
عدة رؤساء وزراء لبريطانيا لم يكن لديهم مقر إقامة حين غادروا السلطة فجأة (اندبندنت عربية)
ملخص
مغادرة رئيس وزراء بريطانيا مقر السلطة في "داونينغ ستريت" لا تعني دائماً العودة لمنزل ينتظره. ففي محطات عدة من القرن الماضي والحالي وجد ساكن المقر نفسه من دون سقف يؤويه، فانتقل إلى جناح في فندق أو إلى شقة استعارها من صديق أو نائب في حزبه. القائمة تشمل أسماء مثل ونستون تشرتشل وإدوارد هيث، وآخر المضافين إليها كير ستارمر.
الأندبيندت:في الـ20 من يوليو (تموز) الجاري خرج كير ستارمر من مقر رئاسة الحكومة البريطانية للمرة الأخيرة، مسلماً السلطة إلى آندي بيرنهام الذي أصبح سابع رئيس وزراء في نحو 10 أعوام. وذهب ستارمر إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته إلى الملك تشارلز الثالث، ثم قام بيرنهام بالرحلة نفسها ليطلب منه الملك تشكيل حكومة جديدة، قبل أن يعود لـ"داونينغ ستريت" ويدلي بأولى كلماته رئيساً للوزراء، ومع كل عملية انتقال من هذا النوع يعود سؤال قديم للواجهة، أين يذهب رئيس الوزراء المغادر فعلاً؟
السؤال ليس نظرياً في حال ستارمر نفسه، فمنزله المكون من أربع غرف نوم شمال لندن، والمقدرة قيمته بنحو مليوني جنيه استرليني، طُرح للإيجار بعد انتقال أسرته إلى مقر رئيس الوزراء، ولم يتضح حتى لحظة كتابة هذه السطور إن كان ستارمر استعاد مسكنه الشخصي أو لا، ولكن تقريراً لصحيفة "التايمز" يقول إن لدى رئيس الحكومة المقال إن جاز التعبير، كثيراً من الأصدقاء والنواب الذين يمكن أن يساعدوه ويستضيفوه.
أشهر الحالات المشابهة لستارمر وأكثرها إثارة في تاريخ البلاد، تعود لأشهر رؤساء وزراء المملكة المتحدة ونستون تشرتشل عام 1945. فبعد قيادته بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية من المقار الرسمية، خرج مهزوماً في انتخابات يوليو من العام ذاته من دون أن يملك منزلاً في لندن، إذ كان تخلى عن شقته المستأجرة في وسط العاصمة قبل الحرب.
وتروي مجلة "لكجري لندن" في مادة عن تاريخ فندق "كلاريدجز"، أن الزوجين تشرتشل لم يكُن لديهما مكان يذهبان إليه، فاتصلت زوجة تشرتشل كليمنتين بمالك الفندق دويلي كارت الذي عرض عليها جناح "بروك بنتهاوس" الواقع في الطابق السادس مع إطلالة على قصر ويستمنستر، فانتقلا إليه.
وتضيف صحيفة "ذا سكوتسمان" تفصيلاً إضافياً، فتورد أن تشرتشل لجأ إلى "كلاريدجز" بعد أسبوعين من واقعة "الجناح 212" الشهيرة في الفندق، وإن الحوار الأكثر شهرة في تلك المرحلة جرى على شرفة "بروك بنتهاوس"، حين حاولت كليمنتين تهدئة زوجها بالقول له إن الخسارة قد تكون نعمة مقنّعة. وتشير روايات أخرى إلى أن كليمنتين أحبت المكان بينما لم يكُن تشرتشل مرتاحاً للإقامة على هذا الارتفاع.
حدثت واقعة "الجناح 212" في الـ17 من يوليو عام 1945، حين أرادت الحكومة البريطانية ضمان ولادة ولي العهد اليوغوسلافي (الأمير ألكسندر الثاني) على أرض يوغوسلافية لكي تحق له ولاية العهد وفقاً للتشريعات المحلية هناك من دون أية عوائق سياسية أو قانونية، فأمر تشرتشل بإعلان "الجناح 212" في فندق "كلاريدجز" تابعاً لدولة يوغوسلافيا ليوم واحد فقط، وجرى وضع حفنة من التراب اليوغوسلافي تحت السرير الذي وضعت عليه الملكة ألكسندرا مولودها، ليتجاوز بذلك القوانين ويعتبر الطفل مولوداً على أرض وطنه.
بعد الفندق جاءت محطة ثانية موقتة في حياة تشرتشل، إذ أقام بين يوليو وسبتمبر (أيلول) 1945 في الشقة رقم 67 بمجمع "ويستمنستر غاردنز"، وهي شقة مستأجرة أعارتها له ابنته ديانا وزوجها دنكان ساندس. ولم تنتهِ الحكاية إلا بشراء رئيس الوزراء السابق المنزل رقم 28 في حي كنسينغتون ليكون قاعدته اللندنية، ثم شرائه البيت المجاور رقم 27 بـ7 آلاف جنيه استرليني فقط عام 1946.
ثمة حال أخرى بطلها تشرتشل أيضاً، فعندما استقال رئيس الحكومة نيفيل تشامبرلين في مايو 1940 تحت وقع الفشل في النرويج، لم يخرج من "داونينغ ستريت" فوراً، واضطر خليفته تشرتشل إلى الإقامة شهراً كاملاً حتى الـ13 من يونيو (حزيران) في مقر "الأدميرالية" التاريخي، لأنه لم يرغب في إزعاج تشامبرلين المريض في المقر الرسمي لرئيس الوزراء.
ومن بين رؤساء وزراء بريطانيا الذين عاشوا تجربة "اللامآوى" بعد خسارة السلطة، يذكر إدوارد هيث، رئيس الوزراء المحافظ الذي خسر انتخابات فبراير (شباط) عام 1974. وكان أقام خلال الستينيات في شقة داخل مجمع ألباني قرب بيكاديلي، ولم يكُن يملك منزلاً عائلياً كونه رئيس الوزراء الوحيد في القرن الـ20 الذي لم يتزوج. وعند النهاية غير المتوقعة لرئاسته، رفضت العائلة الفرنسية التي كانت تسكن شقته إخلاءها، فانتقل أربعة أشهر إلى شقة النائب المحافظ تيموثي كيتسون الذي رفض أن يتلقى منه إيجاراً.
وجاء الحل بعدها من أحد كبار ملاك العقارات في لندن، فسمح دوق ويستمنستر لهيث في يوليو عام 1974 باستئجار منزل في شارع "ويلتون" بإيجار سنوي قدره 1250 جنيهاً، أي نحو عُشر قيمته السوقية، وكان المنزل من ثلاث طبقات مع شقة في الطابق السفلي لمدبرة منزله. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، استهدفه الجيش الجمهوري الإيرلندي بقنبلة أُلقيت على شرفة الطابق الأول، ولكن هيث نجا لأنه كان في الخارج.
وأحدث تجربة في السياق ذاته قبل ستارمر، تجربة بوريس جونسون الذي أُجبر على إعلان استقالته في يوليو عام 2022 قبل انتهاء ولايته بفعل موجة استقالات وزارية. فقد أخلى شقته في "داونينغ ستريت" في أغسطس (آب) من ذلك العام، وأشارت التقارير إلى أن الأسرة مكثت في "تشيكرز" لفترة ثم عاشت في منزل وفره أحد الأصدقاء، حتى انتقلت إلى منزلها الجديد في الـ30 من مايو 2023، أي بعد نحو ثمانية أشهر من مغادرته السلطة.
ما جرى مع هؤلاء ليس قاعدة عامة بأية حال، إذ إن معظم رؤساء الوزراء خرجوا إلى منازل جاهزة. فمارغريت تاتشر مثلاً باعت منزلها في تشيلسي واشترت آخر في دولويش عام 1986 استعداداً لمرحلة ما بعد السلطة، لكنها لم ترتَح فيه وانتقلت إلى تشستر سكوير. وهارولد ويلسون فضّل خلال ولايته الثانية عام 1974 البقاء في شقته قرب البرلمان بدلاً من السكن في المقر الرسمي لرئيس الوزراء لأن زوجته كرهت الإقامة في "داونينغ ستريت". وليز تراس التي بقيت في المنصب 44 يوماً فقط كانت تملك منزلاً في نورفولك وآخر في حي غرينتش جنوب شرقي لندن عاشت فيه أكثر من 15 عاماً.
والقاسم المشترك بين هذه الحالات ليس الفقر، فمعظم أصحابها كانوا من الطبقة الميسورة أو ورثوا أسماء عريقة. القاسم المشترك هو أن المقر الرسمي يغري ساكنه بالتخلي عن ترتيباته الشخصية، ثم يفاجئه النظام البرلماني البريطاني بخروج مبكر لا موعد له، فلا يجد أمامه سوى الفندق أو كرم الأصدقاء أو انتظار انتهاء عقد إيجار، وهي مفارقة تشي بهشاشة الاستقرار الشخصي في أعلى منصب تنفيذي في المملكة المتحدة.

523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع