
أيام زمان الجزء ٦٧ - فتاح الفال

ثمة كثيرون ممن يسوقون الجهل ويبدعون في صناعته، صناع مهرة للجهل في أعتى مدياته يستغلون ظروف الفاقة والجهل المعرفي والإيمان بالغيبيات، لكي يثروا على حساب ألآم الناس، بيع الجهل صار بضاعة رائجة ولها رجالها ونساؤها على حد سواء، ممن يمررون مكرهم وخداع عقول الناس البسطاء، محاولين إيهامهم بأنهم قادرون على حل مشاكلهم المستعصية، دجالون يتكاثرون في ظل الأزمات الاجتماعية الخانقة، ويزيفون وقائع الحياة ويحولون عقول بعض الناس إلى حجارة لا تضر ولا تنفع، ولا يمكن لهم أن يقوموا بدورهم الخبيث هذا، ويجدوا الكثيرين ممن ينساقون وراءهم نتيجة الجهل وقلة المعرفة والإيمان بالمجهول.

فتاح الفال (والاسم مشتق من الفال أي التوقع الذي قد يحدث)، أو هذا الاسم الذي يعرفه العامة من الناس البسطاء، وهي مهنة من المهن الشعبية العراقية الموروثة، التي تكاد لم تنقرض لحد الآن، لحاجة المجتمعات البسيطة للبحث عنها، والتمسك والإيمان بها، وخاصة النساء لقراءة الطالع، واخذ الخيرة والأعمال الأخرى من الشعوذة.
ما زال فتاح الفال شخصا مهما في الحياة اليومية لكثير من الناس منذ القدم، وهو البصار والنجومي أو من يفتح المندل أو قارئ الفنجان، وهو متخصص بمعرفة الماضي والحاضر والمستقبل، وعنده قدرة على الإتيان بالمحبوب والنجاح في الامتحانات، وجلب الرزق، وتحقيق فرص العمل، وإخضاع الزوج لزوجته، وكشف السارق وشفاء الأمراض، وطرد الأرواح الشريرة، كل ذلك عن طريق القراءة، وإعداد الرقي والتعاويذ والحجاب، أي انه يحمل بيده مفتاح كل شيء.
فتاح الفال هو شخص يمتلك قابليات سيكولوجيه، ومواصفات خاصه، ويعمل تحت ظروف غير اعتياديه، وله قابليه معرفة واقع الشخص، من خلال بعض الأسئلة التي قد تبدو بسيطة، ومن لباس الزبون وكلامه وعلى ذلك يقوم ببناء الطريقة التي يتصرف بها معه، رجل يتجول في الأزقة والمحلات كالمتسول الأنيق، ومعه دفتره ودواته ونقيع الزعفران، وهو يصيح مترنم (فتاح فال.. عداد نجم.. فوال)، ثم ينادي (فوال ...فتاح فال ...عداد نجم ...فوال).
والفوال له زي خاص يلبسه متكون من دشداشة بيضاء، ويلبس فوقها صاية، ويلف على راسه لفة من قماش ملون تشبه العمامة، ولكنها أصغر منها حجما، ويشد وسطه بحزام من قماش بلون اخضر، وهناك أغنية كانت تتداولها الألسن تقول "فوال فتاح الفال ... قاري علوم وأحوال، قرب من باب دجتكم.. أنا الشهير أبو الودع معروف أحسن فوال".
فتاح الفال هو الذي يمتلك مكانا خاصا به وعنوان دائم، ولكن يتم تداوله من قبل الخاصة خوفا من السلطات، ويجلس في غرفه بسيطة وكثيرا ما تكون مملؤة بالقذارة والأوراق، ويجلس على الأرض وأمامه مجموعه من الكتب والأوراق والأحبار، ومنهم من يقابل النساء فقط، ومنهم متخصص للرجال فقط، وأخرين مختلط، وجميعهم يدعون ويقومون بأعمال السحر، ويدعون بتسخير الجان لقضاء حاجاتهم، وكثيرا ما تكون هناك مضاعفات لأعمالهم.
يتجول الفوالين في الأزقة والمحلات، معلنين عن بضاعتهم، ويتصيدون البسطاء، وفي أوقات يكون الرجال في أعمالهم، وخاصة وقت الضحى والظهيرة، ولا شك بان الفوالين أناس أذكياء يعرفون نقاط الضعف لدى الأشخاص، وهناك حديث لشخص هندي قضى عمرا طويلا في استحصال هذه العلوم والفنون، ويقدر نسبة خمسة وتسعون بالمائة من مدعي هذا الفن لا يجيدونه، وهم أرباب دجل وشعوذة يستغلون ضعف الشخصية، واستفحال الوهم لدى الزبون فيعالجون الوهم بالوهم.
فاذا دعته امرأة لينظر فيما يضمره لها الغد، فينبغي لها أن تقدم له (النياز )، أي مبلغ من النقود قبل أن تضع يدها على الكتاب الذي يحمله معه، ثم تنوي نيتها التي تريد استطلاع ملابساتها، وبعدئذ يفتح (فتاح الفال)كتابه ويقرأ منه ما يشاء، أو يتظاهر بالقراءة، وقد يكتب لها حجابا، وربما يصنع لها سحرا أو يبطله، أو يكشف لها عن شيء سرق منها، ويخبرها عن كلام قيل فيها أو يبشرها بقدوم غائب، وعن المريض متى يشفى وعن حمل محتمل وغير ذلك، مما يشغل بالها ويبلبل أفكارها، وفتاح الفال لكونه أعجميا، فهو ماهر في تنميق الكلام وتلفيقه بلكنة ورطانة ظاهرة يقنع به السائلة، فإذا تحقق بعض ما قال للمرأة السائلة فآمنت به، وانتشر صيته في المحلة حيث يقال: (انطه أم فلان خيرتها بيدها عبالك جان واكف وره الباب، وفرزن إلها القضية كلمة ... كلمة)، وانتشر الخبر وذاع صيت الفوال ... صدفة أو من غير صدفة ويكسب رزقه من هذا الباب ليعيش في حياة تغمرها البساطة، وتسودها النوايا الحسنة، وعند ذلك نقول (الله ينطيهم على نياتهم). وقد شاركت المرأة الرجل في هذه المهنة لبساطة المهنة والتمثيل بها، والانتشار بين النساء أكثر رواجاً وإشاعة ونجاحاً.
وفي بعض الأحيان ينصح بعض الفوالين المرأة بعمل استخاره، وعليها أن تجلس المرأة في ليلة الجمعة قبيل أذان العشاء في مفرق أربعة طرق، بعد أن ترمي بكل طريق حجرا وتنوي قائلة: (يا خيرة الدرب انطيني ما بالگلپ)، ثم تجلس ساكتة إلى أن يمر شخصان يتحادثان فيما بينهما، تنصت المستخيرة إلى حديثهما ثم تفسره، فمثلا إذا قال أحد المارين لزميله، (آني كتله موافق روح أتوكل على الله)، فتكون تلك الخيرة جيدة حسب اعتقادها، لذلك تعود إلى بيتها فرحة مسرورة، أما إذا قال أحد المتحدثين (لا وداعتك بروح أبوك لا انزل راسي ولا اطلب منه أي شيء)، فان المستخيرة تعود إلى بيتها يائسة من هذا الفال، وهناك بعض الصبيان الذين يعجبهم معاكسة المستخيرات، حيث يمر بعضهم من أمامهن وهم يتحدثون بما شاؤا بقصد الاستئناس، فبعضهم يفرح المستخيرات وبعضهم يحزنهن بأقوالهم.
أما البنات (غير المتزوجات) فاستخارتهن غالبا مقصورة على تلهفهن لمعرفة بختهن في الزواج، حيث تتناول كل منهن (لفة خبز وبصل في ليلة السبت) وتنوي قائلة (ياسبت ياسبوت، راويني بختي كبل ما موت)، فإذا رأت حلما في تلك الليلة، تقصه صباح اليوم التالي على أمها، التي تصغي إلى وقائعه متلهفة هي الأخرى لمعرفة ما سيكون مستقبل ابنتها، مرددة بين حين وأخر: خير.. إن شاء الله … خير ثم تفسره إن كان الحلم في صالح ابنتها وان ابن الحلال بانتظارها وسيرسل امه قريبا لخطبتها، وإذا كان الحلم رديئا لا يبشر بخير فإنها تقول لابنتها احجيه بالحمام باعتقادها انه سيفسد ولن يتحقق.
وليس صحيحا ما يقال بان النساء هن من يترددن على هؤلاء دون الرجال، وان كانت نسبتهن أكثر من الرجال لأسباب معروفة منها عاطفتها الزائدة، مع حبها في الوصول إلى مبتغاها بسرعة فائقة دون توخي الأسباب، ولكن الرجال ليسوا بأقل من النساء في التردد على الفوالين، ومن بين هؤلاء مشاهير وأسماء لامعة في دنيا الفن والأدب والرياضة، وقد وصل فتاح الفال إلى القصور الرئاسية أيضا ليكشف للرئيس عن أعداءه ونوايا بطانته وأسرار أخرى قد يحتاجها في إدامة ملكه والحفاظ على كرسيه الوثير.
مما لا شك فيه أن الفوال يحظى باهتمام الكثير من طالبي معرفة مستقبلهم، فهو يعمل في عالم مجهول، وفيه كل خارق وغير معقول، وأيضا يعتقد بأن ليس هناك شك بوجود السحر والجن، ولكن ذلك لا يعني أن هناك وكلاء يعلمون الغيب، ويتنبؤون بما سيكون، ويعرفون ما تضمر الأنفس، وما تحت الأرض وما هو قادم من الآمور.
وبعض هؤلاء الفوالين نجح في بلاده وامتدت شهرته إلى الأفاق فسافر إلى دول أخرى أكثر ثراء، فتحقق له هناك ما أراد، وبعد أن دخل العالم عصر الفضائيات والإنترنيت، حتى صارت القنوات الفضائية تتسابق فيما بينها على استدراج فتاحي الفال، وتخصص لهم ساعات من البث لبرامجهم، التي تحقق عادة نجاحا أكثر من البرامج العلمية والرياضية، وبدأت هذه الفضائيات تروج إلى معرفة الأبراج، والعلاج الروحاني ومنهم من يدعي العلاج بالقرآن الكريم، والغريب بواسطة التلفون وهو العلاج عن بعد، وكثر هؤلاء الدجالون حتى ضاقت المساحة التي يعملون بها من كثرتهم، وكثرت أيضا ادعاءاتهم واصبحوا وسيله جيده ومثمرة لكسب الأموال، وظهرت لنا الأحجار التي تغير الحظ والحب والحسد، وظهر أيضا من يدعي انه قادر أن يشفي عشيره ب (بجكليته) وأخر يبيع غبار مقدس، والأخر يأتي بقناني من المياه الجوفية ويعتبرها بماء مقدس، والأخر يقرأ على أجساد النساء طلبا للشفاء، والغاية تختلف تماما والعتب ليس على البسطاء، ولكن على المثقفين الذين يدعمون هذه الأفكار ، والمجتمعات تستقبل المعلومات عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. ويتساوى في الذهاب إلى فتاح الفال الجهلة والمثقفون والفقراء والأغنياء، كما يتفاوت فتاحو الفال في نسبة التوفيق فمنهم من يتخذ له مكتبا أنيقا مكيفا ومنهم من يفترش الرصيف ومعه ببغاء مدرب على التقاط بطاقة من مجموعة بطاقات كتب عليها معلومات تنطبق على أكثر الناس، ومهما يكن من تأثيرهم وإبداعهم والتزامهم بوعودهم، إلا انهم يظلون أرباب دجل وشعوذة، ويخلطون هذا الدجل بالدين والدين منهم براء، إذ يظلون كذابين وان صدقوا، وقد حرم الذهاب إليهم والاستعانة بهم والاعتماد عليهم.
وبعض هؤلاء الفوالين نجح في بلاده وامتدت شهرته إلى الأفاق فسافر إلى دول أخرى أكثر ثراء، فتحقق له هناك ما أراد، وبعد أن دخلنا عصر الفضائيات والإنترنيت، حتى صارت القنوات الفضائية تتسابق فيما بينها على استدراج فتاحي الفال، وتخصص لهم ساعات من البث لبرامجهم التي تحقق عادة نجاحا أكثر من البرامج العلمية والرياضية، وبدأت هذه الفضائيات تروج إلى معرفة الأبراج، والعلاج الروحاني ومنهم من يدعي العلاج بالقرآن الكريم، والغريب بواسطة التلفون وهو العلاج عن بعد، وكثر هؤلاء الدجالون حتى ضاقت المساحة التي يعملون بها من كثرتهم، وكثرت أيضا ادعاءاتهم واصبحوا وسيله جيده ومثمرة لكسب الأموال، وظهرت لنا الأحجار التي تغير الحظ والحب والحسد، وظهر أيضا من يدعي انه قادر أن يشفي عشيره بـ (بجكليته) وأخر يبيع غبار مقدس والأخر يأتي بقناني من المياه الجوفية ويعتبرها بماء مقدس، والأخر يقرأ على أجساد النساء طلبا للشفاء، والغاية تختلف تماما والعتب ليس على البسطاء، ولكن على المثقفين الذين يدعمون هذه الأفكار ، وبدأنا نستقبل المعلومات عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. ويتساوى في الذهاب إلى فتاح الفال الجهلة والمثقفون والفقراء والأغنياء، كما يتفاوت فتاحو الفال في نسبة التوفيق فمنهم من يتخذ له مكتبا أنيقا مكيفا ومنهم من يفترش الرصيف ومعه ببغاء مدرب على التقاط بطاقة من مجموعة بطاقات كتب عليها معلومات تنطبق على أكثر الناس. ومهما يكن من تأثيرهم وإبداعهم والتزامهم بوعودهم، إلا انهم يظلون أرباب دجل وشعوذة ويخلطون هذا الدجل بالدين والدين منهم براء، إذ يظلون كذابين وان صدقوا، وقد حرم الذهاب إليهم والاستعانة بهم والاعتماد عليهم.
فبعض الفوالين من الرجال وهم مختصون معرفة المستقبل، اشتهرو بضرب الرمل ومنهم في بغداد واتخذوها وسيلة من وسائل الارتزاق، يتذرع بها بعض الزاعمين باستطلاع الغيب واستجلاء المستقبل، وكانوا ينتشرون في زوايا معينة بين شوارع الكرخ، ولاسيما في منطقة علاوي الحلة ،وقد استساغ بعضهم الجلوس في منطقة الميدان في الرصافة أو في باب الشيخ، وهم جميعا ينتخبون الأماكن الزاخرة بالعابرين، وقد يطول جلوسهم بلا جدوى، من خلال الرمل (تخت رمل)، وهو عباره عن منديل (صره) فيه كمية من الرمل مفروشة على الأرض وقد نثروا فوقها طبقة سميكة من الرمل ، مع بضع مكعبات حديديه ذات علامات ورموز يلقيها الفوال ويقرأ المستقبل، أو يضع رموز على الرمل بأصبعه استنادا إلى اسم الزبون واسم امه، ومن خلال عمليه شطب وخطوط ممدودة بين هذا وذاك، يدعي انه توصل إلى المعرفة، والقسم الأخر من الرجال كان يستخدم أسلوبا وهو عباره تسجيل الاسم واسم الأم، ثم يقوم بعمليه جمع الحروف واستخراج أرقام توصله إلى البرج الذي ينتمي اليه الزبون ثم يبدأ بتلاوة ما توصل اليه. النوع الأخر وهو الذي يسخر وكيل وكثيرا ما تكون امرأة لتقصي الأخبار وتزويده بها حيث تأتي كلماته مطابقه للحقيقة. وحين يكلفون باستطلاع الضمير يرسمون على الرمل بأصابعهم خطوطا ونقاطا كيفما اتفق ثم يحصون ما رسموا ويقابلون رموزه بمعاينها في كتاب خاص بعلم الرمل يحملونه معهم دائما.
ويذكر أن أحد الظرفاء وجد في مخدته شيئا صلبا، ففتحه وإذا به تعويذ من صنع الفوال حضرته امه له حتى لا يشتري ويعترض على بيع اللبلبي والباجلا كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة.
ويقال أيضا أن رجلا وجد بين ملابسه تعويذا، ففتح خيوطه فوجد فيه ورقة داخل ورقة داخل ورقة فيها حبات من الفلفل الأسود، وعود ثقاب ولوزة واحدة وكتابة رديئة بالزعفران (الحاق الواق الباق + -*=هذه المرأة المسكينة زوجها يتأخر في المجيء ليلا فعليه أن يبكر وان بكر فقد بكر وان لم يبكر أن شاء لله عمره ما بكر ويطبه طوب) أي يطبه مرض أي في ستين داهية أي إلى جهنم وبئس المصير، فاللهجات تختلف والدجل واحد.
بغداديات عزيز الحجية
مواقع التواصل الاجتماعي
للراغبين الاطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/mochtaratt/70659-2026-02-18-11-09-30.html

574 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع