إضاءة مشرقة على تاريخ الصحافة العراقية وروّادها رحلة القلم من «الزوراء» إلى نهاية العهد الملكي

إضاءة مشرقة على تاريخ الصحافة العراقية وروّادها رحلة القلم من «الزوراء» إلى نهاية العهد الملكي

لم تكن الصحافة العراقية، منذ ولادتها الأولى، مجرد أوراق تُطبع وأخبار تُنشر، بل كانت حكاية وطن يبحث عن صوته، وشعب يتطلع إلى الحرية، وأقلام آمنت بأن الكلمة قادرة على إيقاظ العقول، وكشف الحقائق، ومواجهة الأخطاء، والمساهمة في صناعة المستقبل.

وإذا كان التاريخ، كما يُنسب إلى ابن خلدون، خبراً عن الماضي وأحوال البشر، فإن الصحافة تمثل إحدى أهم الوسائل التي تحفظ ذلك الخبر من الضياع، وتمنح الأحداث صوتاً وصورة، وتضع أمام الأجيال اللاحقة سجلاً حياً لما شهدته المجتمعات من تحولات وصراعات ونهضات.
إن الصحافة مرآة الأمم، وعنوان حضارتها، ولسان آلامها وآمالها؛ فهي لا تكتفي بتسجيل الحروب والثورات وتغيّر الحكومات، بل ترصد أيضاً تفاصيل الحياة اليومية، وتحفظ أسماء الذين أسهموا في بناء المجتمع، وتكشف أحلام الناس ومخاوفهم وتطلعاتهم. ومن يقرأ صحف الماضي لا يقرأ الأخبار وحدها، بل يقترب من روح العصر الذي صدرت فيه، ويتعرف إلى طبيعة المجتمع، وأفكار المثقفين، ومواقف السياسيين، وحدود الحرية المتاحة للإنسان.
ولعل أجمل ما في تاريخ الصحافة العراقية أن مسيرتها لم تكن طريقاً مستقيماً مفروشاً بالنجاح، بل رحلة شاقة تعاقبت عليها فترات الانفتاح والتضييق، والازدهار والانحسار، والجرأة والخوف. فقد بدأت في ظل الإدارة العثمانية بصحيفة رسمية محدودة الحرية، ثم تحولت تدريجياً إلى ساحة تتنافس فيها الأفكار والتيارات السياسية، وتدافع من خلالها الأقلام عن الإصلاح والاستقلال والحقوق الوطنية.
ومن بغداد إلى الموصل والبصرة والنجف والسليمانية، ومن الصحافة الرسمية إلى الصحافة الأهلية والحزبية والسرية، ومن المقالة السياسية إلى المجلة الأدبية والصفحة الرياضية والصحيفة النسوية، تتكشف أمامنا مسيرة غنية صنعها رجال ونساء تركوا بصماتهم في تاريخ العراق.
إنها رحلة بدأت عام 1869، عندما صدرت «الزوراء»، ومن بعدها صحف اخرى حتى نهاية العهد الملكي عام 1958، حاملةً معها أسماء الرواد، وذكريات الصحف، وصراعات الكلمة مع السلطة، وإصرار الصحفيين على أن يكون للقلم مكان في بناء الوطن.
لم تولد الصحافة الحديثة من فراغ، بل سبقتها ثورة معرفية أحدثها اختراع الطباعة بالحروف المتحركة في أوروبا، حين توصل الألماني يوهان غوتنبرغ، نحو عام 1450، إلى تطوير آلة للطباعة غيّرت طرق نشر المعرفة وتداولها.
ومع انتشار الطباعة، وتوسع المدن والتجارة، وظهور قوى اجتماعية جديدة، ازدادت حاجة الناس إلى الأخبار والمعلومات، وبدأت الصحف تظهر في عدد من البلدان الأوروبية، ومنها إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. ثم تطورت الصحافة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، واكتسبت أهمية أكبر مع اتساع الحياة السياسية وتزايد دور الرأي العام.
أما في العالم العربي، فقد ارتبطت البدايات الأولى للصحافة بدخول المطابع، وظهور المدارس الحديثة، واتصال المثقفين بالثقافة الأوروبية، وتنامي الرغبة في الإصلاح والتجديد.
احتلت مصر موقعاً مبكراً في هذه المسيرة؛ إذ ظهرت «الحوادث العربية» عام 1799 خلال الحملة الفرنسية، ثم صدرت «الوقائع المصرية» عام 1828 في عهد محمد علي باشا. وبعدها ظهرت «مرآة الأحوال» في سوريا عام 1855.
وفي العراق، كانت الظروف السياسية والثقافية تتجه ببطء نحو ظهور الصحافة. فقد أخذت النخب المثقفة تدرك أن الإصلاح لا يتحقق بالقوانين والإجراءات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى نشر المعرفة وتوعية المجتمع وإتاحة المجال أمام تداول الأفكار.
وكانت الصحافة، في نظر هؤلاء، أكثر من وسيلة لنقل الأخبار؛ كانت نافذة يمكن من خلالها رؤية العالم، وأداة للتعبير عن تطلعات المجتمع، وجسراً يربط العراقيين بما يجري حولهم، لكن الطريق إلى الصحافة لم يكن سهلاً؛ فقد واجهت المبادرات الأولى صعوبات الطباعة والتمويل والرقابة، وظلت السلطات تنظر إلى الكلمة المنشورة بحذر، ولا سيما عندما تتحول من نقل الأخبار الرسمية إلى نقد السياسات العامة.
ومن هنا تبدأ حكاية الصحافة العراقية، بين رغبة في التحديث وسلطة تخشى الكلمة، وبين مطبعة تفتح أبوابها وصحفي يحاول أن يجد لنفسه مساحة من الحرية.

«الزوراء».. الصحيفة التي فتحت الباب-
في الخامس عشر من حزيران عام 1869، شهدت بغداد حدثاً سيبقى علامة فارقة في تاريخها الثقافي والإعلامي؛ فقد صدر العدد الأول من جريدة «الزوراء»، التي ارتبط تأسيسها بعهد الوالي العثماني مدحت باشا، المعروف بتوجهاته الإصلاحية واهتمامه بتحديث الإدارة والمرافق العامة، لم تكن «الزوراء» صحيفة مستقلة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فقد صدرت في إطار الإدارة الحكومية، وكانت مهمتها الأساسية نشر الأخبار الرسمية والتعريف بأعمال السلطة وإجراءاتها. ومع ذلك، فإن ظهورها مثّل بداية ثابتة وموثقة للصحافة العراقية المنتظمة، وفتح الباب أمام تجربة جديدة في الحياة العامة.
وقد أُنشئت مطبعة حكومية في بغداد لتلبية متطلبات النشر، وارتبطت الصحيفة باسم أحمد مدحت أفندي، الذي تولى رئاسة تحريرها في بداياتها، ثم تعاقب على إدارتها وتحريرها عزت الفاروقي، وأحمد الشاوي البغدادي، وطه الشواف، ومحمد شكري الآلوسي، وعبد المجيد الشاوي، وجميل صدقي الزهاوي، وغيرهم.
كانت الصحيفة تصدر في أربع صفحات، اثنتان باللغة التركية واثنتان باللغة العربية، وكانت الصفحتان العربيتان في الغالب ترجمة لمحتوى الصفحتين التركيتين. وقد تفاوت مستوى اللغة العربية فيها باختلاف المحررين والمترجمين، كما صدرت في بعض الفترات باللغة التركية وحدها، ورغم خضوعها لسياسة الإدارة العثمانية، فإن «الزوراء» أصبحت سجلاً مهماً للأحداث السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية في العراق. فقد حفظت أخبار عصرها، ووثقت جانباً من مشروعات الدولة، وقدمت للقراء صورة عن طبيعة الحياة في بغداد والولايات العراقية.

وهنا تبرز أهمية «الزوراء»: فالصحيفة التي بدأت لساناً رسمياً للحكومة أصبحت، مع مرور الزمن، وثيقة تاريخية لا غنى عنها لفهم المجتمع العراقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وقد أشار بعض المؤرخين إلى احتمال صدور صحيفة باسم «جورنال العراق» في عهد الوالي داود باشا عام 1816، غير أن الأدلة المتاحة لا تكفي للجزم بوجودها. وقد شكك المؤرخ عبد الرزاق الحسني في هذه الرواية، لعدم عثوره على نسخة منها في المؤسسات التي بحث فيها. ولهذا بقيت «الزوراء»، الصادرة عام 1869، البداية الموثقة التي ينطلق منها التأريخ للصحافة العراقية.
ولم تكن الطريق بعدها سريعة؛ فخلال العقود التالية، بقيت الصحافة محدودة، وتحت رقابة السلطة، حتى أخذت ملامح جديدة تظهر في بغداد والموصل والبصرة.
بعد صدور «الزوراء»، ظهرت صحف رسمية أخرى في الولايات العراقية، عكست طبيعة الحكم العثماني واهتمامه بنشر الأوامر والأخبار الإدارية، ففي الموصل، صدرت جريدة «الموصل» عام 1885، واستمرت حتى عام 1918. وفي البصرة، صدرت جريدة «البصرة» في أواخر أيار 1889، خلال عهد الوالي هدايت باشا، وتولى تحريرها محمد علي أفندي باش، واهتمت بنشر أوامر الباب العالي والفرمانات والبيانات الرسمية وأخبار الولاية، مع فترات من التوقف والاستئناف حتى عام 1914، وبذلك تمثلت أبرز الصحف الرسمية في الولايات العراقية الثلاث في «الزوراء» ببغداد، و«الموصل» في الموصل، و«البصرة» في البصرة.
كانت هذه الصحف أقرب إلى نشرات الإدارة منها إلى الصحافة المستقلة؛ إذ لم يكن متاحاً لها أن تتجاوز الخطوط التي ترسمها السلطة، لكن الصحافة لا تعيش بالأخبار السياسية وحدها، ولذلك بدأت تظهر إلى جانبها مطبوعات دينية وثقافية، فتحت أبواباً جديدة أمام القراءة والبحث.
في كانون الأول 1902، صدر العدد الأول من مجلة «إكليل الورود»، التي استمرت حتى عام 1909، ونشرت مواد بالعربية والفرنسية والكلدانية. وقد كرست جانباً كبيراً من مقالاتها للموضوعات الدينية الكاثوليكية، مع اهتمام بالصحة والسياسة والمجتمع والثقافة.
وفي 25 آذار 1905، صدرت مجلة «زهيرة بغداد» عن الآباء الكرمليين، وكانت مجلة دينية أدبية شهرية، برز من محرريها الأب أنستاس ماري الكرملي، الذي سيصبح لاحقاً من أبرز الأسماء في تاريخ الثقافة واللغة والصحافة العراقية.
ومع أن هذه المطبوعات لم تكن صحفاً سياسية مستقلة، فإنها أسهمت في ترسيخ ثقافة القراءة، وتعريف الجمهور بالمجلات الدورية، وتهيئة الأرضية لنهضة صحفية أوسع.
وقد عبّر سليمان البستاني عن واقع الصحافة في ظل الهيمنة العثمانية بكلمات تكشف مقدار الخوف الذي كان يحيط بأصحاب الأقلام، حين وصف تحولها إلى أبواق للتمجيد والتهديد، يعيش أصحابها في قلق من كلمة قد تُفسرها السلطة على غير معناها، غير أن هذا الواقع لم يستمر على حاله؛ ففي عام 1908، حدث التحول الذي انتظرته الأقلام طويلاً.
أدى إعلان الدستور العثماني عام 1908 إلى انفراج نسبي في مجال النشر، وبدأت الصحافة تتجاوز حدود الأخبار الرسمية ، نحو مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية، كانت تلك المرحلة أشبه بنافذة فُتحت فجأة بعد سنوات من التضييق، فاندفعت من خلالها أفكار الإصلاح والدستور والحقوق الوطنية، وظهرت أقلام لم تعد تكتفي بتسجيل قرارات الحكام، بل راحت تسأل عن جدواها، وتناقش آثارها، وتطالب بمحاسبة المسؤولين.
في السادس من آب 1908، صدرت جريدة «بغداد» لصاحبها مراد بك، وكانت تصدر ثلاث مرات أسبوعياً باللغتين العربية والتركية، وعبّرت عن توجهات حزب الاتحاد والترقي، وفي الأول من كانون الثاني 1909، أصدر عبد الجبار الخياط جريدة «العراق»، باللغتين العربية والتركية أيضاً، ثم جاء يوم 28 كانون الثاني 1909، ليشهد صدور جريدة «الرقيب» لصاحبها عبد اللطيف ثنيان، التي أصبحت من أبرز الصحف الناقدة في تلك المرحلة.
لم تكن «الرقيب» صحيفة عادية؛ فقد رحبت بالدستور، وواجهت الحكام بلهجة جريئة، وانتقدت أعمال الحكومة، وأثارت مقالاتها اهتمام القراء، وبلغ تأثيرها حداً دفع الوالي العثماني ناظم باشا إلى استدعاء صاحبها وتهديده بسبب صراحته في نقد الإدارة، لقد أدرك عبد اللطيف ثنيان أن الصحافة لا تؤدي رسالتها بمجرد نشر الأخبار، بل تحتاج إلى شجاعة في طرح الأسئلة وكشف أوجه القصور. ولهذا أصبحت «الرقيب» مثالاً مبكراً للصحافة التي تحاول أن تجعل من الكلمة أداة للمساءلة.
وفي 13 آب 1909، أصدر داود صليوا جريدة «صدى بابل»، التي استمرت قرابة ست سنوات، ودعت إلى التقدم والإصلاح، وطالبت بجعل اللغة العربية لغة رسمية في العراق، وعبّرت عن تطلعات العراقيين إلى العدل والإنصاف.
وفي الموصل، صدرت جريدة «نينوى» في 13 تموز 1909، لتكون من أوائل الصحف الأهلية في المدينة، وناقشت القضايا السياسية والاجتماعية وسعت إلى توعية الرأي العام، ثم ظهرت جريدة «النجاح» في 12 تشرين الثاني 1910، وعُرفت بدعوتها إلى اللامركزية وانتقادها للحكومة العثمانية، واهتمامها بالتعليم واللغة العربية والتاريخ العربي. كما ناقشت الانتخابات وضرورة اختيار ممثلين يعملون لمصلحة البلاد.
وفي النجف الأشرف، صدر العدد الأول من مجلة «العلم» في 29 آذار 1910، وكان صاحبها السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني، ومديرها المسؤول عبد الحسين الأَزري. وقد اهتمت بالنقد البناء والقضايا العلمية والأدبية، قبل أن تتوقف مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفي السليمانية، صدرت مجلة «تشكي هونة» لصاحبها فتاح كاوه باللغة الكردية في 10 آذار 1910، لتؤكد أن المشهد الصحفي العراقي كان متعدداً في لغاته وبيئاته الثقافية.
وفي تموز 1911، صدرت مجلة «لغة العرب» في بغداد، وارتبط اسمها بالأب أنستاس الكرملي، وأصبحت من أبرز المجلات الأدبية واللغوية في العراق، وقدمت خدمة مهمة للغة العربية وآدابها، أما في البصرة، فقد صدرت جريدة «الدستور» لصاحبها ومديرها المسؤول عبد الله الزهير في 22 كانون الثاني 1912، ثم ظهرت «صدى الدستور» في 25 أيلول 1913. وقد دافعت الصحيفتان عن الدستور، وعكستا الصراعات السياسية في البصرة، ولا سيما المعارضة للاتحاديين وظهور جمعية الإصلاح البصرية المرتبطة بالسيد طالب النقيب عام 1913.
وفي الثالث من تشرين الأول 1913، صدرت جريدة «النهضة»، المرتبطة بالنادي الأدبي الذي شارك في نشاطه الشيخ محمد رضا الشبيبي، وتحسين العسكري، وبهجت زينل. وجاءت في أجواء تصاعد المطالب القومية العربية بعد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، لكنها أُغلقت بعد صدور عددها الحادي عشر، واضطر مؤسسها ومحررها إبراهيم حلمي العمر إلى الفرار إلى البصرة.
وفي السادس من شباط 1914، صدرت في بغداد جريدة «بانگي كورد»، أي «صوت الأكراد»، باللغتين الكردية والتركية. اهتمت بالتعليم والثقافة وإحياء التراث الكردي العراقي، لكنها لم تصدر سوى ثلاثة أعداد بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، فاضطر صاحبها جمال بابان الى حجبها عن القراء..
وفي عام 1918، ظهرت جريدة «تێگەیشتنی ڕاستی»، أي «فهم الحقيقة»، واستمرت نحو سنة.
لقد كشفت هذه المرحلة أن الصحافة العراقية لم تعد نشاطاً إدارياً محدوداً؛ فقد أصبحت ساحة للنقاش السياسي واللغوي والاجتماعي، ووسيلة لنشر الوعي، ومجالاً تتنافس فيه اتجاهات متعددة. لكن الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني سيضعان هذه التجربة أمام اختبار جديد.
- الاحتلال البريطاني وثورة العشرين.. حين أصبحت الصحيفة سلاحاً وطنياً
مع دخول القوات البريطانية البصرة عام 1914، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، انعكست آثارها على الصحافة والطباعة والنشر، فقد أصدرت سلطات الاحتلال عدداً من المطبوعات، منها «صدى الحقيقة» و«دار السلام» و«دار العرب». وقد أدارت المس بيل شؤون «دار العرب»، بمشاركة رزوق غنام محرراً، والأب أنستاس الكرملي مساعداً للمحرر. واستمرت الصحيفة حتى عام 1921، عندما استُبدلت بها صحيفة «العراق» التي أصدرها رزوق غنام،
لكن الصحافة العراقية لم تكن مستعدة للتخلي عن دورها الوطني. فقد أثبتت الأحداث أن الصحيفة يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتعبئة السياسية، وأن الخبر والمقالة والخطبة المنشورة تستطيع أن تسهم في توحيد الرأي العام حول قضية كبرى.
وعندما اندلعت ثورة العشرين في 30 حزيران 1920، ظهرت جريدة «الفرات» بوصفها من المنابر التي عبّرت عن مطالب الثوار، ودعت إلى الاستقلال، وكشفت مشروعات الاحتلال، ونشرت فتاوى رجال الدين وخطبهم التي حثت الناس على مقاومة القوات البريطانية.
لم تعد الصحافة في تلك اللحظة مجرد مهنة؛ فقد ارتبطت بمصير البلاد، وأصبح القلم جزءاً من المعركة الوطنية. وبينما كان الثوار يواجهون الاحتلال، كانت الصحف تسعى إلى نقل مطالبهم وتفسير أهدافهم، وتوسيع دائرة الوعي بما يجري، لقد مهّدت هذه التجربة لمرحلة جديدة مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، حين أصبحت الصحافة أمام مسؤولية مزدوجة: المشاركة في بناء الدولة، ومراقبة أدائها والدفاع عن حقوق المجتمع.
مع قيام الدولة العراقية الحديثة في عهد الملك فيصل الأول، بدأت الصحافة تتوسع في اتجاهات متعددة، وظهرت مطبوعات سياسية وعلمية وأدبية وتجارية وفكاهية، تعكس حيوية المجتمع وتباين أفكاره.
في عام 1921، صدرت جريدة «الفلاح» لصاحبها عبد اللطيف الفلاحي، وقدمت نفسها بوصفها جريدة علمية تهتم بالبحوث إلى جانب السياسة، لكنها لم تستمر أكثر من عام تقريباً، وفي عام 1922، ظهرت «الوقائع العراقية» بوصفها الصحيفة الرسمية للدولة، لتتولى نشر القوانين واللوائح والقرارات وتوثيق الأحداث الرسمية، وفي العام نفسه، صدرت جريدة «لسان العرب» لصاحبها إبراهيم العمر، وكانت موالية للملك والحكومة. كما ظهرت جريدة «دجلة» لصاحبها داود السعدي، التي دخلت في سجالات سياسية حادة، ولم تستمر طويلاً، وصدرت صحيفة «الرافدان» لصاحبها سامي خوندا، التي ارتبطت بالنشاط السياسي والحزبي.
ومع صدور قانون الأحزاب عام 1922، اتسع مجال الصحافة الحزبية، فظهرت «صدى الوطن» المرتبطة بالحزب الوطني العراقي بزعامة جعفر أبو التمن، وجريدة «النهضة» لجمعية النهضة العراقية بزعامة أمين الجرجفجي، وجريدة «العاصمة» المرتبطة بالحزب العراقي الحر بزعامة محمود عبد الرحمن النقيب، وقد حملت هذه الصحف مواقف الأحزاب إلى القراء، وناقشت سياسات الحكومة، وأسهمت في تشكيل رأي عام يتابع الأحداث ويشارك في الجدل السياسي.
وفي عام 1923، برزت محطة مهمة في تاريخ الصحافة النسوية؛ فقد أصدرت بولينا حسون روفائيل مجلة «ليلى»، ودعت من خلالها إلى تعليم المرأة وتعزيز دورها في الحياة العامة. وفي 24 تشرين الثاني من العام نفسه، أسهمت في تأسيس نادي النهضة النسائية، في خطوة جمعت بين العمل الصحفي والنشاط الاجتماعي، كما ارتبط اسم مريم نرمة بالبدايات المبكرة للكتابة الصحفية النسائية، إذ نشرت مقالاً في مجلة «دار السلام» عام 1921، ثم أصدرت صحيفة «فتاة العرب» عام 1937، لتواصل الاهتمام بقضايا المرأة.
وفي عام 1924، شهدت بغداد نشاطاً أدبياً وفكرياً واضحاً، فصدرت مجلة «الربيع» لرفائيل بطي، ومجلة «الأدب» لمحمد باقر الحلي، ومجلة «مرآة العراق» لمحمد ناجي، ومجلة «الصحيفة» لحسين الرحال، وفي هذه المرحلة، لم تكن الصحافة الأدبية منفصلة عن قضايا المجتمع، بل أسهمت في تطوير اللغة، ونشر الثقافة، وتقديم أسماء أدبية جديدة، وتعزيز النقاش حول الإصلاح والتجديد.
وفي عام 1925، عادت مجلة «نادي الألعاب الرياضية» إلى الصدور بعد توقفها، وكان صاحبها السيد محمد علي آل ملا حمادي، الذي أصبح من الأسماء المهمة في الصحافة الرياضية العراقية.
ومع قيام الحياة النيابية عام 1925، توسعت الصحافة الحزبية أكثر؛ فظهرت جريدة «التقدم» الناطقة باسم حزب التقدم بزعامة عبد المحسن السعدون، ثم توقفت في خريف عام 1929 بعد انتحاره. كما ظهرت جريدة «نداء الشعب» المرتبطة بحزب الشعب بزعامة ياسين الهاشمي.
وفي هذه السنوات أيضاً، برز منشي زعرور، المولود في بغداد عام 1897، الذي عمل منذ صباه في المطابع الأهلية، وأدى دوراً مهماً خلف الكواليس في صناعة الصحافة، رغم أن بعض المؤلفات اللاحقة لم تمنحه ما يستحقه من اهتمام.
وهكذا، لم تعد الصحافة في عشرينيات القرن العشرين مجرد نشاط محدود في العاصمة، بل أخذت تتوزع على المدن العراقية، وتتداخل مع السياسة والأدب والرياضة وقضايا المرأة، وتصبح إحدى أدوات بناء المجتمع الحديث.
مع دخول العراق ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت الصحافة أكثر تنوعاً وجرأة، وبرزت صحف المعارضة التي ناقشت السياسات الحكومية، وانتقدت النفوذ البريطاني، ودافعت عن استقلال القرار العراقي
وكانت جريدة «حبزبوز»، التي أصدرها نوري ثابت عام 1931، من أشهر الصحف الفكاهية الساخرة. وقد اختارت السخرية طريقاً للوصول إلى القارئ، وكشف التناقضات السياسية والاجتماعية، وإيصال النقد بلغة قريبة من الناس.
وفي هذه الفترة، برزت صحف «الأهالي» و«الاستقلال» و«العالم العربي» لصاحبها سليم حسون، إلى جانب «الثبات» و«السياسة». وقد أسهمت هذه الصحف في نشر الوعي الوطني، ومناقشة مستقبل الدولة العراقية، وانتقاد استمرار النفوذ البريطاني، وكان حسين جميل من الأسماء المهمة المرتبطة بصحيفة «الأهالي»، فيما أخذت صحافة المعارضة تطرح أسئلة جوهرية حول الاستقلال، والحقوق السياسية، ودور المواطنين في إدارة شؤون البلاد.
وفي عام 1935، صدرت مجلة «التربية الرياضية والكشافة» لصاحبها عبد الحميد نعمان الخضار، بمساعدة عدد من مدرسي التربية الرياضية. وعلى الرغم من توقفها بعد خمسة أعداد، فإنها مثلت محاولة مهمة لتخصيص مطبوعة لشؤون الرياضة والتربية البدنية.
أما على المستوى التشريعي، فقد صدر قانون المطبوعات رقم 82 لسنة 1931، ليحل محل قانون المطبوعات العثماني، ثم صدر قانون المطبوعات رقم 57 لسنة 1933، الذي عُدّل عام 1934، وقد عكست هذه التشريعات رغبة الدولة في تنظيم العمل الصحفي، لكنها أوجدت أيضاً أدوات قانونية يمكن استخدامها لتقييد الصحف وملاحقة أصحابها.
وفي 17 تشرين الثاني 1936، عقد عدد من الصحفيين اجتماعاً في مقر صحيفة «العراق»، ضم رزوق غنام، ونوري ثابت، وعبد القادر إسماعيل البستاني، ويونس بحري، وأنور شاؤول، وميخائيل تيسي. واتفقوا على تشكيل لجنة لإعداد نظام لنقابة الصحفيين، ضمت رزوق غنام، ويونس بحري، وأنور شاؤول، وتوفيق السمعاني، ونوري ثابت، لكن انقلاب الفريق بكر صدقي في تشرين الأول 1936 وما أعقبه من اضطرابات سياسية وانقسامات بين الصحف حال دون نجاح المحاولة. كما تعطلت صحيفة «الاستقلال»، ثم تعرضت صحيفة «الأهالي» للإغلاق، واضطر عبد القادر البستاني إلى مغادرة العراق.
وفي الأول من نيسان 1925، كان ميخائيل تيسي قد أصدر صحيفة «كناس الشوارع»، التي اشتهرت باستخدام الفكاهة والهزل في نقد المجتمع والسياسة. وقد مثلت هذه التجربة، إلى جانب «حبزبوز»، جانباً من الصحافة الساخرة التي لجأت إلى الضحك لتقول ما يصعب قوله في المقالة المباشرة.
وهكذا، أثبتت الصحافة العراقية أن النقد لا يتخذ شكلاً واحداً؛ فقد يأتي في مقالة سياسية، أو دراسة اجتماعية، أو نكتة ساخرة، لكنه يظل في جوهره تعبيراً عن رغبة المجتمع في رؤية أخطائه ومناقشتها.
- - مطالب التنظيم وتحديات الحرية
مع ازدياد أعداد الصحف واتساع دائرة العمل الصحفي، تعاظمت الحاجة إلى تنظيم يحمي حقوق الصحفيين ويحدد واجباتهم، ويمنحهم صوتاً جماعياً في مواجهة القيود، وكان نوري ثابت من أوائل الذين نادوا بإنشاء نقابة للصحفيين، إذ كتب في 10 تشرين الثاني 1931 عن ضرورة تأسيسها لمعالجة الفوضى التي تعاني منها الصحافة. ثم تجددت المطالبات خلال عامي 1937 و1938، بمشاركة صحفيين مثل عبد الغفور البدري وعبد القادر إسماعيل، إلى جانب جماعة الأهالي بقيادة كامل الجادرجي.
وفي 12 كانون الأول 1944، اجتمع عدد من أصحاب الصحف في مقر «صوت الأهالي»، التي أصدرها كامل الجادرجي، لمناقشة مشروع تأسيس نقابة للصحفيين والاحتجاج على تجاوز الرقابة حدود صلاحياتها القانونية، شارك في هذه المبادرة نور الدين داوود، صاحب «النداء»، ويحيى قاسم، صاحب «الشعب»، وصدر الدين شرف الدين، صاحب «الساعة»، ورزوق غنام، صاحب «العراق»، ورفائيل بطي، صاحب «البلاد»، »
كما شارك في مناقشة المشروع محمد مهدي الجواهري وكامل الجادرجي، وتولى الجواهري وداوود إعداد الطلب الموجه إلى الحكومة، فيما عمل الجواهري والجادرجي على إعداد مذكرة الاحتجاج، ووقع الاتفاق أيضاً سليم حسون، صاحب «العالم العربي»، وتوفيق السمعاني، صاحب «الزمان»، وعادل عوني، صاحب «الحوادث».
ومع أن هذه المبادرة لم تتحول إلى نقابة مستقرة، فإنها كشفت عن إدراك الصحفيين أن الدفاع عن حرية الصحافة يحتاج إلى تنظيم مهني، لا إلى جهود فردية متفرقة فحسب.
وفي المجال الرياضي، صدرت مجلة «الألعاب» لصاحبها صبري الخطاط عام 1945، ثم مجلة «الرياضي» للدكتور نجم الدين السهروردي عام 1947، إلى جانب مجلة رياضية شهرية أصدرها النادي الملكي لاحقاً، كما أصدر يوسف هرمز جمو صحيفة «الشعب» عام 1947، وصدرت مجلة «قرندل» الفكاهية لنوري ثابت عام 1948، لتواصل الصحافة الساخرة حضورها في الحياة العامة.
وفي هذه المرحلة، ظلت الصحافة تتأرجح بين اتساع التجربة وتدخل السلطات، وبين طموح الصحفيين إلى تأسيس مؤسسات مهنية مستقرة وواقع سياسي لم يكن يسمح دائماً بتحقيق ذلك.
- الصحافة الحزبية والسرية.. أصوات تبحث عن طريقها إلى القراء
في السنوات التي سبقت نهاية العهد الملكي، أخذت الصحافة الحزبية تتوسع، وأصبحت الصحف والمجلات إحدى الوسائل الأساسية التي تستخدمها الأحزاب لنشر برامجها والدفاع عن أفكارها.
ففي أواخر أربعينيات القرن العشرين، صدرت صحيفة «لواء الاستقلال»، الناطقة باسم حزب الاستقلال بزعامة الشيخ محمد مهدي كبة، كما ظهرت «اللواء الجديد» لصاحبها فيصل حسون، وصحيفة «النداء» لصاحبها نور الدين داوود.
وكان سلمان الصفواني، صاحب صحيفة «اليقظة»، من الأسماء البارزة في الصحافة الوطنية والحزبية، كما ارتبط اسم فائق السامرائي بإصدار صحيفة «الجريدة» عام 1953، بمشاركة أحمد فوزي عبد الجبار، الذي تولى لاحقاً مسؤولية «لواء الاستقلال» عام 1954.
وفي الجانب الكردي، ظهرت مطبوعات حزبية عبّرت عن تطلعات الحركة السياسية الكردية، ومن أبرزها صحيفة «شورش»، أي «الثورة»، وصحيفة «خه بات»، أي «النضال»، المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تأسس في 16 آب 1947. كما صدرت مجلة «ياري كردستان» عام 1952.
أما الحزب الشيوعي العراقي، فقد ارتبط نشاطه الصحفي بمطبوعات سرية، منها «كفاح الشعب» و«الشرارة» و«القاعدة» و«اتحاد الشعب»، كما أصدر عام 1954 مجلة «الثقافة الجديدة». وقد ارتبط تأسيس تقاليد الصحافة الشيوعية العراقية باسم يوسف سلمان، الذي أسهم في وضع أسسها الفكرية والتنظيمية.
وفي عام 1953، أصدر حزب البعث صحيفة «العربي الجديد»، التي تحولت بعد ثلاثة أعداد إلى صحيفة «الاشتراكي»، لتصبح من منابر نشر أفكار الحزب وأهدافه.
وتكشف هذه المطبوعات عن تعدد التيارات السياسية والفكرية في العراق، كما تكشف عن أن بعض الصحف اضطر إلى العمل في السر عندما ضاقت أمامه فرص النشر العلني.
فقد كانت الصحافة السرية محاولة لإبقاء الأفكار حية في ظروف المنع والملاحقة، وكانت الصحيفة تنتقل بين القراء بوصفها رسالة سياسية وثقافية تتجاوز حدود الورق إلى المجال العام.
- الصحافة الرياضية.. صفحة جديدة في تاريخ المطبوعات العراقية
لم تكن السياسة وحدها ما يشغل الصحافة العراقية؛ فقد أخذت الرياضة تجد مكاناً في المطبوعات، و الصحافة الرياضية تعد من الصحافة المتخصصة التي تتمحور حول قضايا عدة تتعلق بالرياضة بالدرجة الأولى وإدارتها، وإن واجهت صعوبات مالية ومحدودية في الإقبال.
وتعود البدايات المبكرة إلى مجلة «نادي الألعاب الرياضية»، التي صدرت في بغداد يوم 22 تشرين الثاني 1922، عن نادٍ كان مقره غرفة فوق مقهى شعبي في محلة الصالحين. وقد توقفت بعد ثلاثة أشهر، ثم استأنفت الصدور عام 1925، وكان صاحبها السيد محمد علي آل ملا حمادي، الذي يعد من رواد الصحافة الرياضية في العراق والوطن العربي.
وفي عام 1935، ظهرت مجلة «التربية الرياضية والكشافة» لعبد الحميد نعمان الخضار، لكنها توقفت بعد خمسة أعداد، ثم أصدر صبري الخطاط مجلة «الألعاب» عام 1945، وأصدر الدكتور نجم الدين السهروردي مجلة «الرياضي» عام 1947، وأصدر النادي الملكي لاحقاً مجلة رياضية شهرية.
وقد برز في تحرير الأخبار الرياضية محمد إسماعيل الحمامي، وصبري الخطاط، وجلال حمدي، وسعاد سليم، وعبد الرزاق نعمان،
كما أسهم لطفي بكر صدقي في نشر الأخبار الرياضية في جريدة «العالم العربي»، وكان شاكر إسماعيل من أوائل الذين كتبوا عن الرياضة بأسلوب أدبي رفيع.
وفي الصحف اليومية، تولى عبد الخالق مال الله تحرير الأخبار الرياضية في «اليقظة»، ومحمد عبد الباقي العاني في «الحوادث»، وشاكر إسماعيل في «الأخبار»، وإبراهيم إسماعيل وضياء عبد الرزاق في «الحريم»، وسالم الجسار في «الشعب». كما عمل «ويكي بيرد» محرراً للصفحة الرياضية في جريدة «الأوقات الرياضية» الصادرة باللغة الإنكليزية، وفي عام 1957، صدرت جريدة «العمل» في بغداد، وتولى عبد الله العزاوي تحرير صفحتها الرياضية، وعلى الرغم من قصر عمر كثير من الصحف الرياضية، فإنها أسهمت في نقل أخبار الملاعب، وتعريف القراء بالنشاط الرياضي، وتوسيع مفهوم الصحافة المتخصصة في العراق.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تجددت المساعي الرامية إلى جمع الصحفيين في إطار مهني يحمي حقوقهم ويعزز قدرتهم على الدفاع عن حرية النشر، ونجح الصحفيون في تأسيس «جمعية الصحافة العراقية»، وكان من أبرز روادها كامل الجادرجي من الحزب الوطني الديمقراطي، الذي تولى رئاسة الجمعية، وسلمان الصفواني من حزب الاستقلال وصاحب «اليقظة»، الذي أصبح سكرتيراً عاماً لها، غير أن الجمعية لم تستمر طويلاً؛ ففي تشرين الثاني 1952، وبعد أحداث الانتفاضة الشعبية، تولى الفريق نور الدين داوود حكومة الطوارئ، وعُطلت الأحزاب والجمعيات والصحف المعارضة، وأُعلنت الأحكام العرفية، فتوقفت الجمعية عن نشاطها.
وخلال عامي 1953 و1954، تشكلت وزارة الدكتور فاضل الجمالي، وشارك فيها رفائيل بطي صاحب صحيفة «البلاد»، وشهدت الصحافة قدراً من الحرية النسبية، لكن التوتر بين الصحفيين والسلطة ظل قائماً.
وفي عام 1952، صدر المرسوم رقم 24 الذي ارتبط لاحقاً بإجراءات واسعة لتقييد الصحافة، ونفذت حكومة نوري السعيد في عام 1954 إجراءات ألغت بموجبها عدداً كبيراً من الصحف والمجلات السياسية والأدبية والرياضية والاجتماعية، وقد شملت هذه الإجراءات مطبوعات يومية وأسبوعية وشهرية، كما طالت منشورات النقابات والنوادي والجمعيات، ولم تسمح السلطات إلا لثماني صحف سياسية يومية، بعد أن كان المشهد الصحفي أكثر تعدداً أي ما يقارب 60 صحيفة، وكانت تلك ضربة قاسية للتعددية الصحفية، لأنها أغلقت منابر عديدة، وقلصت مساحة المعارضة، وحرمت شرائح من المجتمع من وسائل التعبير عن مواقفها، وجاءت هذه التطورات في ظل مناخ سياسي محتدم، وتزامنت مع التوجه نحو حلف بغداد الذي تأسس عام 1955. وقد رأت قطاعات من المعارضة في التضييق على الصحافة وسيلة لتقليل الأصوات الناقدة وتهيئة المجال لتمرير السياسات الحكومية.
شكل عام 1956 منعطفاً تاريخياً حاسماً في تاريخ العراق المعاصر؛ حيث أدى قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس والعدوان الثلاثي اللاحق على مصر إلى اندلاع "انتفاضة 1956" الشعبية في العراق، اتخذت الصحف ذات التوجه العروبي القومي وصحف المعارضة اليسارية واللبرالية الأخرى موقفاً حماسياً مؤيداً بالمطلق لقرار التأميم باعتباره خطوة تاريخية لكسر الهيمنة الاستعمارية، وتفننت في نشر مقالات الرأي والتقارير الإخبارية التي تُمجّد السيادة الوطنية العربية وتندد بالتهديدات الغربية، وهكذا، وجدت الصحافة العراقية نفسها أمام مفارقة مؤلمة، فبعد عقود من التطور والتنوع، عادت القيود لتضرب عدداً كبيراً من الصحف، وتؤكد أن حرية النشر ظلت إحدى أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية العراقية.
إن تاريخ الصحافة العراقية ليس تاريخ الصحف وحدها، بل تاريخ الرجال والنساء الذين حرروها، وأداروا مطابعها، وكتبوا مقالاتها، وتحملوا مسؤولية نشرها في ظروف صعبة، هناك أسماء صنعت تاريخا لا ينسى، ومن ابرز رواد الصحافة العراقية التي ارتبطت بهذه المسيرة:

رفائيل بطي: عميد الصحافة العراقية، وصاحب جريدة «البلاد»، ومن أبرز من أرّخوا للصحافة العراقية.
انستاس الكرملي: عالم لغوي بارز، ارتبط اسمه بمجلة «لغة العرب»، التي أسهمت في خدمة العربية وآدابها.
محمد علي هبة الدين الشهرستاني: فقيه ومجدد وصاحب مجلة «العلم»، التي اهتمت بالموضوعات العلمية والأدبية في النجف.
إبراهيم حلمي العمر: أديب وصحفي وطني، ارتبط اسمه بجريدة «النهضة» وبالحركة الصحفية الناقدة.
سامي عبد الله خوندة: صاحب جريدة «الرافدان»، وتولى الإدارة والتحرير في جريدة «المعارف» الأسبوعية التي صدرت في الكاظمية في 3 أيلول 1926.
صادق الازدي: صحفي وكاتب أسهم في تأسيس عدد من المطبوعات السياسية والأدبية وتحريرها.
عبد اللطيف ثنيان: صاحب جريدة «الرقيب»، التي عُرفت بجرأتها في مواجهة الإدارة العثمانية.
حسين الرحال: من الأسماء المهمة في النشاط الفكري والصحفي، صحفي ومترجم عراقي اشتراكي، كان من أوائل الماركسيين الذي كتبوا في الصحافة العراقية دعا إلى حقوق المرأة وحريتها حتى لُقّب بـ«قاسم أمين العراق»،
ارتبط اسمه بجريدة «الصحيفة».
إبراهيم صالح شكر: كاتب وأديب وصحفي شارك في تحرير وإصدار عدد من الصحف والمجلات، عرف بقلمه الجريء ومواقفه الوطنية المدافعة عن استقلال العراق وحرية الكلمة، وترك تراثاً من المقالات والوثائق والرسائل.
احمد فوزي عبد الجبار: باحث وكاتب صحفي، تولى مسؤولية «لواء الاستقلال» عام 1954، وشارك فائق السامرائي في إصدار «الجريدة» عام 1953.
بولينا حسون روفائيل: رائدة الصحافة النسوية، أصدرت مجلة «ليلى» عام 1923، ودعت إلى تعليم المرأة وتعزيز مشاركتها الاجتماعية، وأسهمت في تأسيس نادي النهضة النسائية.
مريم نرمة: من رائدات الكتابة الصحفية النسائية، ارتبط اسمها بمجلة «دار السلام» وصحيفة «فتاة العرب».»
فهمي المدرس: سياسي وأديب وشاعر وكاتب، ارتبط اسمه بالفكر الإصلاحي والعمل الصحفي، وتذكر بعض الروايات إسهامه في تحرير «الزوراء».»
سلمان الصفواني: سياسي وصحفي وصاحب جريدة «اليقظة»، التي عُرفت بتوجهاتها الوطنية والقومية.
يونس السبعاوي: صحفي ومترجم ووزير سابق، أسس جريدة «العقاب»، وعُرف بمواقفه القومية المناهضة للنفوذ البريطاني.
محمد مهدي الجواهري: شاعر العرب الأكبر، والصحفي البارز أسس وأصدر صحفاً منها «الفرات» و«الانقلاب» و«الرأي العام».
عبد الغفور البدري: مؤسس جريدة الاستقلال" عام 1920، والتي استمرت بقوة ، وعرفت بنبرتها الوطنية الحماسية ومقاومتها للنفوذ البريطاني، وكانت من اكثر الصحف الشعبية وتأثيرا في الرأي العام.
حسين جميل: حقوقي وسياسي تولى رئاسة تحرير جريدة "الأهالي" في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وتميزت كتاباته بالعمق القانوني والدفاع عن الحريات الدستورية.
نوري ثابت: يُعد الأب الروحي للصحافة الهزلية والسياسية الساخرة في العراق، أسس مجلة " حبزبوز" عام 1931، ونجح في استخدام النقد اللاذع والفكاهة الممزوجة بالعامية العراقية لتسليط الضوء على عيوب السياسة والمجتمع.
ملا عبود الكرخي: الشاعر الشعبي الكبير الذي أصدر جريدة عام 1927، وكانت صحيفة انتقادية واجتماعية لاذعة تعتمد على شعره الشعبي ونقده الصريح للمسؤولين.
وإلى جانب هؤلاء، تبرز أسماء كثيرة ارتبطت بمراحل مختلفة من تاريخ الصحافة، منها أحمد مدحت أفندي، وعزت الفاروقي، وأحمد الشاوي البغدادي، وطه الشواف، ومحمد شكري الآلوسي، وعبد المجيد الشاوي، وجميل صدقي الزهاوي، وداود صليوا، ومحمد رضا الشبيبي، وتحسين العسكري، وبهجت زينل، وعبد الله الزهير، وفتاح كاوه، وعبد الحسين الأَزري، ومراد بك، وعبد الجبار الخياط، وعبد اللطيف الفلاحي، وداود السعدي، ، وجعفر أبو التمن، وأمين الجرجفجي، ومحمود عبد الرحمن النقيب، وعبد المحسن السعدون، وياسين الهاشمي، وعبد الحميد نعمان الخضار، وصبري الخطاط، ونجم الدين السهروردي، ويوسف سلمان، ومحمد مهدي كبة، وفيصل حسون، ونور الدين داوود، وفائق السامرائي، ويوسف هرمز جمو، وكامل الجادرجي، وعبد القادر إسماعيل البستاني، ويونس بحري، وأنور شاؤول، وتوفيق السمعاني، ويحيى قاسم، وصدر الدين شرف الدين، وعادل عوني، ومحمد باقر الحلي، ومحمد ناجي، وسليم حسون،، وسليم البصون ورفائيل بطي، وفائق بطي، ومليح صالح شكر، وعبد الرزاق الحسني، وفيليب دي طرازي، وأديب مروّة، ومنير بكر التكريتي، وعبد الرحمن الفهداوي، وقد تنوعت أدوار هؤلاء بين تأسيس الصحف، وتحرير المقالات، وإدارة المطابع، وكتابة الدراسات، وتوثيق التراث الصحفي، والدفاع عن حقوق العاملين في المهنة. وبفضل جهودهم، لم تنقطع سلسلة الصحافة العراقية، رغم ما واجهته من حروب وأزمات وقيود.
لا تكتمل حكاية الصحافة من دون الذين جمعوا وثائقها، ودرسوا مراحلها، وأعادوا إلى الذاكرة أسماء الصحف وروادها، والذين انقذوا ذاكرة العراق مؤرخي الصحافة، وقد أسهم رفائيل بطي في التأريخ للصحافة العراقية، وتابع نجله فائق بطي هذا الاهتمام، فكتب «أبي رفائيل بطي» عام 1956، إلى جانب مؤلفات أخرى تناولت صحافة العراق وتاريخها وكفاح أجيالها.
ويبرز عبد الرزاق الحسني، الذي صدر كتابه «تاريخ الصحافة العراقية» عام 1957، مقدماً عرضاً للصحف والمجلات والنشرات التي ظهرت في العراق منذ عهد مدحت باشا وحتى نهاية عام 1933.
كما أسهم فيصل حسون في كتابه «صحافة العراق ما بين عامي 1945–1970»، ومنير بكر التكريتي في دراسته «الصحافة العراقية واتجاهاتها السياسية والاجتماعية والثقافية من 1869–1921»، والدكتور عبد الرحمن الفهداوي في كتابه «الصحافة العراقية في ظل حكم الأخوين عارف في العراق 1963–1968».»
وعلى المستوى العربي، قدم فيليب دي طرازي في كتابه «تاريخ الصحافة العربية»، وأديب مروّة في كتابه «الصحافة العربية: نشأتها وتطورها»، معلومات مهمة تساعد على فهم الصحافة العراقية في إطارها العربي الأوسع.
وتأتي جهود الدكتور مليح صالح شكر لتضيف إلى هذا التراث، من خلال كتابه «تاريخ الصحافة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري 1932–1967» الصادر عام 2010، ثم كتابه «دفاتر صحفية عراقية» الصادر عام 2018، إلى جانب اهتمامه بتراث الكاتب الصحفي إبراهيم صالح شكر من مقالات ووثائق ورسائل بكتابه " صفحات من تأريخ العراق تراث بالكاتب الصحفي إبراهيم صالح شكر".
إن عمل هؤلاء الباحثين لا يقتصر على تدوين أسماء الصحف، بل يحفظ ذاكرة مهنة كاملة، ويعيد الاعتبار إلى صحفيين ربما غابت أسماؤهم عن الكتب، وإلى مطبوعات لم يبقَ منها سوى إشارات متفرقة في الوثائق القديمة.
فكل صحيفة قديمة تحمل شهادة على عصرها، وكل مقال يكشف جانباً من أفكار كاتبه، وكل عدد محفوظ يفتح نافذة على حياة مجتمع كان يتغير ويتطلع إلى مستقبل مختلف.
عندما نتأمل مسيرة الصحافة العراقية منذ صدور «الزوراء» في 15 حزيران 1869 حتى نهاية العهد الملكي عام 1958، نكتشف أننا أمام تاريخ طويل من العمل والجدل والتجديد، ومن الصراع بين الرغبة في التعبير ومحاولات فرض القيود.
لقد بدأت الصحافة العراقية في ظل الإدارة العثمانية، محدودة العدد وخاضعة للرقابة، ثم اتسعت بعد إعلان الدستور عام 1908، لتصبح منبراً للإصلاح والمطالبة بالحقوق. ومع الاحتلال البريطاني وثورة العشرين، ارتبطت بالكفاح الوطني، ثم شاركت في النقاشات السياسية والثقافية التي رافقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
وفي العهد الملكي، تعددت الصحف الحزبية والأدبية والفكاهية والنسوية والرياضية، تمتعت الصحافة بنسبة من المرونة والحرية النسبية، وبرزت أسماء لامعة من الصحفيين والكتاب والمثقفين، وأسهمت المطبوعات في تشكيل الرأي العام ومناقشة قضايا الاستقلال والحقوق والحريات.
لكن هذه المسيرة لم تخلُ من المعاناة؛ فقد تعرضت الصحف للإغلاق والتعطيل والمصادرة، وعانى الصحفيون من الرقابة والضغوط السياسية والقيود القانونية. وكانت أزمة عام 1954 من أشد المحطات التي كشفت هشاشة الحرية الصحفية عندما تتعارض مع مصالح السلطة.
ومع حلول عام 1958، كانت الصحافة العراقية قد راكمت تجربة غنية، وأسست تقاليد مهنية وثقافية، وخلّفت تراثاً من الصحف والمجلات والمقالات والوثائق، فضلاً عن أسماء تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
لقد أثبت رواد الصحافة العراقية أن الكلمة ليست مجرد حبر على ورق، بل موقف ومسؤولية وشهادة على العصر. وقد تختلف اتجاهاتهم السياسية والفكرية، وتتباين مواقفهم من الحكومات والأحزاب، لكن أثرهم المشترك يتمثل في أنهم أسهموا في بناء فضاء عام يناقش فيه العراقيون شؤون بلدهم، ويعبّرون عن تطلعاتهم، ويتجادلون حول مستقبلهم.
ان الوفاء لهؤلاء الرواد الذين حملوا اقلامهم في ازمنة صعبة، وجعلوا من الصحيفة منبرا ، ومن الكلمة رسالة، ومن التوثيق جسرا يصل الماضي بالحاضر والمستقبل، لا يتحقق بمجرد ذكر أسمائهم، بل بالبحث في أعمالهم، وتوثيق صحفهم، وتصحيح ما اختلط من أخبارهم، وإنصاف من غابت جهودهم عن بعض المؤلفات. فالتاريخ الصحفي أمانة، وكل اسم يُحذف منه، وكل واقعة تُروى من دون تدقيق، قد تحجب جانباً من صورة الوطن.
ومن هنا، تبقى دراسة تاريخ الصحافة العراقية ضرورة ثقافية ووطنية، لأنها تحفظ ذاكرة المجتمع، وتكشف مسيرة تطوره، وتذكّرنا بأن حرية الكلمة لم تكن منحة دائمة، بل مطلباً سعى إليه الصحفيون جيلاً بعد جيل، ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود.