
حين كانت بغداد تخرج إلى الفرح: ذاكرة العطل والأعياد ونزهات البغداديين بين دجلة وضواحي المدينة

لم تكن العطلة في ذاكرة بغداد القديمة مجرد يوم يتوقف فيه العمل، ولا كان العيد مناسبة تُختصر بثوب جديد أو مائدة عامرة، بل كانا زمنًا اجتماعيًا خاصًا تستعيد فيه المدينة علاقتها بأهلها، ويستعيد البغداديون علاقتهم بالمكان.

كانت الأسرة تستعد منذ الصباح الباكر، وأحيانًا منذ الليلة السابقة، لما يشبه الرحلة الصغيرة خارج إيقاع الحياة اليومية؛ تُهيأ الأطعمة، وتُملأ القناني بالماء والشاي، وتُرتب الفواكه والحلويات، وتُحمل الحصر والبطانيات وأدوات إعداد الشاي، ثم تنطلق العائلات في السيارات والحافلات، أو تتجه إلى ضفاف دجلة والقنوات والبساتين القريبة. ولم يكن المقصد في ذاته هو كل الحكاية؛ فمتعة الطريق، واجتماع الأقارب، وانتظار الأطفال، والجلوس تحت الأشجار، وصوت الماء، ورائحة السمك المشوي أو الدولمة والكباب، كلها كانت أجزاء من طقس بغدادي صنع ذاكرة جماعية لا تزال حاضرة في أحاديث الأجيال.

وكانت سلمان باك، بما تحمله من قيمة دينية وتاريخية وبما يحيط بها من بساتين وفضاءات مفتوحة، واحدة من الوجهات التي جمعت بين الزيارة والنزهة. يتجه إليها البغداديون في أيام العطل والمناسبات، فيزور بعضهم مرقد الصحابي سلمان الفارسي، ثم تمتد الرحلة إلى البساتين والمناطق القريبة حيث تجلس العائلات لساعات طويلة. وهنا كانت الرحلة تحمل معنى مزدوجًا: روحانية الزيارة من جهة، وفرحة الاجتماع العائلي من جهة أخرى. وكان الأطفال يجدون في المساحات المفتوحة مجالًا للعب، بينما يتبادل الكبار الأحاديث ويُعد الشاي على نار هادئة، وتتحول الوجبة المشتركة إلى جزء من هوية اليوم كله. وفي كثير من البيوت لم يكن السؤال: ماذا سنفعل في العطلة؟ بل: إلى أين سنخرج؟ وكانت سلمان باك من الأجوبة التي تتكرر بمحبة.

أما الحبانية فكانت تمثل للبغداديين انتقالًا إلى فضاء مختلف؛ ماء واسع وهواء مفتوح وإحساس بالسفر، وإن كانت الرحلة لا تبتعد كثيرًا عن بغداد بمقاييس الرحلات الطويلة. كانت العائلة تخرج مبكرًا لتضمن يومًا كاملًا قرب البحيرة، ويصبح الطريق نفسه مناسبة للمرح والغناء وتبادل الطعام. وعند الوصول تبدأ تفاصيل النزهة: اختيار مكان مناسب، فرش الحصر، إعداد الغداء، مراقبة الأطفال قرب الماء، والتقاط الصور التي أصبحت اليوم وثائق عائلية لمرحلة كاملة. ارتبطت الحبانية في الذاكرة الشعبية بمواسم الربيع والأعياد والعطل الطويلة، وبذلك الشعور النادر بأن المدينة تُترك مؤقتًا خلف الظهر وأن اليوم كله ملك للعائلة والأصدقاء.

ولبحيرة الثرثار حضور مشابه وإن اختلفت طبيعة الرحلة. كان اتساع المكان يمنح الزائر إحساسًا بالانفصال عن ازدحام العاصمة، وكانت الرحلات الجماعية إليها تحتاج إلى شيء من التنظيم والاستعداد، ولذلك كانت أكثر رسوخًا في الذاكرة. الطعام يُعد بكميات تكفي الجميع، والشاي لا ينقطع، وألعاب الأطفال تمتد بين الماء واليابسة، والكبار يجدون وقتًا للحديث بعيدًا عن واجبات العمل وضجيج الأسواق. لم تكن هذه الرحلات استهلاكًا ترفيهيًا بقدر ما كانت صناعة بسيطة للسعادة من عناصر متاحة: ماء، ظل، طعام منزلي، صحبة محببة، ووقت لا يطارده أحد.
ومن الرحلات التي حملت طابعًا تاريخيًا وثقافيًا زيارة الزقورة، ولا سيما زقورة عقرقوف القريبة من بغداد. كانت الرحلة إليها تجمع بين الدهشة أمام أثر موغل في القدم وبين متعة الخروج إلى الفضاء المفتوح. بالنسبة إلى الطفل البغدادي كانت كتلة الطين الهائلة التي ترتفع أمامه مشهدًا مختلفًا عن البيوت والأسواق والمدارس، وبالنسبة إلى الكبار كانت فرصة للحديث عن تاريخ العراق وحضاراته. وهكذا تحولت النزهة أحيانًا إلى درس غير مكتوب في التاريخ، تُروى فيه الحكايات وتُلتقط الصور ويكتشف أفراد الأسرة أن الترفيه لا ينفصل بالضرورة عن المعرفة. لقد كانت عقرقوف مثالًا على قدرة بغداد وضواحيها على تقديم مكان يجمع الأثر والهواء الطلق والذاكرة في يوم واحد.

أما نواعير حديثة، وإن كانت أبعد من النزهات القريبة، فقد دخلت ضمن الرحلات التي يقصدها العراقيون والبغداديون خصوصًا حين تسمح العطلة بوقت أطول. منظر النواعير على الفرات، وصوت دورانها، وطبيعة المنطقة، كلها كانت تمنح الرحلة طابعًا خاصًا. فالانتقال من بغداد إلى حديثة لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل انتقال من مشهد دجلة والعاصمة إلى مشهد الفرات ومدنه. وكانت مثل هذه الرحلات تعزز معرفة العراقي ببلده عبر المتعة، فيصبح المكان الذي قرأ عنه في المدرسة صورة حية وصوتًا ورائحة وذكرى عائلية. وربما لهذا بقيت الرحلات البعيدة نسبيًا أكثر ثباتًا في الذاكرة، لأنها كانت تحتاج إلى قرار واستعداد وانتظار، وكلما طال الانتظار ازدادت قيمة اليوم عند وصوله.

وفي داخل بغداد أو على أطرافها كان صدر القناة من الأسماء التي ارتبطت بالنزهات الشعبية. فالماء والخضرة والفضاءات المفتوحة كانت عناصر كافية لجذب الأسر في أيام الجمعة والأعياد، ولا سيما في الفصول المعتدلة. كانت العائلات تبحث عن مكان قريب لا يتطلب سفرًا طويلًا ولا كلفة كبيرة، وتجد في هذه المواقع فرصة للجلوس ساعات خارج البيت. وكانت طبيعة النزهة الشعبية تقوم على المشاركة؛ أسرة تجلب قدر الدولمة، وأخرى تحمل الفاكهة، وثالثة تتكفل بالشاي أو المشروبات، فيصبح الطعام نفسه تعبيرًا عن روح الجماعة. وفي تلك الأماكن كانت الحدود بين الأسر تبدو أقل صلابة، فالناس يتبادلون التحية والمساعدة، والأطفال يكوّنون صداقات عابرة تنتهي بانتهاء اليوم لكنها تبقى جزءًا من صورته.

ولا يمكن استعادة ذاكرة نزهات بغداد من دون الحديث عن الجراديغ الممتدة على نهر دجلة. والجراديغ، بما كانت توفره من جلسات قريبة من الماء ومناخ اجتماعي خاص، مثّلت وجهًا مميزًا من وجوه الترفيه البغدادي. كان دجلة هنا ليس مجرد نهر يمر في قلب المدينة، بل مجلسًا كبيرًا يلتقي عنده الناس. تختار الأسرة مكانها، ويبدأ إعداد الطعام أو طلب السمك، وتتصاعد رائحة المسكوف التي ارتبطت بالنهر وببغداد ارتباطًا يكاد يكون عضويًا. ويجلس الناس يتابعون حركة الماء والقوارب، ويستمعون إلى الأغاني والأحاديث، بينما تمتد السهرة في بعض المناسبات إلى ساعات متأخرة. وكانت الجراديغ تمنح البغدادي شعورًا بأن النهر جزء من بيته الكبير، وأن الخروج إليه ليس سفرًا بل عودة إلى عنصر أصيل من عناصر هوية المدينة.
ومن أكثر الأسماء إثارة للحنين جزيرة أم الخنازير، التي عُرفت لاحقًا باسم جزيرة بغداد السياحية بعد تطويرها. فقد ارتبطت الجزيرة في مراحل مختلفة بالنزهة والعبور إلى فضاء تحيط به المياه، وكان مجرد الوصول إليها يحمل للأطفال خصوصًا إحساس المغامرة. ومع تطور المرافق الترفيهية أصبحت مقصدًا أكثر تنظيمًا، لكنها ظلت تحتفظ في الذاكرة الشعبية باسمها القديم وبالحكايات التي نسجها الناس حولها. كانت العائلات تقضي يومها بين الأشجار والممرات والماء والألعاب، وتحمل معها الطعام أو تستفيد من الخدمات الموجودة، وتلتقط الصور التذكارية التي تُظهر أزياء الأزمنة المختلفة وتغير شكل الأسرة والمدينة معًا. إن صور جزيرة أم الخنازير ليست صور مكان فحسب؛ إنها أرشيف اجتماعي لبغداد في عقود متعاقبة.

والراشدية بدورها كانت وجهة محببة بسبب بساتينها وطبيعتها القريبة من بغداد. كان الخروج إليها يعني الانتقال من كثافة العمران إلى فضاء الأشجار والأرض والماء، ولذلك أحبها من يريد قضاء يوم هادئ بعيدًا عن الصخب. وكانت الرحلات إلى البساتين تحمل طابعًا حميميًا؛ فالعائلة لا تحتاج إلى برنامج معقد، وإنما إلى ظل شجرة ومكان آمن وطعام أُعد في البيت. وفي الربيع خصوصًا كانت الأرض نفسها تصبح جزءًا من الاحتفال، وتنتشر رائحة الأعشاب والزهور، ويشعر الناس بأن العطلة عودة إلى الطبيعة بقدر ما هي خروج من المنزل.

ولم تكن هذه الأماكن وحدها التي صنعت خريطة الفرح البغدادي. فقد كان أبو نؤاس وشاطئ دجلة من أشهر فضاءات المساء والنزهة، وكان متنزه الزوراء في مراحل لاحقة مقصدًا أساسيًا للأطفال والعائلات، كما قصد الناس الأعظمية والكاظمية لا للزيارة الدينية وحدها بل للتجول في الأسواق والجلوس قرب النهر وتناول الطعام والحلويات. وكانت المدائن وما حولها تجمع التاريخ والزيارة والنزهة، فيما جذبت بساتين الدورة والزعفرانية والمناطق المحيطة بالعاصمة أسرًا كثيرة في الربيع. وكانت بعض العائلات تتجه إلى ديالى وبساتينها، أو إلى مناطق أبعد عندما تطول العطلة، فتتحول المناسبة إلى رحلة عائلية مصغرة لا تنفصل فيها صلة الرحم عن اكتشاف المكان.
وكان للعيد طقسه الخاص. بعد صلاة العيد والزيارات الصباحية وتبادل التهاني والعيديات، تبدأ المرحلة التي ينتظرها الأطفال: الخروج. الملابس الجديدة لا تكتمل فرحتها إلا في الشارع والمتنزه، والعيدية تكتسب معناها حين تتحول إلى لعبة أو حلوى أو ركوب في إحدى وسائل الترفيه. وكانت الحدائق العامة والملاهي والأنهار والأسواق تمتلئ بالعائلات، وتبدو بغداد كأنها بيت كبير فتح أبوابه دفعة واحدة. وفي الأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية كانت الزيارات العائلية تتداخل مع النزهات، فيبدأ اليوم في بيت الجد أو الجدة وينتهي على ضفة دجلة أو في متنزه أو بستان.
أما أيام الجمعة فكانت عيدًا أسبوعيًا صغيرًا عند كثير من الأسر. منذ الصباح تُسمع حركة التحضير، وتختلف المائدة عن الأيام العادية، ثم يأتي قرار الخروج بحسب الفصل والطقس والإمكانات. ولم تكن القدرة المادية شرطًا لصناعة يوم جميل؛ فمن لا يستطيع الذهاب بعيدًا يجد على ضفاف النهر أو في حديقة قريبة ما يكفي لتغيير إيقاع الأسبوع. هذه البساطة هي إحدى السمات الأهم في ثقافة النزهة البغدادية القديمة: لم يكن المكان مطالبًا بأن يقدم عشرات الخدمات، لأن الأسرة نفسها كانت تحمل معها عناصر المتعة. الطعام من البيت، والشاي من البيت، والألعاب بسيطة، والموسيقى من مذياع صغير أو من أغنيات يرددها الركاب في الطريق، والصحبة هي العنصر الأغلى.
وكانت الرحلات المدرسية والوظيفية والنقابية تضيف بعدًا آخر لهذه الثقافة. فالطلاب يزورون المواقع الأثرية والمتنزهات، والموظفون ينظمون سفرات جماعية مع عائلاتهم، والجيران يتفقون على حافلة تقلهم إلى الحبانية أو عقرقوف أو إحدى البساتين. وهكذا لم تكن النزهة نشاطًا فرديًا، بل أداة لبناء العلاقات الاجتماعية. في الطريق تُحل خلافات صغيرة، وتنشأ صداقات، ويتعرف الأطفال إلى أبناء زملاء آبائهم، وتتحول المؤسسة أو المحلة إلى جماعة اجتماعية خارج حدود العمل والسكن.
وللطعام في هذه الرحلات تاريخ موازٍ لتاريخ الأماكن. فالدولمة كانت مناسبة للرحلات لأنها تُعد مسبقًا ويمكن حملها، والكبة والكباب والدجاج المشوي والفواكه الموسمية كانت حاضرة بحسب الأسرة والفصل، بينما احتفظ المسكوف بمكانته الاستثنائية قرب دجلة. وكان الشاي سيد الجلسة بلا منازع؛ فبعد الغداء تبدأ جولة الاستكانات، ويطول الحديث، وربما تُلعب الدومينو أو الطاولي، بينما يواصل الأطفال الركض واللعب. وفي بعض الرحلات يُعد الطعام في المكان نفسه، فيتحول إشعال النار وترتيب القدور والشواء إلى نشاط جماعي لا يقل متعة عن تناول الطعام.
وكانت الصور جزءًا مهمًا من المناسبة، حتى قبل أن تصبح الكاميرا في يد كل شخص. من يمتلك آلة تصوير كان يصبح مسؤولًا عن تثبيت اليوم في الذاكرة: صورة جماعية أمام الزقورة، صورة قرب النواعير، صورة على ضفة دجلة، صورة للأطفال في الجزيرة، وأخرى للأصدقاء قرب السيارة أو الحافلة. واليوم، حين تُفتح ألبومات الأسر القديمة، يمكن قراءة تاريخ بغداد الاجتماعي من تلك الصور: نوع الملابس، السيارات، تسريحات الشعر، شكل المتنزهات، عدد أفراد الأسرة، وطريقة جلوس الناس. إنها مادة تاريخية صامتة تخبرنا كيف كان العراقيون يفهمون الفرح وكيف كانوا يصنعونه.
وما يميز تلك النزهات أنها كانت توسع مفهوم المدينة. بغداد بالنسبة إلى أهلها لم تكن حدود الأحياء والشوارع فقط، بل شبكة من الأمكنة التي تصلها بها طرق الذاكرة: سلمان باك في اتجاه، والراشدية في اتجاه آخر، والحبانية والثرثار في الأفق الأبعد، وعقرقوف قريبة بما يكفي لرحلة يوم واحد، ودجلة يشق قلب الحكاية كلها. كان البغدادي يعرف محيط مدينته من خلال العائلة، لا من خلال الخرائط، ويقيس المسافة بعدد الاستراحات والأغاني وأكواب الشاي التي ترافق الطريق.
كما تكشف هذه الذاكرة عن قيمة اجتماعية ربما تراجعت مع تغير أنماط الحياة، وهي أن الفرح كان فعلًا جماعيًا. لم يكن الفرد يذهب وحده ليبحث عن الترفيه، بل كانت الأسرة الممتدة أو مجموعة الجيران والأصدقاء هي وحدة الرحلة الأساسية. وكان حضور الجد والجدة والأعمام والأخوال يمنح اليوم طبقات متعددة من الحكايات. الصغار يلعبون، والشباب يتحركون بين المجموعات، والكبار يستعيدون ذكرياتهم، فتتجاور الأجيال في مكان واحد. ومن هنا كانت النزهة وسيلة غير مباشرة لنقل العادات واللهجة والحكايات والقيم بين الأجيال.
ومع مرور الزمن تغيرت بغداد، وتغيرت وسائل النقل والترفيه، وظهرت المراكز التجارية والمطاعم الحديثة والفضاءات المغلقة، وتبدلت بعض المواقع أو أسماؤها أو وظائفها. لكن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى حكم بأن الماضي كان كاملًا والحاضر خاليًا من الفرح؛ فلكل زمن وسائله وظروفه. القيمة الحقيقية في استعادة هذه الصور هي فهم شكل من أشكال الحياة الاجتماعية كان المكان الطبيعي فيه شريكًا للإنسان. النهر والبستان والبحيرة والأثر لم تكن خلفية للصورة فقط، بل كانت جزءًا من التجربة ومن تكوين الذاكرة.
إن الحديث عن سلمان باك والحبانية والثرثار والزقورة ونواعير حديثة وصدر القناة والجراديغ وجزيرة أم الخنازير والراشدية ليس تعدادًا لأماكن سياحية، وإنما استعادة لخريطة وجدانية. لكل اسم منها صوت ورائحة وطعم وحكاية. بعضها يذكّر بصباحات العيد، وبعضها بسفرات المدارس، وبعضها بموقد الشاي، وبعضها بصورة أب أو أم لم يعودا موجودين إلا في الألبوم والذاكرة. لذلك تصبح دراسة النزهات البغدادية مدخلًا لقراءة المجتمع نفسه: كيف كان يتواصل، وكيف كان ينفق وقت فراغه، وكيف كان يربي أبناءه على الاجتماع، وكيف كان يحول أبسط الموارد إلى مناسبة للبهجة.
لقد عرف البغداديون أن العطلة ليست فراغًا بين يومي عمل، بل مساحة لإعادة بناء الصلة بالعائلة والمكان. وكانوا، من دون تنظير، يمارسون فلسفة بسيطة للحياة تقول إن المدينة لا تُعاش بالعمل وحده، وإن الإنسان يحتاج إلى يوم يرى فيه النهر من دون استعجال، ويجلس تحت شجرة من دون موعد، ويشارك طعامه مع من يحب، ويترك للأطفال مساحة ليصنعوا ذكرياتهم بأنفسهم. وربما لهذا بقيت أسماء تلك الأماكن حيّة حتى عند من لم يزر بعضها منذ عقود؛ لأن المكان حين يدخل الذاكرة عبر الفرح لا يعود مجرد نقطة على الخريطة، بل يصبح جزءًا من السيرة الشخصية والجماعية.
وهكذا كانت بغداد في العطل والأعياد والمناسبات تخرج من بيوتها إلى الماء والخضرة والأثر. تمتد من دجلة إلى الفرات، ومن الجراديغ إلى البساتين، ومن جزيرة أم الخنازير إلى عقرقوف، ومن سلمان باك إلى الراشدية، وتفتح للعائلة العراقية مجالًا لتكتب يومًا مختلفًا عن بقية الأيام. وما أحوج الذاكرة الثقافية اليوم إلى توثيق هذه التفاصيل الصغيرة قبل أن تضيع، لا من باب الحنين وحده، بل لأنها تكشف وجهًا من وجوه بغداد الاجتماعية: مدينة عرفت، رغم ما مر بها، كيف تجعل من العطلة مناسبة لصلة الرحم، ومن الطريق حكاية، ومن الطعام مشاركة، ومن النهر رفيقًا، ومن المكان ذاكرة لا تشيخ.

466 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع