مطعم في بغداد أحيط بالحكايات والقصص الغريبة.

صدام حسين يقيم حفلة عشاء في مطعم فاروق تكريماً لعبدالكريم الشيخلي ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة بمناسبة عقد قرانه.حضر الحفلة صالح مهدي عماش السفير في ديوان وزارة الخارجية وعدد أخر من الضيوف.

مطعم في بغداد أحيط بالحكايات والقصص الغريبة.

تتلألأ الأضواء الخافتة للمطعم الأنيق في زاوية الساحة المحاذية لمعرض بغداد، وتنفرج الأبواب المنتقاة في تناغم مع الطابوق الوردي عن مطعم اختاره بعض قادة البعثيين عند وصولهم إلى سدة الحكم عام 1968 مكانًا أثيرًا ليستضيف حفلاتهم ويستقبل الزوار الكبار عربًا وأجانب، بينهم رؤساء دول مثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك.
صار “مطعم فاروق” مادة للشائعات والقصص المعجونة بمسحوق الهمس عن “وكر” للمخابرات في بلد لم يتعافَ من انقلاب حتى يفجع أبناؤه بآخر.
لم يكن مؤسس المطعم، قرب الحي الراقي في مدينة المنصور، ينتظر بين الرواد قادة الانقلاب ، وقد حرص على “ فلترة ” الزبائن من حيث الأناقة والسلوك، كما النادلين؛ حتى أدمن قادة الانقلاب ارتياده. وكان المطعم في أيامه الأولى بلا لافتة تعريفية، إذ أراد الضابط السابق في الحرس الملكي ممارسة مهنة طالما استهوته، بعد أن أتقن الإتيكيت وأصبح عاطلاً عن العمل، مفصولًا من الجيش.

كان في تموز العاصف عام 1958 في عاصمة الضباب يجهّز لعرس الملك الشاب فيصل الثاني، يطوف على محلات لندن الراقية ويدون في مفكرته أسعار البدلات للزفاف الذي لم يتم، إذ أطاح الضباط بالملك وأسرته، وتحقق عرس الدم.
عاد الملازم فاروق إلى العاصمة الهاشمية الثانية، عمّان، وتهيب من دخول بغداد الثائرة، ولم تشبع الجماهير الغاضبة من الغزو والانتقام بعد. ووجد الضابط المفصول نفسه في غربة لم يتوقعها حتى في أسوأ كوابيسه، إذ كان واثقًا من أن “دار السيد مأمونة”، وأن العسكر سيطيحون بمنظومة الحكم القديمة.
بينما كان فاروق يتردد في العودة إلى “قلعة الأسود”، كانت والدته ذات الأصول التركية تحرق وتمزق ألبومات الصور لابنها من زوجها الراحل عبد الرحمن الياسين، مع الملك وولي العهد وفرسان الحرس الملكي، وتمزق الوثائق والشهادات والأوسمة، خوفًا من المداهمة بتهمة “أذناب الاستعمار والنظام العميل”.

ضاع تاريخ الضابط الشاب في الحقبة الملكية، كما ضاع أرشيف فاروق الشريك في أول مطعم بغدادي على الطراز الأوروبي. فقد غادر العراق عام 1998، وكان قبلها يتنقل بين بغداد وعواصم أوروبية، مرافقًا لزوجته المريضة، الدكتورة لمى كريمة الطيار أكرم مشتاق، أشهر صقور سلاح الجو الملكي العراقي، وابنة أحد الطيارين الذين قادوا أول خمس طائرات من طراز De Havilland DH60 Moth، التي سُلّمت جوًا من هاتفيلد إلى بغداد في أبريل/نيسان 1931.

يقول معاصرو فاروق عبد الرحمن الياسينإنه كان رجل أعمال ناجحًا، منذ أن افتتح أول كشك لبيع الأطعمة الجاهزة في منطقة الكرادة قرب المسرح الوطني، حين كان متذوقو الوجبات السريعة يتقاطرون على “جبسي”، كناية عن “Gypsy cart”، عربة الغجر، في مشروع منافس لهمبرغر “أبو يونان” بمذاق لا يُقلّد.
لم يلبث فاروق في هذا المشروع طويلًا حتى اتفق مع شريكين آخرين، هما هاشم الشابندر والأرمني أوهانيس، على افتتاح مطعم يستلهم المواصفات الأوروبية تصميمًا وخدمات. فكان المكان المخملي الأول في بغداد،منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، حين شهدت البلاد استقرارًا نسبيًا بفضل سياسات الرئيس المعتدل عبد الرحمن عارف، وظهور طبقة تتطلع إلى الحياة الهادئة والدعة بعيدًا عن صخب المدينة.
ليس معروفًا ما إذا كان مؤسسو “مطعم فاروق” قد توافقوا مع الأجهزة الأمنية على أن يصبح المكان مرتعًا لنشاطات سرية، أم أنهم استفادوا من وجود رواد رفيعي المستوى سياسيًا. لكن المؤكد أن القصر الجمهوري، بعد الانقلاب، وجد في المطعم المخملي موقعًا مناسبًا لحفلات ودعوات الضيوف العرب والأجانب، في مباهاة تعكس صعود محدثي النعمة.
حين فك فاروق الياسين شراكته في المطعم الذي حمل اسمه، بسبب انشغاله بمرافقة زوجته المصابة بمرض نادر، أُسندت له مهام بروتوكولية في مؤسسات حكومية، منها المجلس الوطني، إضافة إلى أعمال تأثيث بعض البيوت التي تحولت لاحقًا إلى قصور عُرفت باسم “قصور صدام حسين”، قبل أن يتضح بعد الاحتلال أنها مسجلة باسم رئاسة الجمهورية.
لم تُعرف طبيعة علاقة فاروق بصدام حسين بشكل دقيق، رغم كونه من رواد المطعم الأوائل. ولم ينجُ من ملاحقة برزان التكريتي حين ترأس جهاز الأمن، و أسباب العداء بينهما.
يُذكر أن فاروق، الذي توفي في اليوم الأخير من أيار / مايو 2026 عن عمر ناهز 96 عامًا، ظل بعيدًا عن الأضواء ورفض الحديث للصحافة.ويؤكد ورثته أن تفاصيل علاقته بالسلطة بقيت غامضة، مع روايات تفيد بأن برزان منعه من السفر، وأنه أنهى ارتباطه بالمطعم عام 1978، وعمل لاحقًا بشكل متقطع في وزارة السياحة ودائرة القصور الرئاسية، قبل أن يغادر العراق نهائيًا أواخر التسعينيات متنقلًا بين فرنسا وبريطانيا والأردن، ليستقر في كندا حيث توفي.
وكما ضاع ألبوم صوره ووثائقه التي تؤرخ لمحطات حياته في الحقبة الملكية، ضاع أرشيف رجل لم يُكتب الكثير عن سيرته، في ظل غربة طويلة وبيع ممتلكات الأسرة في العراق، ما طمس ملامح حياته في مجتمع مولع بنظريات المؤامرة.
ساعد المطعم المخملي فاروق الياسين على بناء شبكة علاقات تجاوزت الحدود، وصولًا إلى شخصيات عربية ودولية، لعل أبرزها الرئيس الفرنسي المعروف بتقديره لمذاق السمك “المسكوف” العراقي، ما أسهم في حصوله على الجنسية الفرنسية.
ولا يُستبعد أن تكون تلك العلاقات سببًا في ملاحقة برزان له، خاصة إذا ما استُثمرت خارج الأطر الرسمية، وهو ما جعله موضع ريبة في دوائر السلطة.
توفي فاروق عبد الرحمن الياسين، تاركًا وراءه ذاكرة مليئة بتفاصيل غير مدونة عن تاريخ العراق الحديث. وبقيت الأسئلة معلقة حول جلسات سمر كانت أقرب إلى اجتماعات سياسية غير معلنة عُقدت في “مطعم فاروق” قبل وبعد الاستيلاء على السلطة، دون أن يعرف أحد ما دار فيها.
يكتفي ورثته بالإشارة إلى أنه كان يروي لهم كيف تغيّر تعامل جلساء صدام حسين من الندّية إلى المخاطبة بلقب “أستاذ” ثم “سيدي”، بما يعكس تسارع ترسخ السلطة وتحولاتها، واختفاء كثير من الوجوه في أحداث دموية عصفت بالعراق، الذي لم يهنأ طويلًا بأماكنه المخملية.

الشكر والتقدير إلى السيدة ندى الياسين عقيلة السيد علي نجل الراحل فاروق الياسين على تزويدنا بالصور القليلة المتوفرة وبعض ما التقطته الذاكرة من معلومات عن المطعم الشهير و صاحبه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

698 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع