البتاوين .. من بساتين بغداد إلى ذاكرة المدينة وتحولات الزمن

البتاوين .. من بساتين بغداد إلى ذاكرة المدينة وتحولات الزمن

بقلم: قاسم محمد داود

المقدمة

حين يتجول المرء في أزقة بغداد القديمة، لا يمر بالمكان وحده، بل يعبر طبقات متراكمة من الذاكرة؛ فكل محلة تحمل شيئاً من سيرة المدينة، من عمرانها وناسها وعاداتها وتحولاتها. وبين أحياء الرصافة التي ارتبط اسمها بتاريخ بغداد الاجتماعي والعمراني، تبرز البتاوين بوصفها واحدة من المناطق التي تختصر جانباً مهماً من حكاية العاصمة.

تقع البتاوين في قلب بغداد، بالقرب من شارع السعدون وشارع أبي نواس وساحتي التحرير والنصر. ولم تكن المنطقة في بداياتها سوى بساتين تقع خارج أسوار بغداد القديمة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى حي سكني، ثم إلى منطقة حضرية متعددة الوظائف. ويرتبط اسمها، وفق روايات تاريخية متعددة، بجماعات قدمت إلى هذه البساتين واستقرت فيها، قبل أن يتحول اسم الجماعة إلى اسم للمكان.

لكن أهمية البتاوين لا تكمن في موقعها أو قدم نشأتها فحسب؛ فقد كانت، في مراحل مختلفة من تاريخها، صورة مصغرة من بغداد المتنوعة. عاش فيها المسلم والمسيحي واليهودي، وتجاورت البيوت السكنية مع دور العبادة، وبرزت فيها أنماط معمارية بغدادية مميزة، ولا سيما البيوت ذات الشناشيل، كما ارتبطت بها أسماء شخصيات تركت بصماتها في تاريخ المدينة.
ومع اتساع بغداد وتغير بنيتها السكانية والعمرانية، تغيرت البتاوين هي الأخرى. فقد انتقلت من حي سكني ذي طابع اجتماعي وثقافي مميز إلى منطقة تتداخل فيها الوظائف السكنية والتجارية والمهنية، وبرز فيها نشاط طبي واسع، إلى جانب الصيدليات ومخازن الأدوية وورش الطباعة وغيرها من الأنشطة التي جعلتها جزءاً مهماً من الحياة اليومية للعاصمة.
غير أن العقود الأخيرة حملت معها تحولات أكثر قسوة؛ فتراجعت أجزاء من صورتها القديمة، وتبدل تركيبها السكاني، وظهرت مشكلات عمرانية واجتماعية وأمنية ألقت بظلالها على سمعتها، حتى أصبحت المنطقة ترتبط في الذاكرة المعاصرة بصورة تختلف كثيراً عن تلك التي عرفها سكان بغداد في عقود سابقة.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى البتاوين، لا بوصفها مجرد منطقة تغيرت ملامحها، ولا باعتبارها حكاية حنين إلى بغداد القديمة، وإنما باعتبارها شهادة حية على التحولات التي مرت بها العاصمة العراقية نفسها. فقراءة تاريخ البتاوين تعني، في جانب منها، قراءة لتاريخ بغداد الحديثة: كيف خرج العمران من حدود المدينة القديمة، وكيف تغيرت تركيبتها الاجتماعية، وكيف انتقلت البساتين إلى أحياء سكنية، ثم إلى مركز حضري متعدد الوظائف، وكيف أثرت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صورة المكان ومكانته.
يحاول هذا البحث تتبع مسيرة البتاوين من خلال موقعها الجغرافي، وأصل تسميتها، وتاريخها العمراني والاجتماعي، وأبرز الشخصيات التي سكنت فيها، ومعالمها وشواهدها القديمة والحديثة، ودورها في النشاط الطبي والصيدلاني والطباعة، وصولاً إلى التحولات التي طرأت عليها في العقود الأخيرة والصورة الأمنية التي ارتبطت بها. والغاية في النهاية ليست استعادة صورة مثالية للماضي، وإنما فهم المسافة التي قطعتها البتاوين بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه.
أولاً: الموقع الجغرافي لمنطقة البتاوين
تحتل البتاوين موقعاً مركزياً في جانب الرصافة من بغداد، في المنطقة الواقعة بين الباب الشرقي والامتدادات الجنوبية باتجاه الكرادة، وعلى مقربة من شارع أبي نواس وضفة دجلة. وقد جعلها هذا الموقع جزءاً من النسيج الحضري الذي نشأ بين بغداد القديمة وامتداداتها الحديثة نحو الجنوب.

وترتبط صورة البتاوين الجغرافية بعدد من أبرز شوارع ومعالم بغداد. فمن جهة الشمال تقترب من ساحة التحرير والباب الشرقي ونصب الحرية، ومن جهة الغرب تتصل بشارع أبي نواس وضفة دجلة، بينما تمتد جنوباً باتجاه الكرادة. ويخترق شارع السعدون المنطقة ويشكل أحد أهم محاورها العمرانية والحركية، فيما تتفرع من جانبيه أزقة وشوارع تصل داخل البتاوين بالمناطق المحيطة بها. وتتوسط المنطقة ساحة النصر التي ارتبط اسمها، على مدى عقود، بالنشاط الطبي والعيادات والصيدليات.
ولا تقتصر أهمية الموقع على قربه من المعالم المركزية للعاصمة؛ فالبتاوين تقع عند نقطة تتقاطع فيها طرق الحركة بين قلب الرصافة ومناطق بغداد الجنوبية، الأمر الذي منحها قيمة عمرانية وتجارية متزايدة. ولهذا تحولت مع نمو بغداد من حي سكني إلى فضاء مختلط تتجاور فيه المساكن والمحال التجارية والفنادق والعيادات والمكاتب وورش العمل.
وتشير الدراسات التخطيطية إلى أن الحدود المتداولة للبتاوين في الذاكرة الشعبية والكتابات الصحفية قد تكون أوسع من حدودها التخطيطية الدقيقة؛ وهو أمر ينبغي الانتباه إليه عند الحديث عن المنطقة، خصوصاً أن بعض المعالم التي تنسب إليها شعبياً تقع على أطرافها أو في نطاقات متداخلة معها.
وهذه الملاحظة ليست تفصيلاً إدارياً فحسب، بل تساعد على فهم طبيعة البتاوين نفسها؛ فهي لم تكن محلة مغلقة بحدود واضحة بقدر ما كانت جزءاً من منطقة حضرية أخذت تتوسع وتتداخل مع الباب الشرقي والسعدون وأبي نواس والكرادة. ولذلك ظل اسمها في الوعي البغدادي أوسع أحياناً من الحدود التخطيطية للمحلة.
ثانياً: أصل التسمية.. من «البتاوي» إلى «البتاوين»
لا يمكن فصل اسم البتاوين عن المرحلة الأولى من تاريخ المنطقة، حين لم تكن المحلة قد أصبحت بعد جزءاً من النسيج العمراني لبغداد،

وكانت الأرض التي تقوم عليها اليوم مجموعة من البساتين والمزارع الواقعة خارج أسوار المدينة. فالاسم، في أصله، يبدو مرتبطاً بجماعة من الناس استقرت في المكان ومارست الزراعة فيه، ثم تحولت نسبتهم مع مرور الزمن إلى اسم للمحلة بأكملها. وترد في المصادر أكثر من رواية عن أصل هذه النسبة، إلا أن روايتين تبدوان الأكثر حضوراً في الكتابات التي تناولت تاريخ البتاوين.
الرواية الأولى تقول إن الاسم يعود إلى قرية «البتة» في منطقة الحلة، وإن بعض أهلها هاجروا إلى بغداد واستقروا في البساتين الواقعة جنوب الباب الشرقي، ومنها بستان مامو وبستان الخس. وبحسب هذه الرواية، كان يقال عن القادم من تلك القرية «بتاوي»، ثم أصبح جمعها «بتاويين»، فأطلق الاسم على المنطقة التي سكنوها وزرعوها.
أما الرواية الثانية فتربط الاسم بقرية «البت» الواقعة على النهروان شمالي ديالى، وتقول إن مزارعين من تلك القرية نزحوا إلى بغداد خلال القرن التاسع عشر، وأقاموا في الأراضي الزراعية الواقعة جنوب الباب الشرقي، فعرفوا بالبتاويين، ثم انتقلت التسمية إلى المكان. وتُنسب هذه الرواية في عدد من المصادر إلى المؤرخ والباحث عماد عبد السلام رؤوف.
وتبدو المسألة أكثر تعقيداً بسبب وجود خلط في بعض المصادر بين موضعي «البت» و«البتة»، ولذلك يصعب التعامل مع إحدى الروايتين بوصفها حقيقة نهائية من دون العودة إلى وثائق أقدم، مثل سجلات الطابو والوثائق العثمانية وسجلات الأوقاف والاستيطان الزراعي.
والصياغة الأكثر احتياطاً في بحث يتوخى الدقة التاريخية هي القول إن اسم البتاوين يرتبط بجماعات مهاجرة من موضع يحمل اسماً قريباً من «البت» أو «البتة»، استقرت في بساتين المنطقة خلال القرن التاسع عشر، ثم تحولت نسبتهم إلى اسم للمكان. والمؤكد في الروايتين أن المنطقة كانت في تلك المرحلة أرضاً زراعية وبساتين خارج حدود بغداد المبنية، وأن اسم البتاوين ارتبط بسكان مارسوا الزراعة فيها قبل أن تتحول تدريجياً إلى حي سكني. وقد عرفت المنطقة أيضاً باسم «كرادة البتاويين».
وتكمن أهمية الاسم في أنه يحفظ مرحلة كاملة من تاريخ المكان. فقبل أن تكون البتاوين شارعاً وداراً وعيادة وفندقاً ومطبعة، كانت أرضاً وبساتين ومزارعين وافدين إليها من خارج بغداد. ومع توسع العاصمة اختفت الصورة الزراعية القديمة، لكن الاسم بقي وانتقل من الخريطة الزراعية إلى الخريطة الحديثة للمدينة.
وهكذا أصبح اسم «البتاوين» نفسه شاهداً على رحلة المكان من الأرض الزراعية إلى المحلة، ومن المحلة إلى الحي المركزي، ومن جماعة وافدة إلى مجتمع بغدادي متنوع.

ثالثاً: تاريخ منطقة البتاوين.. من البساتين إلى قلب بغداد
لفهم تاريخ البتاوين لا بد من العودة إلى صورتها الأولى. فقد كانت المنطقة في مراحل سابقة أرضاً زراعية وبساتين تقع جنوب الباب الشرقي وخارج حدود المدينة المبنية، وكانت تضم بساتين ومزارع صغيرة، من بينها بستان الخس، الذي عُرف بهذا الاسم لكثرة زراعة الخس فيه، وبستان مامو الذي ارتبط اسمه بأسرة آل "مامو" وهي أسرة موصلية قديمة استوطنت بغداد وكان لها أملاك وبساتين في المنطقة، حسب روايات متكررة.
ومع اتساع بغداد خلال النصف الأول من القرن العشرين بدأ المشهد يتغير. وكان الطريق الذي أصبح لاحقاً شارع السعدون جزءاً من شبكة ممرات تمر بين البساتين والمزارع.
ومع تطوير الشارع في ثلاثينيات القرن العشرين أخذت المباني السكنية والتجارية تحل تدريجياً محل أجزاء من المشهد الزراعي القديم، وارتبطت الصورة الحديثة للمنطقة بصورة خاصة بعمارة الأربعينيات والخمسينيات.
كان هذا التحول جزءاً من التحول الأوسع الذي شهدته بغداد عندما بدأت تتجاوز حدودها القديمة. فالبساتين التي كانت تقع خارج الأسوار أصبحت تدريجياً جزءاً من المدينة، وتحولت الأراضي الزراعية إلى أحياء وشوارع وأسواق ومراكز للخدمات.
وفي هذا السياق أصبح شارع السعدون محوراً أساسياً في تطور البتاوين. فلم يعد مجرد طريق يمر في منطقة البساتين، بل تحول إلى شارع حضري تحيط به المحال والمقاهي ودور السينما والفنادق والعيادات والمباني السكنية. وتظهر صور أرشيفية من عام 1952 شارع السعدون في البتاوين بوصفه جزءاً من منطقة كانت قد دخلت بالفعل مرحلة الازدهار العمراني في منتصف القرن العشرين.
وفي العقود التالية أصبحت البتاوين واحدة من المناطق التي تعكس تنوع بغداد الاجتماعي والديني. عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وتجاورت فيها البيوت ودور العبادة والمحال والورش والمقاهي. ولم يكن هذا التنوع مجرد ظاهرة سكانية، بل ترك أثره في العمارة والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية. وشهدت المنطقة أيضاً حضوراً ثقافياً ومهنياً لافتاً. فقد ارتبطت بها المقاهي والأنشطة الفنية والصحفية، وظهرت فيها المطابع ومكاتب الصحف والشخصيات الأدبية والفنية، كما أصبحت العيادات الطبية والصيدليات ومخازن الأدوية جزءاً من هويتها الحضرية.
لكن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق انعكست على المنطقة بصورة واضحة، وكان خروج أعداد كبيرة من اليهود العراقيين في خمسينيات القرن العشرين وما بعدها من أبرز التحولات التي غيرت تركيبتها الاجتماعية. ومع مرور الزمن تبدلت الملكيات والسكان والوظائف، وبدأت أجزاء من النسيج السكني القديم تفقد طبيعتها الأولى.
وفي العقود اللاحقة ازدادت الضغوط العمرانية والاجتماعية. فقد تحولت أجزاء من المنطقة من السكن إلى الاستخدامات التجارية والمهنية والفندقية، وظهرت أنشطة اقتصادية متنوعة، بينما تراجعت بعض البيوت التراثية وتعرضت أخرى للإهمال أو التغيير.
وبذلك مرت البتاوين بمراحل متعاقبة: من البساتين إلى السكن، ومن السكن إلى مركز حضري متعدد الوظائف، ثم إلى منطقة تعاني في أجزاء منها من تداخل المشكلات العمرانية والاجتماعية والأمنية.
ولا يمكن اختزال هذا التاريخ في قصة صعود ثم سقوط؛ فالبَتاوين لم تفقد كل وظائفها القديمة، ولم تختفِ شخصيتها بالكامل، وإنما بقيت طبقات من تاريخها متجاورة داخل المكان نفسه. وهذا ما يجعلها مختلفة عن حي فقد ماضيه تماماً، أو حي بقي محافظاً على صورته القديمة دون تغيير.
رابعاً: أبرز الشخصيات التي سكنت البتاوين
كان تنوع سكان البتاوين أحد عناصر أهميتها، فقد سكنها أو ارتبط بها عدد من الشخصيات السياسية والثقافية والطبية والفنية، إلى جانب عائلات بغدادية ويهودية ومسيحية تركت أثراً في تاريخ المنطقة.

زها حديد ومحمد حديد
تأتي المعمارية العراقية العالمية زها حديد في مقدمة الشخصيات المرتبطة بالبتاوين. فقد نشأت في بيت عائلتها في المنطقة، وهو البيت الذي ارتبط باسم والدها محمد حديد، السياسي والاقتصادي العراقي المعروف.
ويكتسب بيت عائلة حديد أهمية خاصة لأنه يمثل نموذجاً من بيوت بغداد الحديثة التي جمعت بين الطابع السكني والوعي المعماري الجديد. وقد أشارت تقارير إلى أن البيت بني في ثلاثينيات القرن العشرين بتصميم المعماري السوري بدري قَدَح، وظل مرتبطاً بذاكرة زها حديد وبدايات حياتها في بغداد.
أما محمد حديد، فقد كان شخصية سياسية واقتصادية بارزة، وشغل مواقع حكومية في العهد الجمهوري، وكان من الشخصيات المعروفة في الحياة السياسية العراقية. وقد عاش في البتاوين بالقرب من القصر الأبيض، وهو ما تؤكده شهادات من سكان المنطقة في تلك الفترة.


عبد الكريم قاسم
ترتبط البتاوين أيضاً باسم عبد الكريم قاسم. ووفق شهادة ابنة أخته خولة القيسي، فقد استأجر قاسم بيتاً بسيطاً في البتاوين عندما كان ضابطاً، وكان يدفع إيجاراً سنوياً متواضعاً، قبل أن يهدم البيت بعد أحداث عام 1963. وتضيف هذه الرواية بعداً مختلفاً إلى تاريخ المنطقة؛ فالبتاوين لم تكن محلة الأثرياء أو أصحاب المكانة الاجتماعية وحدهم، وإنما سكنها أيضاً أشخاص كانوا في مراحل مبكرة من حياتهم المهنية قبل أن يصلوا إلى مواقع سياسية بارزة.
الدكتور داود روبين كباي
يمثل الأطباء وجهاً آخر من وجوه البتاوين. ومن أبرزهم الدكتور داود روبين كباي الذي انتقل إلى بغداد في ستينيات القرن العشرين وفتح عيادته في المنطقة، وأصبح اسمه معروفاً لدى سكان بغداد، ولا سيما المرضى القادمين من المحافظات. وتكتسب سيرته أهمية لأنها تكشف طبيعة العلاقة التي نشأت بين البتاوين والنشاط الطبي؛ فقد لم تكن المنطقة مكاناً للعيادات فحسب، وإنما أصبحت مقصداً للمرضى ومركزاً مهنياً يرتبط بالحياة الصحية في العاصمة.
ويرتبط بالمنطقة كذلك اسم الدكتور جاك عبود شابي، الذي كان من الوجوه الطبية المعروفة في بغداد، وإن كانت الأدلة المتاحة على إقامته في البتاوين أقل وضوحاً من الأدلة الخاصة بكباي، ولذلك ينبغي وضعه ضمن الشخصيات الطبية المرتبطة بالمنطقة لا ضمن قائمة السكان المؤكدين بالدرجة نفسها.
محمود فهمي درويش
وتذكر مصادر تتناول الحياة البغدادية القديمة اسم الكاتب والمؤرخ محمود فهمي درويش ضمن سكان بستان مامو في البتاوين. وهو من الشخصيات التي جمعت بين الكتابة والتوثيق، ومن أعماله «دليل الجمهورية العراقية» الذي يمثل مصدراً مهماً لدراسة الحياة الإدارية والاجتماعية في العراق في تلك المرحلة.

عزيز علي
كان الفنان والملحن والمنولوجست عزيز علي من سكان البتاوين أيضاً، وقد ارتبط اسمه بأحد البيوت القريبة من القصر الأبيض. وتكشف شهادات من سكان المنطقة عن طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت تجمع الفنانين والمثقفين والسياسيين في المكان.


العائلات اليهودية
لا تكتمل صورة سكان البتاوين من دون التوقف عند العائلات اليهودية التي عاشت فيها لعقود. فقد ضمت المنطقة عائلات وأسماء يهودية عراقية عديدة، وكانت لهم فيها بيوت وممتلكات ومؤسسات دينية واجتماعية. ويمثل وجود هذه العائلات جزءاً أساسياً من هوية البتاوين القديمة؛ فالمعبد والبيت والسوق والمدرسة والمقهى لم تكن عناصر منفصلة، بل كانت مكونات مجتمع متنوع عاش في مساحة حضرية واحدة.
ومن المهم هنا التمييز بين الشخص الذي سكن البتاوين فعلاً، ومن امتلك فيها عقاراً أو عمل فيها أو ارتبط بها ثقافياً. فليس كل اسم يظهر في وثيقة ملكية أو في رواية عن المنطقة يمكن تصنيفه تلقائياً ضمن سكانها، وهذه الدقة ضرورية خصوصاً عند الحديث عن شخصيات مثل مير بصري وغيره ممن ترتبط أسماؤهم بالمنطقة بطرق متعددة.
وفي المحصلة، تكشف قائمة سكان البتاوين عن حقيقة أوسع: أن المنطقة كانت فضاءً بشرياً متنوعاً، جمع السياسي والطبيب والكاتب والفنان ورجل الأعمال والعائلة البغدادية التقليدية، كما احتضن جماعات دينية وقومية متعددة.
خامساً: المعالم والشواهد البارزة.. قديمها وحديثها
لا تكمن قيمة البتاوين في مبنى منفرد، وإنما في شبكة من المعالم التي نشأت داخلها أو على أطرافها، وفي العلاقة بين البيت والشارع والمقهى ودور العبادة والسوق والعيادة.
دور العبادة وشواهد التعدد الديني
يمثل معبد مئير طويق أحد أبرز الشواهد على الوجود اليهودي في المنطقة. ويرتبط المعبد بتاريخ المجتمع اليهودي العراقي، وقد بني في أربعينيات القرن العشرين، ثم أصبح جزءاً من ذاكرة البتاوين الدينية والاجتماعية. ولم يكن المعبد مكاناً للصلاة فقط، بل ارتبطت به وظائف اجتماعية وتعليمية وثقافية، كما تكشف الوثائق التاريخية عن وجود أوقاف وعقارات مرتبطة به. وإلى جانب مئير طويق، عرفت البتاوين معابد يهودية أخرى، منها معبد شماش ومعبد مسعودة يوسف شمطوب، وهي شواهد على مجتمع كان جزءاً من الحياة اليومية لبغداد قبل التحولات الديموغرافية الكبرى التي أصابته.

أما الحضور المسيحي، فتمثله كنيسة العائلة المقدسة الكلدانية في البتاوين، إلى جانب مؤسسات وكنائس كلدانية وأرمنية قريبة من المنطقة. وتبقى هذه المؤسسات شاهدة على التعدد الديني الذي كان من أبرز سمات بغداد الحديثة.
وعلى أطراف المنطقة تبرز أيضاً كنيسة القديس غريغوريوس الأرمنية الأرثوذكسية، التي شهدت أعمال ترميم واسعة وأعيد افتتاحها في كانون الأول 2025، لتضيف إلى المشهد التراثي والديني المحيط بالبتاوين شاهداً حياً على إمكانية استعادة المباني التاريخية لوظيفتها ومكانتها.

البيوت التراثية والشناشيل
من أهم ما يميز البتاوين بيوتها القديمة التي تنتمي إلى مرحلة التوسع العمراني في بغداد خلال النصف الأول من القرن العشرين. وتجمع هذه البيوت بين التخطيط الداخلي الذي يراعي الخصوصية والمناخ، وبين عناصر معمارية مثل الشناشيل والأفنية الداخلية والزخارف الطابوقية. ولا تكمن أهمية هذه البيوت في عمرها وحده، بل في كونها تمثل مرحلة انتقالية في العمارة البغدادية؛ فهي ليست بيوت بغداد القديمة داخل الأزقة التقليدية، ولا هي المباني الحديثة التي ظهرت لاحقاً، وإنما تنتمي إلى مرحلة تشكل بغداد الحديثة.


شارع السعدون
يحتل شارع السعدون مكانة خاصة في تاريخ البتاوين. فقد بدأ بوصفه طريقاً يمر بين البساتين، ثم تحول إلى واحد من أهم شوارع بغداد الحديثة. وسُمّي شارع السعدون نسبةً إلى عبد المحسن السعدون، السياسي العراقي ورئيس الوزراء في العهد الملكي، تخليداً لاسمه. وحين أصبح شارعاً حضرياً، ارتبط بالمحال والمقاهي ودور السينما والفنادق والعيادات والمباني السكنية، فأصبح شرياناً للحركة والحياة اليومية. ومن خلاله يمكن قراءة التحول الذي أصاب المنطقة كلها: من أرض زراعية إلى مركز حضري.


المقاهي ودور السينما
كانت المقاهي من أبرز فضاءات الحياة الاجتماعية والثقافية في البتاوين، ومن أشهرها «مقهى المعقدين» الذي عرف في ستينيات القرن العشرين بوصفه مكاناً يلتقي فيه الأدباء والشعراء والفنانون والسياسيون.
ولم تكن المقاهي مجرد أماكن للجلوس، بل كانت جزءاً من الحياة الثقافية لبغداد، خصوصاً في مرحلة كانت فيها الصحافة والطباعة والأدب والمسرح والفن تتفاعل داخل أحياء المدينة ومقاهيها. كما عرفت المنطقة دوراً للسينما وأماكن للعروض الفنية، الأمر الذي جعلها جزءاً من الحياة الترفيهية والثقافية في بغداد.
الأسواق والحرف والخدمات
مع تغير طبيعة المنطقة ظهرت فيها أنشطة تجارية وحرفية متعددة، ولا سيما على شارع السعدون والشوارع المتفرعة منه، وفي منطقة شارع تونس وما حولها. وتداخلت المحال التجارية مع الورش والمكاتب والخدمات المختلفة، فتحولت البتاوين تدريجياً إلى مركز اقتصادي متنوع. وفي الوقت نفسه أصبحت ساحة النصر ومحيطها مركزاً طبياً معروفاً، وارتبط اسم المنطقة بالعيادات والصيدليات ومخازن الأدوية، وهو نشاط يستحق أن يفرد له قسم مستقل لأنه كان من أهم وظائف البتاوين في بغداد الحديثة.
سادساً: البتاوين مركزاً للنشاط الطبي والصيدلاني والطباعة
من الوظائف التي منحت البتاوين مكانة خاصة في بغداد الحديثة وظيفتها الطبية والمهنية. فقد تحولت منطقة ساحة النصر ومحيط شارع السعدون إلى مركز مهم للعيادات الطبية الخاصة، وتجاورت فيها عيادات الأطباء مع الصيدليات ومخازن الأدوية. وأصبح الوصول إلى المنطقة جزءاً من حركة يومية للمرضى القادمين من مختلف أحياء بغداد، بل ومن خارجها. وساعد الموقع المركزي للبتاوين على نمو هذا النشاط؛ فهي قريبة من قلب بغداد، ومتصلة بشبكة من الشوارع الرئيسية، ويمكن الوصول إليها من الرصافة ومناطق بغداد الجنوبية بسهولة نسبية.
إلى جانب الطب والصيدلة، ارتبطت البتاوين بالطباعة والصحافة. فقد ظهرت فيها مطابع وورش طباعة ومكاتب صحف، وتحولت بعض أزقتها إلى أماكن يرتادها الكتاب والصحفيون والفنانون. وكانت هذه الأنشطة جزءاً من الحياة المهنية والثقافية للمنطقة، إلى جانب المقاهي ودور السينما.
وهكذا لم تعد البتاوين محلة للسكن فقط، بل أصبحت منطقة للعمل والعلاج والتجارة والثقافة. وهذه النقلة في الوظائف هي التي تفسر جانباً كبيراً من تغير صورتها العمرانية والاجتماعية.
سابعاً: من الحي السكني إلى منطقة تستوقفها الحملات الأمنية
لم تكن التحولات التي أصابت البتاوين عمرانية واقتصادية فقط، بل كانت اجتماعية وأمنية أيضاً.
فمع تراجع بعض وظائفها السكنية القديمة، وتغير ملكية العقارات، وخروج جماعات كانت تشكل جزءاً من نسيجها الاجتماعي، دخلت المنطقة في مرحلة من التعقيد الاجتماعي. وتزامن ذلك مع تراجع بعض الخدمات، وتهالك عدد من الأبنية، وظهور أنشطة غير قانونية في أجزاء منها، الأمر الذي ساهم في تغيير صورتها لدى سكان بغداد.
وبعد عام 2003 ازدادت هذه التحولات تعقيداً، مع النزوح والتبدلات السكانية والاقتصادية، وظهور أنشطة مرتبطة بالمخالفات القانونية والإقامة غير النظامية والجريمة المنظمة في بعض أجزاء المنطقة.
لكن من الخطأ اختزال البتاوين كلها في هذه الصورة؛ فالمنطقة ليست كتلة اجتماعية واحدة، ولا يمكن تحميل جميع سكانها وأصحاب محالها والعاملين فيها مسؤولية ما يحدث في بعض أجزائها. كما أن وجود مخالفات أو جرائم في منطقة ما لا يلغي تاريخها ولا يختصر سكانها في هذه الظاهرة.
وقد شهدت البتاوين في أيار 2024 واحدة من أكبر الحملات الأمنية التي عرفتها في العقود الأخيرة، وأعلنت وزارة الداخلية أن الحصيلة النهائية للعملية بلغت 608 متهمين، بينهم أجانب ومن جنسيات آسيوية، في حملة جمعت بين الجانب الأمني والإجراءات الخدمية. وتكررت الحملات في السنوات التالية. ففي 26 أيار 2026 أعلنت قيادة شرطة بغداد الرصافة إلقاء القبض على 93 شخصاً من جنسيات مختلفة لمخالفتهم شروط الإقامة، إضافة إلى سبعة أشخاص في حالة سكر وشخصين لا يحملون مستمسكات ثبوتية. وفي 14 أيلول 2026، شهدت المنطقة حملة تفتيش استباقية جديدة أسفرت، وفق بيان قيادة شرطة الرصافة، عن القبض على ثمانية مطلوبين وفق مواد قانونية مختلفة، بينهم متهم وفق المادة 36 المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى 65 مخالفاً لشروط الإقامة، وإغلاق محل لبيع المشروبات الكحولية مخالف للتعليمات. وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الحاجة إلى المعالجة الأمنية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن المشكلة لا يمكن أن تعالج بالأمن وحده. فالحملة الأمنية تستطيع ضبط المطلوبين والمخالفين، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تأهيل البيوت القديمة، أو تحسين الخدمات، أو معالجة الفقر والبطالة، أو تنظيم سوق العقارات، أو استعادة الوظائف الثقافية والاقتصادية التي فقدتها المنطقة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نطهر البتاوين من المشكلات الأمنية؟ بل: كيف نعيد بناء البيئة الحضرية والاجتماعية التي تجعل القانون والخدمات والاستثمار والثقافة جزءاً من الحياة اليومية للمكان؟
الخاتمة: البتاوين بين تركة التاريخ ومخاضات الواقع
تقدم البتاوين مثالاً واضحاً على الطريقة التي يمكن أن تتغير بها أحياء المدن من دون أن تفقد بالضرورة كل ما راكمته من تاريخ. فمنطقة بدأت بساتين خارج أسوار بغداد تحولت إلى حي سكني، ثم إلى مركز حضري متعدد الوظائف، احتضن جماعات دينية واجتماعية مختلفة، وسكنته شخصيات سياسية وثقافية وطبية وفنية، واحتوى بيوتاً تراثية ومعابد وكنائس ومقاهي ومطابع وعيادات وأسواقاً.
لكن هذا الإرث لم يكن بمنأى عن التحولات الكبرى التي شهدها العراق. فقد تغير السكان والملكية والوظائف، وتعرضت الأبنية والخدمات للتراجع، وظهرت في أجزاء من المنطقة مشكلات اجتماعية وأمنية انعكست على سمعتها وصورتها في الوعي العام. وقد أظهرت الحملات الأمنية المتكررة، من عملية 2024 التي أعلنت وزارة الداخلية أن حصيلتها النهائية بلغت 608 متهمين، إلى حملتي 2026، أن الدولة ما زالت تتعامل مع المنطقة باعتبارها تحتاج إلى حضور أمني مستمر. لكن استمرار هذه الحملات لا ينبغي أن يقود إلى النظر إلى البتاوين كلها باعتبارها منطقة جريمة، لأن ذلك يطمس الفارق بين المكان وتاريخه وسكانه من جهة، وبين المخالفات والأنشطة غير القانونية التي تظهر في أجزاء منه من جهة أخرى.
إن استعادة البتاوين لا يمكن أن تكون مشروعاً أمنياً فقط. فالأمن شرط أساسي لعودة الحياة الطبيعية، لكنه يحتاج إلى أن يترافق مع مشروع عمراني واجتماعي واقتصادي واضح: ترميم البيوت التراثية، تحسين الخدمات، تنظيم استخدامات العقارات، حماية المعالم الدينية والتاريخية، تشجيع الاستثمار المسؤول، واستعادة الوظائف الثقافية التي كانت جزءاً من شخصية المنطقة. والبتاوين، في النهاية، ليست مجرد محلة في قلب بغداد، بل ذاكرة مادية واجتماعية لمرحلة مهمة من تاريخ المدينة. وفي بيوتها وشوارعها ومعابدها وكنائسها ومقاهيها وعياداتها ومطابعها وأسماء سكانها، ما يزال شيء من بغداد التي عرفها العراقيون في القرن العشرين. ولذلك فإن الحفاظ على البتاوين لا يعني تجميدها في الماضي، ولا إعادة إنتاج صورتها القديمة كما كانت، وإنما منحها فرصة جديدة لتستعيد دورها داخل بغداد الحديثة، مستفيدة من موقعها وتاريخها وتنوعها العمراني والبشري.
فالمطلوب ليس أن تعود البتاوين إلى ما كانت عليه، فهذا مستحيل، وإنما أن تنتقل من مرحلة التعامل معها بوصفها مشكلة أمنية متكررة إلى التعامل معها بوصفها جزءاً من ثروة بغداد الحضرية والتراثية، يستحق الإصلاح والاستثمار والحماية.
وهنا تحديداً تكمن قيمة البتاوين: أن اسمها بقي حياً رغم تغير المكان، وأن ما تبقى منها يمكن أن يكون أساساً لمستقبل مختلف، إذا أدركت بغداد أن بعض أحيائها القديمة لا تحتاج إلى أن تُستعاد إلى الماضي، بل إلى أن تُمنح مستقبلاً يليق بتاريخها.

*******************

المصادر والمراجع
جواد، مصطفى؛ وسوسة، أحمد. دليل خارطة بغداد المفصل في خطط بغداد قديماً وحديثاً. بغداد: مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1378هـ/1958م.
العزاوي، عباس. تاريخ العراق بين احتلالين. 8 مجلدات. بغداد: مطبعة بغداد، 1353هـ/1935م – 1376هـ/1956م.
غنيمة، يوسف رزق الله. نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق. الطبعة الثانية، تحقيق وتقديم مير بصري. بغداد: دار الوراق، 1997م.
بصري، مير. أعلام الأدب في العراق الحديث. 3 مجلدات. الطبعة الأولى. لندن: دار الحكمة، 1994م.