استفتاء حاسم يحدد مستقبل حياد سويسرا

 هل مازالت سويسرا محايدة

العرب/جنيف- يقود الملياردير السويسري كريستوف بلوشر حملة لتعديل الدستور بهدف إلغاء المرونة في تطبيق مبدأ الحياد، وذلك قبيل تصويت مقرر إجراؤه في 27 سبتمبر.

تُعارض الحكومة هذا المقترح؛ فهي تؤيد البقاء على الحياد لكنها ترغب في الاحتفاظ ببعض المرونة، ويُنظر إلى الأمر باعتباره مواجهة مباشرة بين رؤيتين متنافستين لدور البلاد في العلاقات الدولية.

يعكس هذا الجدل تساؤلات أوسع حول هوية سويسرا ومكانتها في عالم تتزايد فيه الانقسامات الدولية؛ حيث يجادل مؤيدو التغيير بأن التفسير الصارم للحياد أمر لا غنى عنه لمنع انجرار البلاد إلى الحروب.

بالنسبة للملياردير السويسري كريستوف بلوشر، هناك دائماً معركة جديدة يخوضها.

بنى الرجل -البالغ من العمر 85 عاماً- سمعته التجارية في شركة التصنيع "إي إم إس-كيمي" (EMS-Chemie)، ثم حوّل حزبه السياسي إلى الأكبر في البلاد من خلال الترويج لخطاب قومي ومعادٍ للهجرة. ورغم تراجعه قليلاً عن الواجهة في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يقف يوماً موقف المتفرج؛ فمع استعداد البلاد للتصويت هذا الشهر بشأن مبدأ الحياد الراسخ لديها، انخرط بلوشر بقوة في الحملة الداعية للتغيير.

يهدف المقترح المطروح للتصويت إلى تعديل الدستور وإلغاء أي مرونة في كيفية تطبيق الحياد. ويكمن جوهر هذه الحملة في القرار السويسري المفاجئ عام 2022 بتبني عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، وهو قرار عارضه بلوشر و"حزب الشعب السويسري". يعكس هذا الجدل تساؤلات أوسع حول موقع البلاد في عالم تتزايد فيه حدة الانقسامات في العلاقات الدولية. وبالنسبة للكثيرين في المعسكر اليميني، فقدت سويسرا الكثير مما كان يميزها، ولا يمكنها المخاطرة بإضعاف مبدأ الحياد.

إنها مواجهة مباشرة بين رؤيتين متنافستين؛ إذ ترى الأولى أن السيادة والحياد والنأي بالنفس عن القوى الكبرى — ولا سيما الاتحاد الأوروبي — هي الركائز الأساسية لنجاح سويسرا. في المقابل، تعتبر الرؤية الثانية أن التعاون الدولي أمر حيوي لاقتصاد صغير لا يملك سوى هامش محدود للتحكم في مصيره بنفسه.

وصرح كريستوف بلوشر لوكالة "بلومبرغ" قائلاً "إن الحياد السويسري — ليس مجرد أي حياد، بل الحياد السويسري تحديداً — هو جزء لا يتجزأ من الهوية السويسرية". وقد خصص مليوني فرنك (2.5 مليون دولار) من ماله الخاص لتمويل حملة إعلامية مكثفة تسبق التصويت المقرر في 27 سبتمبر.

يرى مؤيدو التعديل الدستوري أن التمسك بتفسير صارم للحياد أمر لا غنى عنه لضمان عدم انجرار سويسرا إلى الحروب. وقد روجت الملصقات المنتشرة في أنحاء البلاد لهذه الرسالة تحت شعار "لا للحرب. نعم للحياد السويسري".

في المقابل، تؤيد الحكومة مبدأ الحياد لكنها تسعى للحصول على قدر من المرونة، وترفض التعديل المقترح باعتباره غير ضروري. ويؤكد وزير الخارجية إغنازيو كاسيس أن نظام الحياد فعال ومجدٍ، مشدداً على أنه "لا داعي لإعادة اختراعه".
غير أن العديد من الناخبين المحافظين يشعرون بأن القادة المتعاقبين في السنوات الأخيرة قد جردوا البلاد من هويتها شيئاً فشيئاً.

ويشمل هذا الشعور قضايا شتى، بدءاً من السرية المصرفية السويسرية التي أُلغيت تحت ضغوط أميركية، ومروراً بالغضب إزاء ملف الهجرة، ووصولاً إلى مجموعة من المعاهدات الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي التي يرى المعارضون أنها تمثل "تبعية" للتكتل. ويُنظر إلى تخفيف صرامة الحياد على أنه تراجع آخر عن التقاليد الراسخة. يقول رينيه روكا، وهو معلم مدرسة ثانوية ومؤرخ من منطقة "أوبروردورف-ستاريتشويل" في كانتون "أرجاو" (الواقعة في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتي زيورخ وبازل) "منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت سويسرا تتخلى تدريجياً عن السمات التي تمنحها طابعاً فريداً، وبالتالي بدأت تفقد هويتها في نهاية المطاف".

في حين تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة التأييد لحملة تعزيز الحياد تبلغ حوالي 40% -مما يعني أنها قد لا تنجح في تحقيق هدفها- فإن حالة الإحباط الأوسع نطاقاً تظل قضية متكررة لا تزول.

لقد أجرت البلاد استفتاءً في وقت سابق من هذا العام بهدف وضع سقف لعدد السكان (وهو مقترح لم يحظَ بالقبول الكافي، إذ نال تأييد 45% فقط)، ومن المقرر أن تصوّت -ربما في العام المقبل- على الاتفاقية المثيرة للجدل مع الاتحاد الأوروبي.

وفيما يتعلق بالحياد، ترى الحكومة أن تبني نهج براغماتي أفضل من التمسك بمبادئ جامدة، وتستشهد بنجاحات الاقتصاد السويسري لدعم وجهة نظرها؛ إذ تستفيد سويسرا من علاقاتها الوثيقة بالاتحاد الأوروبي مع الحفاظ على استقلاليتها، مما يتيح لها إبرام اتفاقيات تجارية خاصة بها -كما فعلت مع الصين الشهر الماضي- ويمنح مُصدِّريها ميزة الوصول إلى الأسواق العالمية تقريباً دون رسوم جمركية، وهي ميزة يفتقر إليها الاتحاد الأوروبي.

دفعت العدوانية الروسية دولاً أوروبية أخرى لإعادة النظر في سياسات عدم الانحياز؛ حيث تخلت كل من فنلندا والسويد عن مواقفهما التقليدية وانضمتا إلى حلف الناتو.

غير أن تمسك سويسرا بهذا النهج متجذر بعمق؛ نظراً لافتقار البلاد إلى العديد من المقومات التي توحد الدول الأخرى؛ فهي تضم أربع لغات وطنية وهويات إقليمية قوية، كما تتوزع السلطة السياسية فيها بين 26 كانتوناً.

يقول لوكاس رينو، الباحث في مركز الدراسات الأمنية بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ "تاريخياً، لم تكن الحيادية مجرد صمام أمان ضد التهديدات الخارجية فحسب، بل لعبت أيضاً دوراً في تعزيز الوحدة الداخلية. فسويسرا ليست 'دولة قومية' بالمعنى التقليدي مثل ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا، بل هي أمة تشكلت بناءً على الإرادة المشتركة".

من مزايا سياسة الحياد الحالية في سويسرا أنها منحت الحكومات المتعاقبة مرونة كافية للتكيف مع التغيرات في البيئة الدولية. ومن شأن هذه المبادرة أن تقلص بشكل كبير هامش المناورة هذا، وتحديداً في وقت قد تتطلب فيه البيئة الجيوسياسية المتغيرة بسرعة مرونة وقدرة على التكيف تفوق أي وقت مضى.

تُعد الحربان العالميتان -اللتان نجت سويسرا من ويلات القتال خلالهما- مرجعاً رئيسياً لأنصار اليمين المؤيدين لتشديد مبدأ الحياد. ومع ذلك، يظل سجل سويسرا خلال الحرب العالمية الثانية مثيراً للجدل؛ إذ ساعدت ألمانيا النازية في تمويل الأسلحة بينما رفضت استقبال آلاف اللاجئين اليهود.

وقد أشار الكرملين مؤخراً إلى هذا الأمر عند دخوله على خط الحملة، معتبراً أن سويسرا لم تعد ملتزمة بالحياد. ودفع ذلك المعارضين لوصف المقترح بأنه "مبادرة موالية لبوتين"؛ لأنه سيجبر البلاد على إلغاء العقوبات المفروضة على روسيا.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

2763 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع