من أنغام فاغنر إلى سحر التشيك - رحلة في قلب أوروبا السياحي

 من أنغام فاغنر إلى سحر التشيك- رحلة في قلب أوروبا السياحي

في عام 2009، بعد انقضاء عام واحد على انتقالي من دبي إلى ألمانيا، كنت قد قدمت خدمة لشخص ألماني ورفضتُ – بدافع من قيمنا وعاداتنا العربية – أن أتقاضى لقاءها أي مقابل مالي غير أن ذلك الشخص، اتساقاً مع قواعد اللباقة في الثقافة الألمانية، أصر على مكافأتي بطريقته الخاصة، فأهداني تذاكر لحضور حفل أوبرا فاغنر بمدينة "بايرويت" لسنتين متتالين, وفي السنة الثالثة، تلقيت بريداً إلكترونياً من إدارة الأوبرا تسألني عما إذا كنت أرغب في شراء تذكرة، فأجبتهم بابتهاج بأنني سأكون سعيداً جداً باقتناء اشتراك سنوي للتذاكر, وبدلا من إدخال اسمي في قرعة اليانصيب التي يشارك فيها الراغبين بالحضور والتي قد تستغرق خمس سنوات للفوز بتذكرة وبسعرها الاعتيادي أصبحت ضيفاً سنوياً يترقب بحماس اليوم الأول للافتتاح وبدون قرعة وبنفس السعر, اليوم الأول هو الاستثنائي الذي يحرص المستشار الألماني ورئيس الجمهورية على حضوره وكبار السياسيين والبرلمانيين، وأفراد من الأسر الملكية الأوروبية، إلى جانب كوكبة من الفنانين العالميين والشخصيات المرموقة.

وسط مدينة بايرويت حيث يتوسط عمود يبين المهن الموجودة في المدينة حسب تقاليد بايرن

كنت أنتظر هذا الحفل طوال العام، إذ كان الحضور يشكلون نخبة المجتمع، وكانت حفلة الأوبرا تتحول إلى حلبة تنافس أسطورية للأزياء بين سيدات المجتمع الأوروبي، ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة "مهراجا" هندي قدم من لندن قبل سنتين وأبهر الحضور، متوشحاً بذهب يتجاوز وزنه الكيلوغرام، وبملابس مرصعة بأغلى الجواهر واللآلئ! غير أن هذه السنة كانت مختلفة، فبعد أن تقاعد الموظف الذي قدمت له المساعدة قبل أربع سنوات، ورغم استمرار وصول التذاكر سنوياً لي بالبريد الإلكتروني للحضور في اليوم الأول للافتتاح السنوي، جاءت تذكرتي لهذه السنة لليوم الثاني من افتتاح الأوبرا السنوي, وكانت الأجواء مختلفة كلياً, إذ خلت الأوبرا من الحراسات المشددة والتفتيش الصارم، وغاب كبار السياسيين ليحل محلهم جمهور من عامة الناس, لكن ما استوقف نظري لأول مرة في حياتي، هو رؤية نساء يرتدين فساتين طويلة تكنس الأرض خلفهن, في مظهر يستحضر أزياء القرن الثاني عشر، منقطعاتٍ تماماً عن واقع العصر وزمنه.



دار أوبرا مدينة بايرويت التي تم بنائه في القون 18 والمخصص فقط لأوبرا ريتشارد فاغنر

من هو ريتشارد فاغنر؟
ريتشارد فاغنر (1813–1883) المولود في مدينة درسدن الألمانية الموسيقار الذي أعاد تشكيل مفهوم الفن كلياً, لم يكن فاغنر غزيراً في إنتاجه المقطوعات كغيره من المعاصرين، بل صبّ كامل عصارة عبقرياته في ثلاث عشرة أوبرا فقط ، أحدث من خلالها ثورة بمفهوم "العمل الفني الكامل" الذي يدمج الموسيقى بالدراما والشعر والتصميم, كما ابتكر تقنية "النغمة المميزة" (Leitmotif) للشخصيات والأفكار، والتي أصبحت اليوم العمود الفقري لبناء الموسيقى التصويرية في السينما العالمية, ويرتبط اسم فاغنر بدار أوبرا مدينة "بايرويت" البافارية، التي بناها بنفسه عام 1876 بتمويل ملكي لتُعرض فيها أعماله حصراً, تتميز الدار بحفرة عازفين مخفية تحت المسرح تمنح الصوت نقاءً أسطورياً، وتفتح أبوابها لشهر واحد فقط صيفاً ثم تُغلق بقية العام حفاظاً على جودة صوتياتها الخشبية الفريدة التي تمنع التدفئة والتكييف, ولحضور هذا الحفل قوانين صارمة, فالرجال ملزمون بالزي الرسمي المكتمل حصرياً ويُمنعون من حمل أي حقائب، بينما يُسمح للنساء بحقائب عادية يتم تفتيشها عند الدخول، فيما تقدم مجموعة من المطاعم في الأوبرا وجبات فاخرة أثناء الاستراحتين اللتين تتخللان ساعات العرض الخمس, صحيح إن أوبرا فاغنر ممنوعة في إسرائيل لان هتلر كان يحبه على الرغم من إن فاغنر مات قبل تولي هتلر الحكم بواحد وخمسين سنة ويكرهه الصهاينة بشدة , إلا اني اشعر بالسعادة لحضورها لتقوية لغتي الألمانية ولتذكر الزمن العربي الجميل والمسرح الغنائي وصوت فيروز وهي تقدم المسرحيات الغنائية المشابهة طبق الأصل لأوبرا فاغنر.
رابط مدينة بايرويت السياحي على الأنترنيت باللغة الإنكليزية:
https://www.bayreuth-tourismus.de/en/

تغطية تلفزيونية يومية من المحطات الألمانية لحفل الأوبرا وإجراء مقابلات مع الضيوف

العبور إلى التشيك بين بوهيميا والأثر الإسلامي
بعد انقضاء الأوبرا وفي اليوم التالي وبعد جولة يومين في مدينة بايرويت الساحرة، وفي اليوم التالي وفي الطريق الى جمهورية التشيك زرت قصر ارميتاج التاريخي المبني في القرن الثامن عشر وهذا رابط موقعه على الإنترنيت:
https://www.bayreuth-wilhelmine.de/



بوابة قصر ارميتاج الذي بني في القرن الثامن عشر

كانت الرحلة بالسيارة جميلة جدا حيث الطريق يمر بين غابات وبحيرات عديدة وكانت مسيرتي نحو مدينة "جيب" (Cheb) التشيكية، التي لا تبعد سوى سبعين كيلومتراً عن بايرويت, وتُعد جمهورية التشيك ملاذاً آمناً لكل من يطلب السياحة الرومانسية والاستجمام من الأوربيين والألمان خصوصا فمعظم مباني المدينة يعود للقرنين السادس والسابع عشر، والأسعار تقل عن نصف أسعار ألمانيا (إذ تُعد أرخص من تركيا وبنفس أسعار مصر تقريباً)، مع تميز فنادقها بالجمال واعتبار النظافة شيئاً أساسياً للمدينة وسكانها.
وهذا رابط مدينة جيب التشيكية على الإنترنيت باللغة الإنكليزية:
https://tic.cheb.cz/en/

يعيش في المدينة العديد من البوهيميين، وبشكل عام فإن معظم شعب التشيك بوهيميون من حيث السلوك، وبوهيميا مقاطعة تشيكية تشتهر بصناعة الكريستال، وهو مادة الزجاج النقي المخلوط بنسب من الرصاص أو غيره من المعادن ليكسبه قوة وانعكاس الألوان، مما يتطلب صبراً كبيراً في صناعته، والبوهيميون لفظة نطلقها في الشرق على الأشخاص الذين يعيشون حياتهم الخاصة دون التأثر بالمجتمع الذي يعيشون فيه, والتشيك شعب لا ديني، بنسبة 80% وفيهم 10% مسيحيين كاثوليك والبقية من أديان مختلفة، غير أن لسكان التشيك وسلوفاكيا تأثيراً كبيراً ومثيراً في التاريخ الإسلامي, فمن هم هؤلاء؟
أطلق العرب قديماً عليهم وعلى السلاف اسم "الصقالبة"، وقد شكل الصقالبة، أو السلاف، إحدى أكثر الجاليات الأجنبية تأثيراً في تاريخ الأندلس والحضارة الإسلامية, حيث تحولوا بمرور الوقت من أرقاء إلى صانعي قرار وقادة عسكريين وعليّة قوم وينحدر الصقالبة أصلًا من موطنهم الأصلي في أوروبا الشرقية والوسطى وجنوب البلقان، الممتد بين حوض الدانوب والبحر الأسود ورغم أن اللفظ تعريبٌ للتسمية البيزنطية للشعوب السلافية، إلا أنه صار يُطلق في الأندلس تعميماً على الأرقاء البيض القادمين من أوروبا وقد تميزوا ببشرتهم البيضاء، وشعرهم الأشقر، وعيونهم الملونة، وضخامة البنية والشدة في القتال، فضلاً عن قدرتهم العالية على الانضباط والتكيف التي أتاحت لبعضهم إتقان العربية والبراعة في العلوم والإدارة.
بدأت الاستعانة بالصقالبة عسكرياً في الأندلس على يد الأمير الأموي الحكم بن هشام (الحكم الأول)، الذي شكّل منهم حراسة خاصة بلغت نحو خمسة آلاف جندي لحماية عرشه، وكان يُطلق عليهم "الخُرس" لجهلهم بالعربية في بداياتهم وفي وقت لاحق، وسّع الخليفة عبد الرحمن الناصر نطاق الاستعانة بهم حتى تجاوزت أعدادهم ثلاثة عشر ألفاً، ليتولوا أرفع المناصب الإدارية والعسكرية ومع سقوط الخلافة الأموية، استغل قادتهم هذا النفوذ وشكلوا إمارات مستقلة في الشرق الأندلسي كبلنسية ودانية ومرسية.
ولم يقتصر حضور الصقالبة على الأندلس، بل برزت منهم شخصيات خلدها التاريخ الإسلامي في الشرق والمغرب, وعلى رأسهم القائد الفاطمي الشهير جوهر الصقلي (أو الصقلبي)، الذي فتح مصر وبنى مدينة القاهرة وجامع الأزهر الشريف ليصبح من أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي, وفي التوسع البحري، برز القائد الفاطمي مجاهد العامري (مجاهد الصقلبي)، حاكم دانية بالأندلس، الذي قاد فتوحات بحرية واسعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وأسطولاً عسكرياً ضخماً، وتمكن من السيطرة على جزيرة سردينيا وجزر البليار ولم تتوقف إسهاماتهم عند العسكرية والسياسة، بل ظهر منهم علماء وأدباء؛ من أبرزهم حبيب الصقلي (أبو عامر الصقلي)، وهو من كبار أدباء وشعراء ومؤرخي الأندلس الذي صنف كتاب "المُعْرِب في محاسن أهل المغرب" دفاعاً عن مكانة الصقالبة الأدبية والعلمية، إلى جانب حكم الصقلي الذي برع في الفلك والرياضيات والهندسة بقرطبة، ليرسخ الصقالبة حضورهم كأحد الفاعلين الكبار في الحضارة الإسلامية, وأنا أتجول في أزقة مدينة "جيب" القديمة وأرى الناس، تملكني الفخر بالتاريخ العربي الذي استعان فيه أجدادنا بهؤلاء الناس الفنانين، أصحاب الوجوه البيضاء المدورة والشعور المرهف.

ينابيع الشفاء
من "جيب" إلى "كارلوفي فاري"
تزخر مدينة "جيب" (Cheb) بمياه معدنية طبيعية تخرج من باطن الأرض تحتوي على معادن غنية مفيدة للجسم وللعظام، وبعضها ذو رائحة كريهة وهو الأجود, ويشرب الناس هناك من هذه المياه يومياً حيث حنفيات المياه المعدنية في الشوارع مجانا وتصب على مدار الساعة وتلك المياه متوفرة في كل المدن التي تقع غربها إلى أن تصل إلى مدينة كارلوفيفاري (على بعد 45 كلم)، وهي منتجع القياصرة الأوروبيين في القرون الوسطى حيث البناء الفخم مازال قائما منذ القرن السابع عشر لغاية اليوم وحنفيات المياه المعدنية المنتشرة في كل مكان، علما إن كل المدن بين هاتين المدينتين تنتشر فيها كذلك المياه المعدنية في شوارعها والمنتجعات الصحية الشفائية, يمكن للسائح العربي أن يسافر إلى العاصمة براغ، ومن هناك بالسيارة لمسافة 127 كيلومتراً في نحو ساعة ونصف ليصل الى اكبر منتجات جمهورية التشيك مدينة كارلوفيفاري ، حيث تتواجد كافة مراكز العلاج الطبيعي والعناية بالجسم والبشرة والتجميل والمساجات، وهو نظام متكامل موجود في كل المدن التي تحتوي على مياه معدنية باردة مثل مدينة "جيب" التي زرتها, وتعتبر السياحة اهم مورد مالي لجمهورية التشيك, المدينة، مثلها مثل بقية مدن التشيك، تتميز بالنظافة والأمن المستتب وسكانها المسالمين، وينتشر الفيتناميون هناك كبقايا من الحقبة الشيوعية عندما كانت دول المعسكر الاشتراكي تستقبل الشيوعيين من كل أنحاء العالم ويعمل الفيتناميون في صالونات التجميل وقص الأظافر والبقالات الصغيرة، ولهم مطاعم نظيفة ورخيصة لا تزيد سعر وجبة الطعام فيها على تسعة يورو، في حين أن متوسط سعر الوجبة في المطاعم التشيكية يبلغ 14 يورو، بينما تصل نفس الوجبة في ألمانيا إلى 35 يورو, وكل نقاط الحدود التشيكية مع المانيا توجد أسواق فيتنامية حرة تبيع الملابس والسكائر والكحول ومعظم المنتجات الفيتنامية والأسعار ارخص من المانيا بنسبة جيدة.



حنفية المياه المعدنية تصب على مدار الساعة

شربت كثيراً من المياه المعدنية من الحنفيات المنتشرة في الشوارع، وأخذت معي إلى الفندق بعضاً منها وشربتها في نفس الليلة, لأن صلاحيتها تنتهي بعد 12 ساعة من نزولها من الحنفية كما أخذت حماماً بها فكانت أقوى عدة مرات من ماء البحر الميت من حيث الحموضة العالية، وإن كان للبحر الميت خصائص علاجية أخرى تفوق كثيراً تلك المياه, والمدينة سياحية بامتياز, إذ تجد الألمان القريبين من الحدود يزورونها بالدراجات الهوائية لوفرة الشوارع والمسارات بين الغابات الكثيفة وطبيعتها الساحرة, وصحيح أن المدينة تنام في العاشرة ليلاً لأن المطاعم تغلق الساعة التاسعة (وفي نهاية الأسبوع العاشرة ليلا)، غير أن السائح سيكون قد تعب من جولاته النهارية يستعد لليوم التالي من الاستمتاع بجمال الطبيعة هناك.

رؤية في الثقافة السياحية
ما زالت جمهورية التشيك تعيش بأسعار أكثر قليلا عن أسعار الحقبة الشيوعية الرخيصة وأرخص من بقية الدول الأوروبية، وناسها لطفاء مسالمين، ولا يوجد فيها لاجئون لأن قوانين اللجوء غير مشجعة إذ لا توجد امتيازات خاصة ولا منح للجنسية وقد استعانت دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي بالنظام الألماني من حيث الإدارة والخدمات، حيث تجد أن مستوى الخدمات هو نفسه في أصغر قرية مقارنة بالعاصمة والمدن الكبرى.
ومن خلال الأبحاث التي عملتها في لتطوير السياحة في الأردن والسعودية مقارنة مع السياحة في بقية دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب وتونس ومصر، وجدت أن السياحة العربية ما زالت قاصرة كثيراً عن أوروبا من ناحية ثقافة السياحة لدى العاملين في مجال السياحة قبل المواطن العادي، وقاصرة كذلك في مجال الضيافة والترويج السياحي والخدمات واستغلال الموارد وتدريب الكوادر السياحية والإعلام السياحي، وحيث إن السياحة هي أهم مورد مالي لدول أوروبا، فإن الدول العربية (ما عدا الإمارات والمغرب وتونس) لم تصل إلى الحد الأدنى من استغلال ذلك الكنز الذي لا ينضب وهو السياحة.
السياحة العربية بحاجة للتعرف على السياحة العالمية فمثلا المانيا التي تأتي بالدرجة الثانية عالميا للجذب السياحي والدرجة الأولى لانفاق السياح الألمان خارج بلدهم : تعتبر السياحة المورد الثالث في الاقتصاد الألماني , الجذب السياحي الألماني فن فمثلا يوم امس السبت 1-8-2026 كان مهرجان أضواء مدينة كولونيا السنوي وهي فعالية اطلاق ألعاب نارية على نهر الراين تستغرق ساعة ونصف وقد حضر 400 الف زائر من بلجيكا وهولندا وحضر نفس العدد من ضواحي المدينة وسكان المدينة مليون ونصف حضر اقل من ربعهم , استعملوا القطارات ذهابا وإيابا وبعضهم قضى الليلة في المدنية فاستعمل الفنادق وأكلوا في المطاعم واشتروا كميات كبيرة من المشروبات وبلدية مدينة كولونيا لم تدفع شيء سوى ألعاب نارية لمدة ساعة ونصف مع تأمين تنظيم وحرس امن .


بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

751 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع