
صباح البغدادي
لماذا السعودية تراقب بحذر نتائج مفاوضات إسلام أباد ؟ أمريكا و إيران ؟
من الملفت فعلاً أنه، رغم متابعتي الدقيقة لمعظم القنوات الإخبارية العربية والدولية واستضافتها لعدد كبير من المحللين السياسيين والعسكريين، لم يُذكر تقريباً أي دور بارز للمملكة العربية السعودية ودول الخليج في تقييم نتائج هذه المباحثات أو تأثيرها المحتمل عليها. والأمر الأكثر غرابة أن الدول الخليجية هي الأكثر تأثراً واهتماماً بنتائج هذه المفاوضات، لأنها ترفض رفضاً قاطعاً أن تكون أي تسوية على حساب أمنها القومي، فقط ليتمكن الرئيس ترامب من إعلان «انتصار» سياسي. حتى الآن، يبدو أن الجولة الأولى من المفاوضات قد فشلت، ليس بسبب تعقيد الملفات فحسب، بل لأن كل طرف لا يزال يعتقد أنه يمتلك أوراقاً أقوى من الآخر. فنحن لا نشاهد مفاوضات حقيقية تهدف إلى نزع فتيل التصعيد، بل نشاهد حلبة صراع سياسي يسعى فيها كل طرف لإسقاط الآخر بـ«الضربة القاضية». ونتيجة لهذه التعنت، فإن احتمال عودة المواجهة العسكرية يبقى قائماً وبقوة، وقد تكون أكثر حدة في المرة القادمة. وفي الوقت الذي جرت فيه المفاوضات الجولة الاولى يوم امس السبت 11 نيسان 2026 والتي كان هدفها ايجاد ارضية مشتركة لإنهاء الصراع والبحث بعد ذلك عن حلول مقنعة لسلام دائم وطويل الأمد وهي مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام أباد، برعاية باكستانية، ووسط حرب إقليمية مفتوحة أدت إلى وقف إطلاق نار مؤقت، برزت باكستان كوسيط محوري بين طهران وواشنطن، محولةً ديناميكية المفاوضات جذرياً. لم يكن هذا مجرد تبادل رسائل دبلوماسية، بل تحول استراتيجي يعكس فشل الوسطاء التقليديين وصعود نموذج جديد لـ”الدول المتوسطة النووية” في ملء الفراغات الجيوسياسية. هذا التحليل يفكك الأسباب البنيوية لهذا التحول، مع التركيز على العامل الحاسم – الثقل النووي – ويقدم رؤية استباقية لما يمكن أن يعنيه هذا الدور لمستقبل باكستان والمنطقة.لماذا فشلت عُمان وقطر في الحفاظ على دورهما التقليدي؟كانت عُمان وقطر، لعقود، “المنصات المحايدة” المفضلة: موقع جغرافي خليجي، علاقات وثيقة مع واشنطن (بما في ذلك قواعد عسكرية)، وقدرة على استضافة لقاءات سرية دون ضجيج. لكن الحرب غيرت المعادلة جذرياً. أصبح وجود القواعد الأمريكية على أراضيها هدفاً مباشراً للرد الإيراني، مما جعلهما عرضة للضربات وفقدان الثقة من طهران. كدول صغيرة اقتصادياً وعسكرياً، لم تملكا “جلداً في اللعبة” يجبر الطرفين على الاستماع؛ كانتا مجرد قنوات نقل، لا لاعبين قادرين على تغيير الموازين. إيران، التي تعرضت لضغوط نووية وعسكرية مباشرة، فقدت الثقة في وسطاء مرتبطين عضوياً بالمنظومة الأمريكية-الخليجية. هكذا تحولت مزاياهما التقليدية إلى عيوب قاتلة في سياق تصعيد حقيقي. ولان الثقل النووي هو العامل الحاسم الذي ميز باكستان هنا حيث دخلت كلاعب ثقيل غير تقليدي، وكان الثقل النووي هو العنصر الحاسم الذي سمح لها بسحب البساط . وباكستان هي الدولة النووية الإسلامية الوحيدة ذات ترسانة مثبتة ومختبرة، وهذا يمنحها مصداقية فريدة لا تملكها أي دولة خليجية أخرى مع إيران ولانها ترى في إسلام آباد نموذجاً ناجحاً لامتلاك الردع النووي رغم العقوبات الأمريكية التاريخية. الحدود المشتركة (900 كم) والفهم المشترك لـ”النووي كأداة سيادة” يخلقان رابطاً استراتيجياً عميقاً والاهم بان باكستان تتحدث لغة البرنامج النووي الإيراني من موقع الخبرة الطويلة ، لا من موقع التابع وهذه اهم النقاط الجوهرية التي ما يزال الاعلام غافل عنها ” الثقل النووي “.
ولذا لا بد أن يبرز لنا السؤال الاستراتيجي الأساسي وعلى حساب من تكون هذه المفاوضات وهل سوف تمثل هذه المحادثات خطوة حقيقية نحو تسوية مستدامة، أم أنها مجرد هدنة تكتيكية تسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوراقها استعداداً لمرحلة جديدة من المنافسة أو بداية استئناف الصراع المسلح والقصف المتبادل ؟ ومن قراءة منظور استراتيجي محايد وبعيداً عن التحليلات السطحية والمواقف المسبقة التي تسيطر على معظم التغطيات الإعلامية حالياً، سواء في القنوات العربية أو العالمية، والتي تركز بشكل أساسي على مسألة «من سينتصر» و«من سيقدم التنازلات الأكبر»، ومن سيخرج من قاعة المفاوضات ليعلن انتصاره وفرض شروطه، سنحاول هنا أن نسير في اتجاه معاكس. بدلاً من الوقوع في فخ التكهنات اليومية حول نجاح أو فشل الجولة التفاوضية الحالية، سنركز على الأبعاد الاستراتيجية الحقيقية لهذه المفاوضات وما هي النتائج الفعلية المتوقعة، وما هي “جوائز الترضية” التي قد تُمنح لطهران ، وعلى حساب من ستكون هذه التنازلات في النهاية ؟ ولذا سنرفض الوقوع في فخ الدراما اليومية حول نجاح أو فشل هذه الجولة التفاوضية، ونتوجه مباشرة إلى جوهر المسألة وهي طبيعة النتائج الاستراتيجية الحقيقية التي ستخرج بها هذه المفاوضات؟ وفي ما نتناوله في هذا السياق بالنسبة للسعودية ومن خلفها دول الخليج ؟ ولذا يبدو لنا بأن المفاوضات الحالية – رغم أهميتها الدبلوماسية كأول لقاء مباشر رفيع المستوى بين واشنطن وطهران منذ عقود – تحمل في طياتها أكثر من مجرد بحث عن وقف إطلاق نار . إنها فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي أضعف البنية التحتية الإيرانية، وفي الوقت نفسه تمهد لإعادة تموضع الأطراف الإقليمية والدولية. بغض النظر عن التنازلات التكتيكية التي قد يقدمها الطرفان للخروج من المأزق الحالي، فإن الجوهر الاستراتيجي يكمن في قدرة كل طرف على استغلال هذه الفترة لبناء قدراته وتحالفاته. ومنها هنا تراقب المملكة العربية السعودية، ومن ورائها دول مجلس التعاون الخليجي، هذه التطورات بأقصى درجات الحذر والتركيز والصمت الذي لا يفسر سواء بان ماهو قادم قد يشعل المنطقة من جديد ومن خلال المنافسة الشرسة التي ستكون بين إيران والسعودية . فالرياض لا ترى فقط في هذه المفاوضات نهاية للتهديد الإيراني، بل فرصة تاريخية لتعزيز موقعها في التوازن الإقليمي الجديد. ولا يُستبعد لنا حاليا أن يتم نقل التفاصيل الدقيقة لما يدور خلف الأبواب المغلقة مباشرة إلى مكتب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وضمان تدارك أي سيناريو قد يتعارض مع الأولويات السعودية في ضمان أمن قومي إقليمي طويل الأمد ومستدام. وفي هذا السياق، تكتسب الشراكة الدفاعية بين المملكة العربية السعودية وباكستان أبعاداً استراتيجية استثنائية. فقد وقّع البلدان في 17 أيلول 2025 وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في الرياض، “اتفاق دفاع إستراتيجي مشترك بين البلدين”. وتنص الاتفاقية وفق بيان مشترك حينها من الجانبين على أن “أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما”، وكما تتضمن “تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء”. وبعد إبرام الاتفاق بيومين صرّح وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بأن قدرات بلاده النووية يمكن أن تُستخدَم في إطار اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك مع السعودية. وعلى الرغم من بعض التوضيحات اللاحقة التي حاولت الحد من التفسيرات والتأويلات حول حقيقة وجود فعلي للقنبلة النووية السعودية وبالأخص عندما صرح ولي العهد بان في اليوم الذي تحصل فيه إيران على قنبلتها النووية ستكون السعودية لديها قنبلتها النووية ، إلا أن الرسالة الاستراتيجية وصلت بوضوح وصراحة للجميع ومفادها :” باكستان تمثل عمقاً دفاعياً موثوقاً للمملكة، يتجاوز الاعتماد التقليدي على المظلة الأمريكية وحدها ” ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن لنا القول الان وبكل صراحة وثقة وحسب ما نراه وعلى الرغم من عدم التطرق إليه في وسائل الاعلام كافة لغاية هذه اللحظة بإن السعودية هي من أبرز المستفيدين غير المباشرين من الضربات التي أصابت البنية التحتية العسكرية والصناعية والمدنية في إيران. وهذا الإضعاف يقلل من قدرة طهران على المبادرة العدوانية في المنطقة، ويفتح نافذة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بطريقة تتوافق أكثر مع مصالح دول الخليج وعلى رأسها الرياض فلذا إيران أدركت هذه الفجوة الكبيرة التي خلفتها حرب 12 يوما و 39 يومآ لذا سوف تحاول تعويضها في هذه المفاوضات حاليآ ومع ذلك، فإن هذا المكسب الميداني يقابله قلق سعودي مشروع من طبيعة ” جوائز الترضية ” التي قد يمنحها الرئيس “ترامب” لإيران ليخرج من المفاوضات بصورة المنتصر. وتشير لدينا المؤشرات الأولية إلى أن أي تسوية قد تشمل عناصر تتجاوز الملف النووي الإيراني، وعلى سبيل المثال تعزيز طهران النفوذ الاقتصادي في العراق، أو صيغة سياسية تسمح لحزب الله بالبقاء كقوة سياسية داخلية في لبنان مع قيود على تسلحه . ومثل هذه التنازلات، إن حدثت، قد تصطدم مباشرة مع الرؤية الإسرائيلية، خاصة في ظل اقتراب أي مباحثات سلام محتملة بين إسرائيل ولبنان. وكما أنها قد تعيد إيران إلى الساحة بقدرات سياسية واقتصادية متجددة، حتى لو كانت قدراتها العسكرية قد تضررت بشكل بالغ يصعب معها اعادتها الى كانت عليها قبل الحرب .وهنا يبرز لنا في هذه الرؤية الاستباقية حالة التوازن الدقيق الذي تتعامل به الرياض مع هذه المرحلة الانتقالية. فمن جهة، تستفيد المملكة من أي إضعاف القدرات الإيرانية العسكرية والتصنيعية المباشرة، ومن جهة أخرى، تسعى إلى منع أي تسوية تمنح طهران مكاسب استراتيجية تعوض عن خسائرها العسكرية. وفي هذا الإطار، تعمل الشراكة مع باكستان كعامل ردع إضافي يعزز القدرة السعودية على مواجهة أي سيناريوهات مستقبلية، سواء كانت عودة للتصعيد أو تسوية غير متوازنة.استراتيجياً، ولذا يجب علينا النظر إلى المفاوضات الحالية كفصل انتقالي في لعبة إقليمية طويلة الأمد، وليست نهاية للتوترات. في الديناميكيات متعددة الأبعاد – النووية، والاقتصادية، والعسكرية – تجعل أي اتفاق مؤقت عرضة للانهيار إذا لم يراعِ المصالح الحيوية للقوى الدول الخليجية. ومن هنا، فإن الرياض، بقيادتها الاستراتيجية، تتعامل مع هذه اللحظة ليس فقط كمراقب، بل كلاعب فاعل يسعى إلى صياغة النتائج بما يضمن أمنه واستقراره على المدى البعيد وعلى الاقل حاليا من خلف الستار ولعل ما يعطي هذه المفاوضات أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة للرياض هو الموقع الذي تُجرى فيه : العاصمة إسلام آباد. ليست مجرد وسيط محايد يتم طرحه حاليا في كافة وسائل الإعلام العربية والعالمية والتي اخفلت بدورها ومع اباطرة محلليخها الاستراتيجيين امر في غاية الاهمية والتأثير ويتجسد لنا بالحليف استراتيجي وثيق مرتبط باتفاقية دفاع مشترك صريحة مع الرياض. لذلك، يمكن القول بكل موضوعية إن إسلام آباد باتت تمارس دوراً يتجاوز الوساطة التقليدية، لتصبح قناة نقل مباشرة وموثوقة لكل ما يدور خلف الأبواب المغلقة إلى مكتب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. بل إن الأمر يتجاوز مجرد الإحاطة، ليصل إلى حد أن الرياض تبدو وكأنها مشارك فعلي في المفاوضات، وكأن ممثلاً سعودياً يجلس على الطاولة نفسها إلى جانب المفاوضين، حتى لو لم يكن موجوداً بشكل علني وفي الختام، إن ما يجري في إسلام أباد اليوم يمثل أكثر من مجرد محادثات سلام. إنه اختبار لقدرة النظام الإقليمي على استيعاب الصدمات وإعادة بناء توازن قوى جديد. لذا فإن السعودية، مدعومة بشراكتها الاستراتيجية المتينة – وعلى رأسها الاتفاق مع باكستان – تمتلك أدوات كافية لضمان أن لا تكون أي تسوية على حساب أمنها القومي أو مصالحها الإقليمية. والتحدي الحقيقي الذي نراه قد يواجه المنطقة اليوم يكمن في تحويل هذه الهدنة التكتيكية إلى فرصة استراتيجية حقيقية لاستقرار إقليمي مستدام، يقوم على ردع متوازن ومؤسسي، وليس على تنازلات تُعيد إنتاج التهديدات بأشكال وأطر جديدة. فالإدارة الأمريكية القادمة – وكذلك الإدارات المتعاقبة – قد لا تمتلك القدرة على استيعاب أو التعامل الفعّال مع تعقيدات هذه الديناميكيات، خاصة أن السياسة الأمريكية تجاه المنطقة غالباً ما تظل رهينة تغيّرات الرؤساء وأهوائهم الشخصية، مما يجعل أي تسوية هشّة وعرضة للانهيار، وكما رأينا بوضوح في عهد الرئيس “ترامب”، الذي لا يزال مصراً على فرض جميع مطالبه، بينما تبقى الأيدي على الزناد، والأطراف كلها تتربص ببعضها البعض، تنتظر أدنى زلة أو سوء تقدير لتعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد في لحظات وقد يُعيد الأمور إلى نقطة الصفر بسرعة تفوق سرعة ما بدأت بوادر سلام طويل الأمد.،وكأن ما يُروَّج له كبوادر سلام طويل الأمد ليس سوى استراحة مؤقتة بين جولتين من الصراع.

833 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع