أ.د. عبدالسلام سبع الطائي
حين تُغلق البحار تُفتح جبهة العراق:من هرمز والأنبار الى بحر الصين الجنوبي
أسئلة ترسم ملامح المشهد القادم:
هل دخل العالم عصر حروب المضائق والمياه بدلًا من الحروب الأرضية للنفط والغاز؟
هل يتحول العراق من دولة مصبّ وممر للطاقة إلى ساحة مركزية في صراع الممرات العالمية؟
هل تبحث إيران عن بوابة برية عبر الأنبار بعد تعطّل منافذها البحرية في هرمز وبحر عُمان؟
ماذا تكشف خرائط ألمجتمع الاستخباري الأميركي للأمن المائي عن إدارة النفوذ ؟
هل يقود تفكك مركز القرار الإيراني إلى نهاية مشروع ولاية الفقيه وحلّ الميليشيات وإعادة بناء الدولة في العراق والمنطقة؟
ملخص تنفيذي
تبحث هذه الورقة في انتقال مركز الثقل من حروب النفط والأرض للقرن 20 إلى حروب المياه والمضائق والموانئ وامن الطرق البحرية للقرن21 المرتبطة بها للسيطرة على أماكن تصديرها . فالخط الممتد من الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان وبحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر وبحر قزوين والبحر الأسود ، وصولًا إلى المحيط الهندي ومضيق ملقا @ وبحر الصين الجنوبي، ليس ممرًا واحدًا بالمعنى القانوني، لكنه شبكة جيو–اقتصادية مترابطة تتحرك عبرها الطاقة والغاز والحبوب والأسمدة وسلاسل الإمداد. ويكفي اضطراب عقدة واحدة كي تنتقل الصدمة إلى التأمين والنقل والتضخم والغذاء والموازنات العامة.
تتمثل الفرضية المركزية في أن العراق هو الحلقة الأشد تعرضًا: كدولة مصب في دجلة والفرات، ودولة نفطية تعتمد على موانئ الفاو بالجنوب وهرمز، وممر بري يصل الخليج بسوريا وتركيا والأردن والسعودية. لذلك فإن أمنه المائي والبحري والبري كلٌّ واحد. كما تميز الورقة بين «الأحواض المائية محل الاهتمام» في تقييم الاستخبارات الأميركية وبين «قائمة دول مستهدفة»، وتعرض سيناريوهات التصعيد ضد النظام الإيراني والحرس الثوري والجماعات المسلحة العراقية المرتبطة به.
أولًا: الممرات المائية العربية بترول الغد ومفاتيح الحروب:
1. . مضيق تيران وحرب حزيران/يونيو 1967
شكّل إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة "الإسرائيلية" في أيار/مايو 1967 عنصرًا مباشرًا في الأزمة التي سبقت الحرب. ويُظهر هذا المثال التاريخي »أن الممر المائي يصبح «مسرّعًا للأزمة» عندما يُقرأ إغلاقه بوصفه اختبارًا للردع والإرادة وحرية الملاحة.1
2. . شط العرب والحرب العراقية–الإيرانية
مثّل شط العرب محورًا تاريخيًا للنزاع الحدودي والسيادي بين العراق وإيران. غير أن حرب السنوات الثماني لا تُفسَّر بالممر وحده؛ فقد تداخلت معها الثورة الإيرانية، والأمن الإقليمي، والتنافس على قيادة الخليج، والحسابات السياسية الداخلية. والدرس أن المياه والممرات قد تكون موضوعًا للسيادة ورمزًا لها، لكنها تعمل داخل بنية صراع أوسع.2
ثانيًا: الحرب القادمة؟ من الخليج العربي الى بحر الصين الجنوبي
1. . المجال الحيوي الأميركي وحرب التجارة البحرية العالمية
تتعامل الولايات المتحدة مع حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكّل مجالًا حيويًا لها باتجاه بحر الصين الجنوبي، باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستمرار حركة التجارة العالمية، ولتعزيز قدرتها على ربط مسارح استراتيجية متباعدة: البحر الأسود وبحر قزوين من جهة الطاقة الأوراسية؛ وشرق المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر والخليج من جهة أخرى؛ ثم المحيط الهندي ومضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي في إطار المنافسة مع الصين. ولا يعني ذلك وجود خطة واحدة تدير جميع هذه الأزمات، بل وجود مصلحة أمريكية ثابتة في منع أي قوة من احتكار هذا المجال الحيوي، أو تحويله إلى نقطة اختناق وأداة للابتزاز.
ومن بحر العرب إلى بحر الصين الجنوبي تتداخل «حرب التجارة» مع أمن الطاقة. فالصين وآسيا من أكبر مستوردي نفط وغاز الخليج، بينما تعتمد أسواق المنطقة على استيراد الغذاء والسلع والمدخلات الصناعية. ويؤثر اضطراب هرمز في النفط والغاز والأسمدة؛ واضطراب باب المندب والسويس يطيل الرحلة ويرفع التأمين؛ أما توتر بحر الصين الجنوبي أو مضيق ملقا فيهدد الوجهة النهائية نفسها. وهكذا يتحول الأمن البحري إلى مجال حيوي أيضا لأمن للغذاء والأسعار والعملة والديون، لا إلى قضية عسكرية منفصلة.3
@ يقع مضيق ملقا بين شبه جزيرة الملايو وجزيرة سومطرة، ويربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. ويُعد من أهم الممرات البحرية عالميًا لنقل النفط والغاز والبضائع بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، كما يتمتع بأهمية عسكرية واستراتيجية كبرى للولايات المتحدة والصين ودول المنطقة.
1. U.S. Department of State, Office of the Historian, “The 1967 Arab-Israeli War.”
2. Encyclopaedia Iranica, “Iraq vii. Iran-Iraq War.”
3. U.S. EIA, Global Energy Security Data, May 2026; UNCTAD, “From Gas to Grain,” 30 March 2026.
.2. هرمز وسبقنا التحليلي المنشور سنة 2019
جرس إنذار مبكر: نشرت صحيفة «الزمان» في 28 كانون الثاني/يناير 2019 دراستنا «حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الإيراني» (عبدالسلام الطائي). وقد لفتت، قبل أكثر من سبع سنوات، إلى انتقال الخطر من النفط وحده إلى المياه والممرات، وربطت البحر الأحمر وبحر العرب والخليج ونهر الأردن والليطاني وبردى بالصراع الأوسع. وتمنح تطورات هرمز وبحر عُمان والبحر الأحمر في 2024–2026 ذلك التنبيه قيمة استشرافية موثقة، من دون ادعاء الانفراد العالمي بالفكرة أو مساواة التوقع باليقين.
تكمن أهمية هذا السبق في المنهج: النظر إلى هرمز لا بوصفه ممرًا للنفط فقط، بل بوصفه عقدةً تتصل بالموانئ العُمانية والإماراتية، وببحر العرب وباب المندب، وبوجهة الصادرات الآسيوية. وقد أثبتت أزمة 2026 أن توقف الحركة عمليًا ينعكس فورًا على الإنتاج والمخزون والتجارة والغذاء، وأن إعادة الفتح لا تعيد الأسواق إلى وضعها السابق في يوم واحد.1
البحر الأحمر والخليج شبكة جيو–اقتصادية واحدة
يشكّل البحر الأحمر والخليج العربي شبكة استراتيجية واقتصادية مترابطة؛ فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغاز والأسمدة، بينما يفضي اضطراب باب المندب وقناة السويس إلى إطالة مسارات الشحن وزيادة تكاليف الوقود والتأمين. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال أزمة عام 2026، حين انخفض عبور السفن عبر مضيق هرمز بأكثر من 95% في ذروة التعطل، وفقًا لتقييم أممي.
وربط مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد–(UNCTAD)، وهو الهيئة الأممية المعنية بالتجارة والتنمية والاقتصاد العالمي، هذه الصدمة لها علاقة مباشرةً بمخاطر تهدد الأمن الغذائي؛ لأن أسعار الغاز والطاقة والأسمدة تدخل بصورة أساسية في تكاليف الزراعة والإنتاج والنقل. ومن ثمّ، لا يقتصر الأمن البحري على أبعاده الدفاعية والعسكرية، بل يمثّل أيضًا سياسة اجتماعية واقتصادية ومالية تنعكس مباشرةً على أسعار الغذاء ومستويات معيشة السكان.¹
ثالثًا: العراق دولة المصب بين الماء والنفط والجغرافيا
. 1 من احتلال 2003 إلى صراع الدولة واللادولة
أدى انهيار مؤسسات الدولة بعد 2003، والعنف الطائفي وصعود الفاعلين المسلحين والتنافس الأميركي–الإيراني، إلى تقليص قدرة بغداد على إنتاج سياسة مائية وخارجية متماسكة. أصبح العراق ساحة تماس، ودولة مصب، ومصدرًا نفطيًا عالي الاعتماد على الخليج. لذلك تتضاعف الصدمات وتتعرض الإيرادات العامة للضغط إذا تعطلت صادرات الطاقة.
2. النفط والمنافذ: لماذا تحتاج بغداد إلى تنويع الممرات؟
يعتمد العراق على موانئ الجنوب ومسارات الخليج لتصدير النفط الذي يمول معظم الموازنة. وتشير بيانات ما قبل حرب 2026 إلى مرور نحو 20 مليون برميل يوميًا عبر هرمز؛ أما في الربع الأول من 2026 فانخفضت تدفقات النفط إلى نحو 14.6 مليون برميل يوميًا..1
وعليه، تكتسب خطوط البصرة–حديثة، وطريق التنمية من ميناء الفاو الكبير باتجاه تركيا، والربط المحتمل مع الأردن وسوريا والسعودية قيمةً استراتيجية إذا خضعت لجدوى اقتصادية وسيادية وأمنية وبيئية. التنويع لا يلغي هرمز، لكنه يخفض خطر الاعتماد على منفذ واحد، ويمنح العراق دورًا في وصل الخليج بسوريا والمشرق والمتوسط والبحر الأسود.
.3 سوريا والسعودية واليمن: الطرق البرية والمنافذ البحرية
تمثل سوريا منفذًا محتملًا للعراق إلى البحر المتوسط وتمتلك السعودية ميزة الربط بين الخليج والبحر الأحمر وخط أنابيب الشرق–الغرب، ما يجعل أمنها جزءًا من تنويع صادرات المنطقة. أما اليمن فيتحكم جغرافيًا ببوابة باب المندب؛ وقد أثبتت هجمات السفن أن فاعلًا حوثيا ميليشياويا محليًا يستطيع فرض أثر عالمي، من غرق Rubymar إلى استهداف Sounion وتحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح.2
1. U.S. EIA, Global Energy Security Data, May 2026; Short-Term Energy Outlook, 7 July 2026.
2. IMO, “Red Sea Area,” incidents involving Rubymar and MV Sounion, 2024.
رابعًا: الحسابات الأمنية الإيرانية في جنوب العراق
وقد بينا في دراستنا عام2019، بان طهران تنظر إلى جنوب العراق وشط العرب والحدود والموانئ والمليشيات المسلحة بوصفها جزءًا من عمقها الأمني في مواجهة القوات الأميركية وحلفائها. وتسعى الى تحويل الأنهار أو الملوحة خطة عسكرية مقصودة لإنشاء عائق دفاعي وساتر ترابي.
1. زيارة الحكيم إلى الأنبار: الدلالة والتوقيت
الأهمية الاستراتيجية لأمن الطرق البرية
من الناحية التحليلية، يُعدّ الطريق البري الممتد من إيران عبر العراق والأردن وسوريا، وصولًا إلى لبنان، ممرًا استراتيجيًا في معادلات الصراع الإقليمي. ومن هذا المنظور، تكتسب زيارة «حكيم إيران» عمار إلى محافظة الأنبار أهمية سياسية وأمنية استثنائية، بالنظر إلى توقيتها وموقع الأنبار بوصفها حلقة رئيسة في شبكة المنافذ الحدودية، ولا سيما منفذ الوليد السوري ورويشد الأردني.
تعطّل المنافذ البحرية والبحث عن بدائل برية
بعد العمليات العسكرية الأميركية التي استهدفت القدرات والمنشآت الإيرانية في محيط بندر عباس، وأضعفت ما يمكن وصفه بـ«الرئة البحرية» لإيران، يُرجّح أن طهران بدأت البحث عن بدائل برية تضمن استمرار نقل السلاح والتمويل والدعم اللوجستي إلى حلفائها في لبنان. وفي هذا السياق، يمكن قراءة زيارة الحكيم إلى الأنبار بوصفها محاولة لاستطلاع إمكانات تفعيل ممر بري بديل، أو بحث التداعيات السياسية والأمنية المترتبة على تعطّل المسارات البحرية الإيرانية.
التهديد الإيراني بنقل الحرب إلى الدول العربية
وتتعزز خطورة الزيارة في ضوء تصريح وزير الخارجية الإيراني الأسبق، الموثّق بتسجيل مصوّر، الذي هدّد فيه بدخول القوات الإيرانية إلى العراق والكويت والبحرين في حال تعرّض إيران لهجوم بري أميركي. ويكشف هذا التهديد عن توجّه خطير لتحويل العراق ودول الخليج إلى ساحات بديلة للدفاع عن النظام الإيراني، ونقل شرّ الحرب من إيران إلى الدول العربية وشعوبها. وفي ضوء ذلك، تكتسب زيارة الحكيم إلى الأنبار دلالة استراتيجية إضافية ضمن مساعي البحث عن منفذ بري بديل لإيران، بعد تدمير منافذها البحرية وتعطيل خطوط إمدادها عبر بندر عباس والخليج وبحر عُمان.
ضبط سوريا لشحنة الأسلحة ودلالاتها
وتتعزز هذه القراءة بضبط صهريج مسجّل لنقل «النفط العراقي» عبر منفذ الوليد، احتوى على صواريخ إيرانية موجّهة من طراز «ألماس-3»، وطائرات مسيّرة انتحارية من نوع «FPV»، وكابلات ألياف بصرية للاتصالات العسكرية. وتشير طبيعة هذه المضبوطات إلى محاولة إمداد جبهة قتالية مستنزفة في سوريا أو لبنان. وعليه، تثير زيارة الحكيم تساؤلات مشروعة حول أهدافها الفعلية، وموقف القوى الوطنية السياسية من مستقبل منفذ الوليد، وضبط الحدود العراقية–السورية، ومنع استخدام العراق ممرًا للصراعات الإقليمية.
خامسًا: تقييم الاستخبارات الأميركية – أحواض بحرية ودول مستهدفة
صدر تقييم «الأمن المائي العالمي» في 2 شباط/فبراير 2012، بناءً على طلب وزارة الخارجية الأميركية. وهو تقييم منسّق أعدّه مجتمع الاستخبارات، وليس تقريرًا منفردًا لوكالة المخابرات المركزية؛ إذ تولّت وكالة استخبارات الدفاع صياغته الرئيسة، بمشاركة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووكالات أخرى. ولا تتضمن نسخته العلنية قائمةً بدول قررت واشنطن استهدافها، بل تشير إلى أن التحليل السري ركّز على دول ذات أهمية استراتيجية، فيما عرضت النسخة العلنية سبعة أحواض مائية عابرة للحدود بوصفها بؤرًا للمخاطر حتى عام 2040.²
الأحواض السبعة التي حددها مجتمع الاستخبارات السري
النيل: مصر والسودان ودول المنبع في شرق ووسط أفريقيا
دجلة والفرات: تركيا وسوريا والعراق، مع اتصال أجزاء من المنظومة المائية بإيران
نهر الأردن: الأردن وفلسطين وإسرائيل وسوريا ولبنان
الميكونغ: جنوب شرق آسيا
السند: الهند وباكستان وامتداداته الإقليمية
براهمابوترا: الصين والهند وبوتان وبنغلادش
آمو داريا: آسيا الوسطى وأفغانستان
1. عبدالسلام سبع الطائي، «حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الإيراني»، الزمان، 28 كانون الثاني/يناير 2019؛ U.S. EIA, STEO, 7 July 2026.
2. U.S. ODNI, Global Water Security: Intelligence Community Assessment ICA 2012-08 (2 February 2012), i–viii.
سادسًا: التداعيات والسيناريوهات المحتملة
تعود جذور التصعيد الراهن إلى العقلية الشمولية والتوسعية التي حكمت توجهات النظام الثيوقراطي الإيراني، وانعكست على بنية النظام السياسي في العراق من خلال القوى والميليشيات المرتبطة به. وقد أدى تداخل النفوذ الإقليمي مع السلاح المنفلت ومؤسسات الدولة إلى تحويل الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود تمسّ السيادة والأمن والطاقة والتجارة والاستقرار الاجتماعي. سيترب على ذلك السلوك العدواني الإيراني السيناريوهات المحتملة التالية:
السيناريو الأول: انتقال داخلي للسلطة أو تفكك في مركز القرار الإيراني
إذا تزامنت الضغوط العسكرية مع أزمة في القيادة، وتدهور اقتصادي، واتساع نطاق الاحتجاجات، فقد تشهد إيران انتقالًا سياسيًا منظمًا أو صراعًا داخليًا بين مراكز القوة ومؤسسات النظام. وفي هذه الحالة، ستواجه شبكات الحرس الثوري والجماعات العراقية واللبنانية واليمنية المرتبطة به أزمةً متزامنة في التمويل والقيادة والشرعية والقدرة على الاستمرار.
السيناريو الثاني : العراق وايران بين الإنذار والانفجار
في إيران، صدام الجمهورية مع الثيوقراطية: قد تشهد إيران مواجهةً حاسمة بين مشروع الجمهورية وسلطة النظام الثيوقراطي الكهنوتي الحاكم، بما يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تعيد رسم المشهد السياسي وبنية الدولة. ويعقب ذلك إشراكٌ انتقائي ومدروس لقوى المعارضة الجمهورية في إدارة العملية الانتقالية، تُعاد من خلالها هيكلة النظام ومؤسساته، من دون تسليم السلطة كاملةً إلى طرف سياسي واحد، تفاديًا لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة.
•في العراق: الشروع في انتقال سياسي ومؤسسي منظّم، تتولى خلاله قوى مدنية وطنية وتكنوقراطية غير موالية لإيران مسؤوليات الحكم تدريجيًا، بما يتيح تجاوز بنية النظام الكهنوتي، والانتقال نحو دولة مركزية ونظام رئاسي يقومان على المؤسسات والمواطنة وسيادة القانون.
•الغاية الاستراتيجية: إنهاء نموذج «ولاية الفقيه» بوصفه مشروعًا سياسيًا وأمنيًا عابرًا للحدود، وحصر السلاح بيد الدولة، وحلّ الميليشيات في العراق ولبنان واليمن، التي استخدمتها إيران، بعد تفكيك جيوش هذه الدول وحلّها، لتصبح تلك الميليشيات البديلة عن الجيش، خفر سواحل، وكلاب حراسة وصيد على حافات البحرين الأحمر والأبيض والخليج، وذلك ضمن ترتيبات دستورية وقانونية وأمنية مرحلية.
•الإطار الإقليمي: دمج الملفين العراقي واللبناني ومعالجتهما ضمن رؤية استراتيجية مترابطة مع الملف السوري، بدعم إقليمي ودولي منظّم، وتحت رعاية الحاكم المدني والمندوب السامي توماس باراك؛ بما يضمن إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق نظام مركزي رئاسي لعراق واحد، لا موحّد، واستعادة السيادة الوطنية، ومنع إعادة إنتاج الجماعات المسلحة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي المستدام. ولله أعلم.
• المراجع:
1. UNCTAD, “From Gas to Grain,” 30 March 2026; “Hormuz Disruption Deepens Global Economic Strain,” 1 April 2026.
2. UN Watercourses Convention (1997), arts. 5–8 and 11–23; Constitution of Iraq (2005), arts. 15 and 33.
الخاتمة: العراق بين الإنذار والانفجار
أكدت تطورات 2024–2026 أن ما حذّرت منه دراستنا «حرب المياه… رؤية في الصراع العربي–الإيراني»، المنشورة سنة 2019، لم يعد احتمالًا نظريًا؛ إذ باتت مضائق هرمز وبحر عُمان والبحر الأحمر عُقدًا مترابطة في منظومة أمن الطاقة والغاز والغذاء والتجارة. غير أن قيمة هذا السبق لا تكمن في القول إن الحرب حتمية، بل في القدرة على تحويل الإنذار إلى سياسة تمنع الانفجار.
ويمثّل العراق المكان الذي تتقاطع فيه مياه المنبع، ونفط الجنوب، والموانئ، والطرق البرية، والتنافس الأميركي–الإيراني. فإذا بنى معرفته المستقلة، ونوّع منافذه، واستعاد قرار مؤسساته، أمكنه الانتقال من ساحة تتلقى الصدمات إلى دولة تربط الخليج بالمشرق، وتحمي مصالحها في إطار التعاون الإقليمي والقانون الدولي. غير أن ذلك لا يمكن أن يتحقق ما لم تتوافر شروط السيناريو الثاني المشار إليه أعلاه.
المصادر المختارة
.1. الطائي، عبدالسلام سبع. «حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الإيراني». صحيفة الزمان، 28 كانون الثاني/يناير 2019.
2. U.S. ODNI. Global Water Security: Intelligence Community Assessment ICA 2012-08. 2 February 2012.
3. U.S. Energy Information Administration. Short-Term Energy Outlook, 7 July 2026؛ وGlobal Energy Security Data, May 2026.
4. UNCTAD. Hormuz Disruption Assessments: trade, oil, fertilizer and food-security impacts. March–June 2026.
5. IMO. Red Sea Area: Incidents and Statements, 2024–2025.
6. United Nations. Convention on the Law of the Non-navigational Uses of International Watercourses, 1997.
7. Constitution of the Republic of Iraq, 2005, arts. 15 and 33.
8. U.S. Department of State, Office of the Historian. “The 1967 Arab-Israeli War.”؛ Encyclopaedia Iranica, “Iraq vii. Iran-Iraq War.”

758 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع