذهبية التي يزيد عرضها عن عشرة سنتيمترات التي تصنع خصيصا لهذا الغرض ، حيث تربط حول الخاصرة امعانا في المزيد من الاثارة واظهار المفاتن، وإضافة إكسسوارات معدنية من الذهب أو الفضة والتزيين بالخرز وإضافة خيوط ذهبية على السترة،

غطاء الرأس، والذي يأخذ أشكالا متعددة، فإنه يتألف من قطعتين أو ثلاثة وتأخذ الزخرفة وتناسب الألوان ونوعية النسيج دوراً في إبراز جماليته وانعكاس ذاك الجمال على جمال المرأة الكردية، وغطاء الرأس علامة هامة تدل على جغرافية وانتماء المرأة لإقليم ما، وتندرج الأزياء الكردية، ويتألف غطاء الرأس من هبريتين ملونتين، واحدة لتغطية الرأس والثانية تتدلى على الصدر وإلى الخلف، وإما أن تتخذ من الكتان الأبيض النقي أو المائل للزرقة النيلية، والمزين بالخرز على مجمل محيط الكتان لمنحه الثقل لمقاومة حركة الريح، والهبرية لا تشبه الحجاب الديني الذي يغطي كامل شعر المرأة، وإنما هي قطعة قماش ملونة من الحرير الطبيعي أو الصناعي تظهر سوالف، أو “كذلة -بيش عنيك” الشعر المبرومة والمتصلة بجديلتين تتدليان على كل جانب من الصدر، ويتخذ غطاء الرأس أسماء عدة هي “كلاو”، و”تبله”، و”وشكي”، و”بوشيه".”
شمال العراق في نينوى وسهولها وكردستان وبعض من المحافظات الاخرى، فالمسيحيين العراقيين، لهم من الأزياء التراثية ما يعكس عمق تاريخهم في بلاد ما بين النهرين أيضاً،

ومن أشهر الأزياء المسيحية الزي الفلكلوري السرياني والآشوري المشهور باسم (الخومالا)، أو زيّ الزينة، الذي يتميز بألوانه الزاهية. المهتمة بالأزياء الفلكلورية السريانية (جان دارك هوزايا)، المقيمة في أستراليا ومؤلفة كتاب (أزياؤنا التراثية – بابلية آشورية)، تقول: تراثنا وتاريخنا يتواصلان مع الحضارة البابلية الآشورية المتجسدة في الألواح والأختام والنقوش والرسم على الجدران والسقوف، التي رفدت الأزياء بجمالية ساحرة امتازت بالبساطة في التصميم وبألوان عميقة وقوية ومطعمة بأشكال هندسية أو أزهار أو نجوم، وفيها دلالات تاريخية، وأحياناً رموز تظهر منقوشة على بعض قطع الزيّ، تضيف هوزايا: إن قطع الأكسسوارات التي ترتديها النساء كثيرة الشبه بتلك التي اكتشفت مع مقتنيات الملكات في بلاد ما بين النهرين التي تمتد إلى الأعماق السحيقة للتاريخ ، وكان يلبس في مناسبات الأفراح ‏والزواج فقط، لكنه في العقود الأخيرة أصبح أكثر انتشاراً، ويتم ارتداؤه والتزين به في المناسبات ‏الوطنية والأعياد القومية إلى جانب مناسبات الأفراح والزواج، فالزيّ الفلكلوري النسوي في عنكاوة، التي تقطنها غالبية مسيحية، يتألف من الفستان أو ما يسمى (الشوقتا) من أنواع مختلفة من الأقمشة وفوقها (القبايا) ثم (البصلما)، وهناك نوع ‏من الشال يغطي الرأس يسمى (كرموكا)، فيه طاسة مصنوعة من الفضة أو الذهب، وتزين الرقبة بحلي تسمى (كردانة).

أما الزيّ التراثي النسائي للتركمان فيسمى أيضاً بالأناضولي أو العثماني: ترتدي النساء التركمانيات الفساتين المطرزة بشكل دقيق،، فهذا الزي يصنع من الأقمشة المزخرفة ويتألف من (اليلك)، وهو رداء طويل حتى الذيل يلبس فوق القميص ويكون مفتوحاً من الأمام، ويلف حول الخصر حزام من الحرير أو الكشمير أو المعدن. وكانت النساء التركمانيات يلبسن البرقع أيضاً بالإضافة إلى القبعة الخاصة، فضلاً عن سروال فضفاض، كما ان النساء الإيزيديات غالبا ما يرتدين "الشيلة" أو "الشال" الملون بألوان دافئة، اما الزي التقليدي والديني الأبرز لنساء الصابئة المندائيين هو الرستة (أو الراستا / الكساء النوراني) رداء أبيض ناصع.

ولعل الصحراء هي الوحيدة التي لم تتأثر وضلت محافظة على اصالتها وتراثها العربي الاصيل والبدوي، تمثل الملابس فيها جزءاً من هوية من يرتديها، ويمكن من خلالها التعرف إلى بعض التفاصيل، ولا سيما بالنسبة إلى النساء، فيظهر التطريز في ازيائهم لتعطيها الطابع الصحراوي، و لأية قبيلة تنتمي.
تحفظ الأزياء الذاكرة الجمعية للشعب، فتربط الحاضر بالماضي، وتمنح المستقبل جذورًا لا تنقطع، وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته صناعة الأزياء في العالم وحضورها الطاغي في كثير من المجتمعات، تبقى الأزياء التقليدية لبلد ما جزءاً من تاريخه وهوية المجتمع فيه، ان التنوع الثقافي العراقي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه يعتبر قوة ضخامة تراثه الذي يبصم ثروة التقاليد وميزة التنوع الحضاري في الأزياء التقليدية لكل شبر من المناطق، فبعض المناطق لا تزال قابضة على تراث الأزياء الخاصة بها، ولا يزال حاضراً وحياً، في حين اعتمدت مناطق أخرى الأنماط الحديثة من الملابس، وخفت حضور أزيائها التقليدية التي كاد بعضها يندثر، ولكن عرف الحرفيون والخياطون كيف يحافظون على خصائص ومميزات صناعة اللبس التقليدي التي لا زالت اناملهم تجيدها، وهناك طرق مختلفة للحفاظ على صناعة الأزياء التقليدية من خلال تشجيع الحرفيين والخياطين تعليم أجيال جديدة باعتبار ان هذه الفنون تنتقل بالتوارث بين الأجيال في بيئتها المحلية، وتسجيل ما بقى من تلك الصناعة، سواء من خلال الكتب أو الفيديوهات أو الصور، مع شرح أسباب الالتزام بذلك الزى وأسباب تغيره، بالإضافة إلى عمل معارض ومتاحف للأزياء الشعبية والتراثية، وفى حالة اندثارها وعدم وجودها، يظل هناك مرجع لتلك الفترة وتلك الأزياء التى كانوا يرتدونها فى تلك الأماكن، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

686 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع