
النحل هذا المخلوق العجيب ولي قصة معه

المحامي المستشار
محي الدين محمد يونس
قبل الدخول في رواية قصتي مع النحل لابد من إعطاء القارئ العزيز نبذة مختصرة عن هذه الحشــــرة العجيبة فالنحل مفردها نحلة من الحشـــرات المجنحـــــــة يتراوح احجامها بين (2 ملم – 29 ملم) تقريبا ويعرف منها ما يقارب (20,000) نوعا إلا أن الذي يهمنا منها هو نحل العسل وهو من أشهر أنواع النحل حيث يستفيد الانسان من العسل الذي يصنعه بكميات من جمع الرحيق وحبوب اللقاح وتحويله الى عسل قابل للاستهلاك والتغذية البشرية بالإضافة الى استخدام كل ما ينتجه النحل في العلاج بالطب البديل فقد اثبتت الدراسات الحديثة ان منتجات النحل من عسل وشمع عسل ومواد صمغية لها فوائد علاجية ووقائية للإنسان، كما يساهم النحل في تلقيح الازهار والمحاصيل الزراعية، يعيش النحل في خلايا منظمة ومؤسسة وفق صيغ وضوابط دقيقة يتلائم مع البيئة التي تكون فيها والنحل يكون في الخلية الواحدة مكونا من ملكة وذكور وعاملات ولكل نوع واجب محدد يؤديه ضمن هذا العالم الخاص في ثنايا وحجرات هذه الخلية المنشأة من قبل جموع النحل أو من قبل الانسان. لقد كرم الله سبحانه و تعالى النحل في كتابه الكريم حيث خصص سورة فيه عرفت باسم سورة النحل (16 مكية 128 آية) ويقول فيها ˮ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿68﴾ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿69﴾ .“ اما الحديث النبوي الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالشفاءين العسل والقرآن ) وهنا لابد من الحديث عن مكونات خلية النحل وهي:-

اولاً- الملكة
• تعتبر محور المملكة واهم افرادها ولكل ملكة رائحة جميلة مميزة تميزها عن غيرها وعمر الملكة تتراوح من ثلاث الى خمس سنوات وهي المسئولة عن وضع البيض بصفة أساسية الى جانب دورها في توزيع المهام وتنظيم الخلية
• يتم اختيار الملكة باختيار يرقة بمواصفات معينة فتقوم الشغالات بتغذيتها بغذاء الملكات حتى تكتمل جنسياً فتصارع الملكة الحالية وتقتلها ثم تقتل باقي اليرقات المنافسة لها.
• تتزاوج الملكة من خلال طقوس خاصة تتنافس فيها الذكور للوصول الى الملكة حيث تموت ذكور كثيرة حتى يفوز أحدهم وبعد تمام التزاوج يموت الذكر.
• تضع الملكة كميات هائلة من البيض في صورة اشكال هندسية رائعة والبيض غير المخصب ينتج الذكور اما البيض المخصب فينتج الاناث.

الملكة
ثانياً - الشغالات (العاملات)
وهي أنثى غير مكتملة جنسياً فلا تستطيع التزاوج ولا إنتاج البيض، وعملها يقتصر على نظافة الخلية وحراستها وجمع الرحيق وتنفيذ أوامر الملكة. وعمر الشغالة حوالي ثلاثة شهور، ويصل عدد الشغالات في الخلية الواحدة لأكثر من 60,000 شغالة (عاملة).

العاملة
ثالثاً – الذكور
دورها الأساسي في عملية التزاوج وهي أفراد غير عاملة في الخلية تتميز بحجمها الكبير وعيونها الواسعة ووظيفتها الوحيدة هي تلقيح الملكة العذراء أثناء الطيران لا تجمع الرحيق ولا تلسع ولا تبني الشمع وتعتمد كلياً في غذائها على النحل العامل يزداد عددها في الربيع ويتم طردها أو قتلها في نهاية الصيف (مذبحة الذكور) لتوفير الغذاء.

الذكر
انشطار خلية النحل
والآن حان أن نتطرق إلى جانب مهم وحيوي في حياة النحل وديمومة الحفاظ على نوعه من خلال التكاثر عن طريق التطريد، وهو على نوعين أوله طبيعي عندما يتكاثر به النحل حفظاً للنوع حيث تنتج الملكة عدد كبير من البيض المخصب الذي ينتج عنه الشغالات (العاملات) والملكات ثم تهاجر مع جزء كبير من أعداد الشغالات لتكون طائفة جديدة في مكان آخر وذلك بعد أن تتأكد أنها تركت ورائها عدد من بيوت الملكات التي ستخرج منها العذارى وتحل واحدة منها محلها في قيادة الطائفة الأصلية أما النوع الثاني من التطريد وهو الذي يقوم به الإنسان (النحال) لتقسيم خلية قوية إلى خليتين أو أكثر بهدف زيادة عدد الطوائف ومنع التطريد الطبيعي الذي ربما لا يتوافق مع رغبة النحال من حيث الزمان والمكان، ويتم ذلك عبر نقل اطارات حاضنة وعسل ونحل عامل إلى صندوق جديد مع إدخال ملكة جديدة أو توفير بيوت ملكية، ويفضل أن يكون التطريد في فصل الربيع. وبانتهاء الحديث عن التطريد الذي له علاقة مباشرة بقصتنا والتي سنتناولها في أدناه وفحواها عندما كنت أحد ضباط مديرية شرطة محافظة أربيل وكان يعمل معنا المفوض (سليمان) في شعبة القلم السري وكان من أصول عربية ترجع إلى قضاء مخمور الذي كان تابعاً لمحافظة أربيل حتـــى عام 1991 عنــدما الحقه (صدام حسين) بمحافظة نينوى ومع شديد الأسف لم تستطع القيادة الكردية بعد زوال النظام السابق في عام 2003 إعادة ربطه بمحافظة أربيل في إقليم كردستان حيث لا زالت مرتبطة إدارياً بمحافظة نينوى وفعلياً في بعض الأمور والجوانب بمحافظة أربيل وسكان القضاء المذكور غالبيتهم من الأكراد مع نسبة غير قليلة من العرب.

المفوض سليمان
المفوض (سليمان) كان من سكنة مركز محافظة أربيل وبالذات في محلة الإسكان وبالإضافة إلى عمله في دائرة الشرطة كان يمارس مهنة تربية النحل (نحالاً) خارج أوقات الدوام ويستفاد من الموارد المالية التي يجنيها من بيع العسل وكان في كثير من الأوقات يترك الدائرة لغرض إنجاز أمور تتعلق بتمشية امور منحلة ويتودد إلى الضباط ذوي النفوذ في مديرية الشرطة لكي يسهل على نفسه مجالات الإشراف على امور تربية النحل من خلال اهدائه العسل لهم بين الحين والحين، وهكذا الحال معي عندما أصبحتُ ذو نفوذ ومكانة وظيفية مؤثرة في دائرتي عندما جاءني في أحد الأيام من عام 1983 وهو يحمل قنينة عسل أهداني إياها، وبالرغم من محاولتي أن أدفع له ثمنها إلا إنه كان يقسم بأغلظ الإيمان ويرفض استلام قيمتها مع استمراره في مراجعتي والحديث عن أصول تربية النحل ومزاياه المادية والمعنوية ويشجعني على الانخراط في مزاولة هذه المهنة ويتكفل في مساعدتي من كافة الجوانب وفعلاً تمكن من إقناعي في مسعاه بعد الإلحاح المستمر وقام بشراء ستة صناديق لتربية النحل وحسب خبرته نقل إليها طرود النحل ووضعها في الحديقة الخلفية لداري، انشغلت في التأقلم مع الوضع الجديد في الاهتمام بصناديق النحل ومراقبتها في أوقات فراغي واتسعت آفاق معلوماتي بمرور الوقت عن نمط حياة هذا الكائن وطريقة إدارته لشؤون الخلية والمشكلة التي كنت أعاني منها في مواجهتي لألد أعداء النحل من الزنابير الحمراء والتي كانت تشكل خطراً على حياة النحل حيث كنت أحمل في يدي على الدوام مضربا للتنس لكي أمنعها من الاقتراب من الخلايا وإسقاطها والقضاء عليها والتخفيف من مخاطرها على سكان المناحل من النحل وفي هذا الموضوع شد انتباهي عندما كنت جالساً أراقب فتحة إحدى الخلايا والتي تعلوها قطعة خشبية وقد استقر عليها (زنبور) بوضع كمين وهو يتحين الفرص وينتظر خروج نحلة لكي يقتنصها وبالفعل خرجت نحلة واستقرت على باب الخلية إلا أنها لم تبدأ الطيران إلا بعد أن تأكدت من عدم وجود أعداء لها أمامها وعلى يمينها ويسارها دون أن تدري او تنتبه إلى عدوها اللدود الذي يعلوها وكامن لها فوق فوهة الصندوق (الخلية) وينتظر طيرانها لكي يطير هو أيضاً ويتعقبها سريعاً ليحط عليها وينقلها إلى محل استقراره ليتمتع بأكلها مع جماعته كوجبة غذاء طرية شهية.
الحديث عن النحل يقودنا للحديث عن العسل والسؤال المعتاد والمتداول هو كيفية الكشف عن العسل الطبيعي الاصلي والعسل المغشوش لا سيما والعسل من أكثر الاطعمة عرضة للغش حيث يخلط أحياناً بالسكر او الشراب الصناعي ليبدو شبيهاً بالعسل الحقيقي لكنه يفتقر للفوائد الغذائية والطعم المميز ونستطيع أن نوجز العلامات المميزة للعسل الطبيعي بالأمور التالية وخاصة عندما نعلم أن تمييز العسل الطبيعي لا يعتمد فقط على الذوق، بل هناك مجموعة من العلامات البصرية والحسية التي يمكن ملاحظتها بسهولة وهي
• اللون: يكون ذهبياً او كهرمائياً متجانساً دون طبقات او عكارة واضحة.
• القوام: سميك ومتجانس لا يتغير سريعاً مع الوقت ولا يحتوي على رغوة او فقاعات كثيرة.
• الرائحة: زهرية طبيعية مستخلصة من رحيق النباتات وليست رائحة سكرية او صناعية.
• الطعم: غير شديد الحلاوة وله نكهة طبيعية غنية تبقى في الفم لفترة.
• الذوبان: لا يذوب بسهولة في الماء البارد، بل يترسب في القاع تدريجياً.
• التبلور: قد يتبلور طبيعياً بمرور الوقت دون أن تتغير جودته بخلاف المغشوش الذي يتغير لونه او يفصل مكوناته.
• عدم الالتصاق الزائد: لا يترك أثراً لزجاً قوياً على الاصابع بعد لمسه.
والحديث عن العسل الطبيعي والمغشوش يقودنا للحديث عن تغذية النحل بالسكر وهذا بالضبط ما كنت أفعله مع خلايا النحل التي كنت أمتلكها واصبح عددها لاحقاً يربو على (٤٠) خلية وعلى ضوء تعليمات خبيري المفوض (سليمان) كنت أقوم بشراء أكياس من السكر الابيض وعمل محلول منه بعد خلطه بالماء يقدم في اواني صغيرة توضع على المستقر الامامي للخلية والغرض من تقديم السكر للنحل هو لتوفير الطاقة حيث يحتاجها النحل لتخزين العسل وبناء الشمع كما يعوض نقص الرحيق في الاوقات التي تكون فيها مصادر الرحيق قليلة مثل نهاية فصل الربيع او خلال الصيف الحار كما ان التغذية بالسكر يساعد في تعزيز نمو مستعمرات النحل عن طريق دعم انتاج الملكات وزيادة اعداد الشغالات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا عن صحة وفائدة عسل النحل المغذى على السكر (العسل السكري) هل هو أقل فائدة وقيمة غذائية من العسل الطبيعي (عسل الرحيق) الذي يجمعه النحل من الازهار وهنا نستطيع القول بأن العسل المغذى على السكر ليس ضاراً، ولكنه لا يحمل الخصائص الشفائية للعسل الطبيعي الغني بمضادات الاكسدة بالإضافة الى خطورته على مرضى السكر حيث يرفع عندهم مستويات السكر في الدم والخلاصة فان العسل السكري يعتبر عسلاً ذا جودة منخفضة ويعده البعض نوعاً من العسل المغشوش عندما يتم تسويقه كعسل طبيعي. وقبل الانتقال إلى المقطع الأخير من قصتنا مع النحل لابد أن نتطرق إلى الوسيلة الوحيدة المتبعة من قبل النحل للدفاع عن نفسه وجماعته وخليته، حيث يقدم على عملية اللسع بواسطة "إبرة مسننة" حين يشعر بأن هناك تهديداً يواجه خليته أما في الخارج فنادراً ما يهاجم إلا في حالة شعوره بالانزعاج أو الإثارة والاستشعار بوقوع هجوم عليه. وحين يقوم بلسع الإنسان فإنه لا يتمكن من سحب أداته اللاسعة الذي يبقى مؤخرة جسمه والتي تقع في مؤخرة جسمه والتي انغرزت في مكان اللسع من جسم الضحية، حيث يؤدي فرار النحلة إلى تمزق جزء من الجهاز الهضمي والأعصاب والعضلات، وهذا التمزق في منطقة البطن يؤدي إلى موت النحلة خلال بضع دقائق، وهي لا تموت إذا لسعت حشرات أخرى ذات جلد رقيق حيث تستطيع سحب إبرتها بعد اللسع، والملكة يمكنها اللسع عدة مرات دون أن تموت.

نحلة في عملية الشروع باللسع
وأخيراً نعود إلى أصل قصتنا مع النحل الذي استمرت اهتماماتي ورعايتي له مدة تقارب الخمسة أشهر ولحين صدور أمر نقلي وظيفياً إلى مديرية شرطة محافظة السليمانية في عام 1984، وباشرت الدوام فيها وانقطاعي عن الإشراف على خلايا النحل بالإضافة إلى تخلي المفوض (سليمان) وعدم استمراره في الإشراف على خلايا النحل العائدة لي كما كان قد وعدني به بعد صدور أمر نقلي وانتفاء مصلحته الشخصية، وهذا ديدن الكثير من العراقيين لغاية يوم اتصال زوجتي بي هاتفياً وهي في غاية من عدم الارتياح والاضطراب النفسي وتطلب مني سرعة العودة إلى محافظة أربيل ومعالجة رفع وتحويل خلايا النحل الموجودة في داري، وعندها وعندما استفسرت منها عن الذي حصل وأزعجها لهذا الحد أجابتني بأنه في ظهر هذا اليوم وعندما كان ولدي (ديار) وصديقه (محمد) (والده " يوسف " جارنا وهو صديق العمر وكنا زملاء العمل في مديرية شرطة محافظة أربيل) وكانا في حوالي الثالثة عشر من العمر يلعبان كرة القدم في حديقة دارنا ودون ان يشعرا بان طردا من النحل قد انشطر عن خليته الأصلية ولصق في أغصان إحدى أشجار الحديقة وبشكل جماعي وعلى صورة كتلة متناسقة وهذا هو نمط نشاط تصرفها في أول الأمر عند خروجها من الخلية حيث تلتصق بأول مكان آمن وملائم لحين عثورها على المكان المختار الذي تستقر فيه بشكل ثابت ونهائي ربما يستغرب القارئ الكريم من كل ما أوردته ويتساءل: وماذا حصل؟

الذي حصل كان منظراً مفزعاً ومؤلماً عندما ركل ولدي (ديار) الكرة باتجاه زميله (محمد) لتصيب طرد النحل بصورة مباشرة وينزل هذا الكم الهائل من النحل على رأس وجسم الفتى (محمد) والذي يبدأ بالصراخ والعويل مع زميله (ديار) وتخرج (أم ديار) على أثر هذا الهرج وأصوات الاستغاثة وهي التي تخاف من رؤية نحلة واحدة، فما حالها وهي أمام هذا المنظر المخيف غير مصدقة ما تراه عيناها من هذا الحشد الكبير لأعداد النحل. فتتقدم نحوه مسرعة وتنهال على كافة أنحاء جسمه الحاوية للنحل بالضرب بيدها بشكل شديد ومستمر خوفاً على سلامة (محمد) وهو يلعب مع ابنها (ديار) في حديقة دارنا كما أسلفت وقد أدى تصرف أم (ديار) زوجتي وولدي (ديار) إلى تساقط الكثير من النحل على الأرض والاتصال بـ (أم محمد) وإخبارها بما حصل ومبادرتها للاتصال بسيارة الإسعاف لنقله إلى المستشفى ومعالجته ونجاته من مرحلة الخطر واقتصار آثار الحادث على تورم وآلام زالت بمرور الزمن بالنسبة لزوجتي وابني (ديار) وزميله (محمد) وبهذا أكون قد أنهيت الحديث عن نحل العسل وقصتي معه عساها راقت لكم مع تمنياتي في حصولكم على العسل الطبيعي الأصلي وغير المغشوش مع القيمر العراقي اللذيذ وينجيكم من شر النحلة ولسعاتها إن أغضبتموها وهاجمتكم واودعكم في حفظ الله ورعايته.

1074 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع