
أم صباح - من صالونات بغداد إلى غرفة باردة في لندن / مصير زوجة نوري السعيد بعد ١٤ تموز ١٩٥٨
كانت تُدعى في بغداد "أم صباح"، لكن اسمها الحقيقي كان أكبر من ذلك. هي **نعيمة مصطفى العسكري**..
شقيقة جعفر العسكري وزير الدفاع ومؤسس الجيش العراقي، وزوجة الرجل الذي كان يُسمى قطب الرحى في السياسة العراقية، نوري السعيد. سيدة أرستقراطية بكل ما للكلمة من معنى، تربت في بيت عز، وتزوجت زواج الملوك، وسكنت الدار التي تُفتح لها أبواب السفارات.
لم يكن أحد يتخيل أن هذه السيدة التي كانت تستقبل زوجات السفراء في كرادة مريم، ستموت وحيدة، فقيرة، تبيع ثيابها قطعة قطعة لتسدد إيجار شقة في لندن.
الليلة التي كانت تعد فيها العشاء البغدادي

في أوائل تموز 1958، كانت أم صباح تقيم في لندن مع كنتها الدكتورة **عصمت علي فهمي**، المصرية من أم تركية، الحاصلة على الدكتوراه من باريس، زوجة ابنها الوحيد صباح. كان معهما حفيداها الصغيران فلاح و عصام.
كانوا ينتظرون وصول الباشا. نوري السعيد كان في بغداد يستعد للسفر إلى لندن في 20 تموز لاستكمال علاجه، ثم إلى اسطنبول لحضور اجتماعات حلف بغداد. في تلك الشقة الصغيرة، كانت أم صباح تعد له ما يحب، "العشاء البغدادي" الذي يشتهيه، كبة السراي ومرقة الباميا التي كان يعشقها.
وكان هو في بغداد، في السبعين من عمره، معتداً بنفسه، يردد عبارته الشهيرة التي حفظها العراقيون: "إن من يقتلني لم تلده أمه بعد" و "دار السيد مأمونة".
لم يكن يعلم أن مرافقه الأمين وصفي طاهر هو من سيقود السرية المكلفة بإلقاء القبض عليه حياً أو ميتاً.
*الراديو الذي أُخفي*
في فجر 14 تموز، انقلبت بغداد.
عصمت، الكنة المثقفة التي تتكلم خمس لغات، سمعت الخبر من راديو لندن. سمعت أن الملك قُتل، وأن عبد الإله سُحل، وأن نوري السعيد هرب متنكراً بعباءة امرأة. فهمت كل شيء.
وبحركة أمومية عظيمة، قامت وفصلت الراديو وعطلته دون علم عمتها، حتى لا تصاب أم صباح بصدمة تقتلها في مكانها. كانت تبلغها الأخبار بالتقسيط، على مدى أيام: "هناك اضطرابات في بغداد يا عمتي... الوضع غير مستقر... ادعي للباشا".
أم صباح بقيت أياماً تظن أن زوجها مختبئ وسيظهر، وأن ابنها صباح ذهب ليطالب بجثة أبيه من دار الإذاعة. والحقيقة أن صباح قُتل في 15 تموز أمام دار الإذاعة في الصالحية عندما طالب بتسليم جثة والده، فأطلقوا عليه النار وسحلت جثته.
*من القصر إلى لا شيء*
بعد أيام، شكلت الحكومة الجديدة لجنة لمصادرة أموال رجال العهد الملكي. دخلوا دار نوري السعيد فلم يجدوا عنده إلا داره التي يسكنها. حتى الأرض التي بنيت عليها الدار، اكتشفت اللجنة أنها مسجلة باسم زوجته نعيمة العسكري ولا يمكن مصادرتها قانوناً.
لكنه لم يترك لها رصيداً لا داخل العراق ولا خارجه.

مات نوري السعيد ولم يترك لأهله أي مبلغ من المال أو تركة يرثونها، وقامت الحكومة البريطانية بتخصيص مبلغ قليل لزوجته لا يكاد يكفي لسد رمقها.
وفي لندن، انقطع كل شيء. لا راتب، لا بيت، لا وطن يعودون إليه.
تقول المصادر المقربة إن بعد مقتله لم يكن لأرملته وأرملة ابنه ما تعيشان به، فعُينت أرملة ابنه مترجمة في الإذاعة البريطانية، لتعمل وتطعم طفليها وجدتهما العجوز.
أما أم صباح، فقد خصص لها جلال بايار رئيس جمهورية تركيا راتباً يسيراً، وفاءً لصداقة قديمة مع الباشا. وبقيت تعيش عليه.
وفي أواخر أيار 1960، قام انقلاب في تركيا أطاح ببايار، فانقطع هذا الراتب. هنا بدأ الجوع الحقيقي.
*العقد.. ثم الساعة*
أخذت تبيع أغراضها وما لديها من حاجيات كانت معها لتعيش. باعت فساتينها، حقيبتها، كل شيء جاءت به من بغداد.
وأخيراً اضطرت إلى بيع عقد ثمين كان هدية قديمة من أمير الكويت، فاشتراه أحد الأثرياء الكويتيين. وعندما سمع أمير الكويت بالقصة، أمر برد العقد وخصص لها راتباً شهرياً. لكنه لم يدم طويلاً.
مرضت. مرضاً ثقيلاً أقعدها. باعت جميع ما بقى عندها من حاجات لتسديد أجور المعالجة والدواء، ولم يبق عندها غير ساعة ثمينة لزوجها، ساعة جيب ذهبية كان الباشا لا يفارقها.
وقبيل وفاتها بأيام، والفقر يشتد والمرض ينهش جسدها، نادت دلالاً يهودياً عراقياً كان يسكن لندن، وأعطته الساعة. قالت له: خذها إلى فلان، وسمت أحد أغنياء العراق المقيمين في لندن، وكان من أقرب أصدقاء زوجها، ممن كانوا يركضون وراء الباشا ليقبلوا يده ويطلبوا المناصب.
أخذ الدلال الساعة وذهب. عرضها على الثري. فامتنع ذلك الثري عن شراء الساعة، ولم يقم حتى بإرسال مبلغ ولو كان بسيطاً لها رغم علمه بحالها وأن سكرات الموت تنتابها.
بقيت الساعة معروضة عند الدلال اليهودي في لندن، وبعد رجوعه أُخبر أنها قد فارقت الحياة.
*جنازة دفعها غريب*
ماتت أم صباح في شتاء لندن البارد، سنة 1962. وحيدة. لا زوج، لا ابن، لا وطن.
لم تجد من يسترها إلا ذلك الدلال اليهودي من أصل عراقي، الذي تبرع عن طيبة نفس وكرم بجميع مصاريف الدفن ونفقاته.
أما الشقة التي كانت تسكنها، فقد سمع مدير الشركة البريطانية التي كان نوري السعيد يتعامل معها بما أصاب عائلة صديقه، فجمع أعضاء الشركة وقرروا ألا يطلبوا من زوجة نوري السعيد إخلاء الدار طوال حياتها، وأوهموا العائلة بلباقة أن نوري السعيد استأجر الشقة لسنوات عديدة مقدماً، حتى لا يجرحوا مشاعرهم.
هكذا انتهت حكاية المرأة التي كانت تظن أن دار السيد مأمونة.
*العبرة:*
لم يحنُ عليها أحد، ولم يساعدها أحد من أصحاب المصالح وطلاب الكراسي الذين كانوا يركضون وراء نوري السعيد، كما كتبت مذكرات من قبل عائلة التي رويت عنها القصة.
هذه ليست قصة سياسة، هذه قصة وفاء. قصة ساعة ذهب لم تشترِ رغيف خبز، وعقد كويتي أعادته المروءة، ودلال يهودي كان أكرم من كل الباشوات.
الله يرحمها، ويرحم كل من مات غريباً فقيراً بعد عز.

633 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع