
أ ف ب:لا تبدو الاستعدادات الأمنية الجارية في إيران مجرد استنفار جديد لمواجهة احتجاجات محتملة، إذ تشير تدريبات وتصريحات حديثة لقادة الحرس الثوري إلى تحول أكثر عمقا في طريقة التعامل مع الاضطرابات الداخلية، يقوم على بناء وحدات هجومية سريعة يمكن نقلها خلال وقت قصير من طهران إلى أي منطقة تشهد انفجارا شعبيا.
وكشف قائد فيلق "محمد رسول الله" التابع للحرس الثوري في طهران، العميد حسن حسن زاده، خلال تدريب لوحدات العمليات الخاصة في 10 سبتمبر/أيلول، أن قواته باتت تمتلك فرقا ووحدات وتشكيلات قادرة على تنفيذ عمليات سريعة والانتقال إلى "أي نقطة في البلاد".
ورغم أن حسن زاده قدم التحول في إطار مواجهة التهديدات الخارجية، فإن معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة قرآ التدريب بصورة مختلفة، معتبرين أن الحرس يعمل على رفع جاهزية وقدرة قوات مكافحة الشغب وقمع الاحتجاجات على الانتشار السريع، في ظل مخاوف النظام من عودة الاضطرابات الداخلية.
من الدفاع إلى القوة المتحركة
تنبع أهمية التطور من هوية القوة نفسها. ففيلق "محمد رسول الله" مسؤول عن طهران، وتعمل تحت مظلته تشكيلات من الباسيج بينها كتائب "الإمام علي" و"فاتحين"، وهي وحدات استخدمت في التعامل مع موجات احتجاج سابقة.
ولا يتعلق التغيير بزيادة أعداد العناصر فقط، بل بطريقة استخدامها. فبدل اعتماد كل محافظة أساسا على قواتها الأمنية والباسيج المحلي، توحي التدريبات الأخيرة ببناء قدرة احتياطية تستطيع تعزيز أي منطقة بسرعة عندما تتجاوز الاحتجاجات قدرة الأجهزة المحلية على احتوائها.
ويدعم ذلك ما قاله حسن زاده نفسه في مايو/أيار، عندما أعلن عقب مناورة استمرت خمسة أيام أن قواته أصبحت مستعدة لتنفيذ عمليات "في أي نقطة" وفي أقصر وقت ممكن. وشاركت في تلك التدريبات الفرقة 27 محمد رسول الله، ولواء(1) أمن، ووحدات فاتحين، مستخدمة قوات راجلة ودراجات نارية ومركبات وأسلحة وطائرات مسيرة.
313 ألفا في طهران
وتستعد السلطات لاختبار أكبر لهذه القدرة. فقد أعلن الحرس عن مناورة "جانفدا" للأمن الداخلي، المقرر أن تتضمن تعبئة نحو 313 ألف عنصر في محافظة طهران.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن التحضير للمناورة جرى خلال اجتماع مشترك بين قيادات الحرس والشرطة بهدف رفع التنسيق بين المؤسستين، ومراجعة العمليات المشتركة ورسم خريطة للمهام الأمنية المقبلة في العاصمة.
ويرى مشروع التهديدات الحرجة أن اختيار هذا الحجم الضخم يحمل رسالة داخلية تتجاوز التدريب، ويهدف إلى إظهار قدرة النظام على التعبئة الجماهيرية والأمنية الواسعة، خاصةً أن الإعلان عن المناورة جاء بينما تستعد السلطات لاحتمال تجدد الاحتجاجات.
البنزين يعيد ذاكرة 2019
وجاءت التدريبات في توقيت شديد الحساسية. فقد رفعت الحكومة الإيرانية في سبتمبر/أيلول سعر البنزين المستخدم بعد استنفاد الحصص المدعومة بنسبة 100%، من 50 ألفا إلى 100 ألف ريال للتر، في ظل أزمة اقتصادية وتضخم مرتفع وتراجع القدرة الشرائية.
وقبل بدء تطبيق السعر الجديد، ظهرت قوات الشرطة والوحدات الخاصة والباسيج حول محطات الوقود وفي شوارع طهران ومشهد وشيراز وأصفهان وتبريز وكرج وعبادان وخرم آباد ومدن أخرى، فيما وردت تقارير عن تباطؤ الإنترنت في بعض المناطق.
ولا تتعامل طهران مع البنزين كقرار اقتصادي عادي. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أدى رفع الأسعار إلى احتجاجات واسعة امتدت سريعا إلى عشرات المدن وانتهت بحملة قمع دامية.
واليوم تأتي الزيادة بينما تبدو البيئة الاقتصادية أكثر هشاشة. فإيران تواجه نقصا في الوقود، واضطرت العام الماضي إلى استيراد بنزين بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار، فيما وصلت معدلات الاستهلاك إلى مستويات تفوق قدرة الإنتاج المحلي.
عقيدة أمن داخلي جديدة؟
تكشف مقارنة هذه التحركات أن النظام لا ينتظر اندلاع الاحتجاجات كي ينقل قواته. فالانتشار حول محطات البنزين سبق تطبيق السعر الجديد، فيما تجري بالتوازي تدريبات لقوات سريعة الحركة واستعداد لتعبئة مئات الآلاف في طهران.
وفي تعليقه على هذا التطور، يرى الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية عامر السبايلة أن التحولات التي طرأت على البيئة المحيطة بإيران تفرض بالضرورة تغييرا في عقيدة الحرس الثوري، بعدما تعرضت الجبهات الخارجية التي شكلت لسنوات ركيزة أساسية في استراتيجيته لضربات كبيرة، ولم يتبق من شبكة حلفاء طهران الإقليميين سوى أجزاء من الفصائل العراقية والحوثيين.
وقال السبايلة لـ"إرم نيوز" إن أدبيات الحرس لم تعد قادرة على الاستناد بالطريقة السابقة إلى فكرة التمدد الإقليمي، خاصةً أن طبيعة المواجهة الحالية وضعت إيران أمام ضغوط مختلفة لا تقوم بالضرورة على حرب مباشرة، وإنما على تعميق أزمتها ونقل مركز الضغط إلى الداخل الإيراني.
وأضاف أن ذلك يجعل التحدي الأمني الداخلي يتقدم تدريجيا على التهديدات الخارجية في حسابات النظام، سواء تعلق الأمر باحتمالات الاختراق الأمني، أو التحركات الشعبية، أو استهداف قدراته وأدواته الداخلية، وفي مقدمتها قوات الباسيج.
واعتبر السبايلة أن الأولوية بالنسبة لمن يمسك بالسلطة في طهران تتحول، في ظل هذه الظروف، نحو حماية النظام ومنع تعمق أزمته الداخلية ووصولها إلى مستوى يهدد بقاءه، على حساب العقيدة السابقة التي ركزت على الانخراط في الحروب وتوسيع النفوذ الإيراني خارج الحدود.

2752 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع