نشوء حركة المنشقين ودعاة حقوق الإنسان في الاتحاد السوفيتي / د.جابر أبي جابر

د. جابر أبي جابر

نشوء حركة المنشقين ودعاة حقوق الإنسان في الاتحاد السوفيتي

لم يشهد الاتحاد السوفيتي بعد عزل خروشوف في خريف عام 1964 مجرد تبديل للسلطة وإنما حلت، في واقع الأمر، مرحلة مختلفة تماماً إذ أن السلوك الفعلي للزعيم الجديد ودائرته المقربة كان يدل على انتهاء فترة "ذوبان الثلوج"، التي ارتبطت باسم سَلفه نيكيتا خروشوف.
يرجع الظهور الأول للحركة الاحتجاجية الداعية لاحترام حقوق الإنسان إلى فترة محاكمة الأديبين أندريه سنيافسكي ويولي دانييل من جراء نشرهما في الغرب مؤلفات أدبية "معادية للسوفيت" رغم أنها صدرت باسمين مستعارين. ففي يوم 5 كانون 1/ ديسمبر عام 1965 المصادف عيد الدستور السوفيتي جاءت مجموعة من المواطنين إلى ساحة بوشكين واحتشدت أمام تمثال الشاعر الروسي الشهير رافعة الشعارين التاليين :

"احترموا الدستور السوفيتي" و"نطالب بالعلنية لدى محاكمة سنيافسكي ودانييل".

وآنذاك لم يكن هؤلاء يعون أنهم أصبحوا عملياً من دعاة حقوق الإنسان. وقد أشارت الناشطة الحقوقية المخضرمة لودميلا ألكسييفا قائلة :

" إن أهم وأول مبدأ كان رفاقنا يدعون إليه تجلى في نبذ العنف بشتى أشكاله. أما المبدأ الثاني المهم أيضاً فهو انفتاح حركتنا وشفافيتها. وقد كنا نكرر ما جاء في دستور بلدنا من أشياء جميلة فعلاً ومنها، على سبيل المثال، "يحق للمواطن التعلم والراحة والعمل..." كما كنا ننشد الأغاني الوطنية السوفيتية مثل "بلدنا الحبيب مترامي الأطراف لا يوجد في العالم بلد مثله يتنفس فيه الإنسان بكل حرية.... وكنا ندرك تمام الإدراك أن القانون شيء وواقعنا شيء آخر".
لقد كان التفاوت الكبير بين الحقوق المثبتة في الدستور والواقع المعاش مؤلماً على نحو خاص بالنسبة لممثلي العمل الإبداعي من كتاب وفنانين في ظروف الرقابة الشاملة على نشاطهم ومؤلفاتهم من جانب السلطات الأمنية والحزبية.

وفي تلك الأثناء أصبحت مؤلفات الكسندر سولجنتسين في طليعة المنتجات الفكرية، التي تضمنتها المطبوعات السرية "سام ايزدات". وقد باتت شبكة توزيعها العمود الفقري لحركة دعاة حقوق الإنسان. ومنذ عام 1969 بدأت تعمل في الاتحاد السوفيتي منظمات حقوقية مسجلة رسميا مثل مجموعة المبادرة للدفاع عن حقوق الإنسان(أيار/مايو عام 1969) ولجنة حقوق الإنسان (تشرين 2/نوفمبر عام 1970).
كان النشطاء الحقوقيون يدركون بالطبع أن فعالية نضالهم تتوقف، إلى حد كبير، على مضمون القضايا التي يطرحونها. ولهذا كانت مواضيع نشاطاتهم تتسع باطراد وباتت تشمل أوضاع المعتقلين السياسيين في الاتحاد السوفيتي، ونضال الشعوب المهجّرة من أجل استعادة حقوقها، واضطهاد المؤمنين من ممثلي شتى الأديان والمذاهب، وملاحقة المواطنين لمحاولات ممارسة النشاط السياسي، وحرية الهجرة إلى خارج البلد. وقد أقام هؤلاء النشطاء صلات إعلامية وثيقة مع زملائهم من ممثلي الحركات القومية في أوكرانيا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا وأرمينيا وجورجيا.

وفي 20 آب/أغسطس عام 1968 تظاهرت مجموعة صغيرة منهم (7 آشخاص) في الساحة الحمراء احتجاجاً على دخول قوات حلف وارسو إلى تشيكوسلوفاكيا.
كان عام 1968 نقطة تحوّل في تاريخ الحركة. فقد أجبرت الأحداث في تشيكوسلوفاكيا القيادة السوفيتية على إعادة النظر في "مقالب" المعارضين وتبنّي موقف أكثر حزماً تجاههم [7]. ومن جهة أخرى، مثّل هذا بداية التكوين التنظيمي لحركة حقوق الإنسان.
تتميّز الفترة الواقعة بين الأعوام 1968 - 1972، من جهة، بالنمو الكمّي لحركة المعارضة، ومن جهة أخرى، باتساع نطاقها الجغرافي. أما الجانب النوعي لهذه المرحلة من تطوّر المعارضة فيتمثّل في الهوية الإيديولوجية والتنظيمية لحركة حقوق الإنسان، والتي تجلّت، أولاً، في التمييز الأيديولوجي بين المعارضين، وثانياً، في إنشاء جمعيات متنوّعة وظهور منشورات مطبوعة تدّعي أنها قوة موحدة للمعارضة بأكملها. شكّل ظهور مجلة "وقائع الأحداث الجارية" حدثأً هاماً للمعارضة. فمنذ عددها الأول (30 أبريل/نيسان 1968)، اضطلعت بدور هيئة تنسيقية وتوحيدية. وقد احتوت المجلة على معلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان في جميع المجالات بالاتحاد السوفيتي.

وتولت الشاعرة ناتاليا غوربانيفسكايا رئاسة تحرير المجلة من عام 1968 إلى عام 1969، ثم أصبح أناتولي ياكوبسون رئيساً للتحرير بعد اعتقالها وحتى عام 1972.
والجدير بالذكر أنه لم يكن لدى حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في البداية أساس إيديولوجي مدروس وواضح المعالم. ولكن مع مرور الزمن سد هذه الثغرة كل من أندريه ساخاروف مخترع القنبلة الهيدروجينية الحائز على جائزة نوبل والكاتب الكسندر سولجنتسن حيث طرحا ثلاث مقالات فكرية أولها "تأملات حول التقدم والتعايش السلمي والحرية الفكرية". أما المقالتان الثانية والثالثة فقد كتبهما الحائز على جائزة نوبل للآداب سولجنتسين وهما "العيش بلا كذب" و"رسالة إلى زعماء الاتحاد السوفيتي"، اللتان أصبحتا علامة فارقة في تطور الرؤية المستقبلية السياسية الاجتماعية.
كانت مقالة سولجنتسين "العيش بلا كذب" موجهة إلى الانتلجنسيا السوفيتية. وقد نشرت يوم 18 شباط/فبراير عام 1974 بصحيفة "ديلي اكسبريس" اللندنية، ووزعت في الاتحاد السوفيتي ضمن منشورات"سام ايزدات". ولم تظهر بصورة علنية إلا بكييف في عام 1988(18 تشرين1/أكتوبر، صحيفة "كلمة العمال"). ويدعو سولجنتسين المثقف السوفيتي في هذه المقالة إلى التصرف وفق ما يمليه عليه ضميره من خلال الامتناع عن قول أو كتابة ولو جملة واحدة من شأنها أن تشوه الحقيقة، وعدم الاستشهاد بأي فكرة لا يؤمن بها والإحجام عن المشاركة في الأعمال السياسية، التي لا تنسجم مع قناعاته، والامتناع عن التصويت للمرشحين، الذين لا يستحقون أن ينتَخَبوا. وإلى جانب ذلك اقترح سولجنتسين طريقة أكثر نجاعة حسب اعتقاده للنضال ضد النظام السياسي القائم حيث أشار إلى "أن الأسلوب الأمثل لتحررنا هو عدم المشاركة في الكذب. دع الكذب يسيطر على كل شيء ولكن ليس عن طريقك".
أما مقالة "رسالة إلى زعماء الاتحاد السوفيتي" فقد كتبت وأرسلت إلى اللجنة المكزية للحزب الشيوعي السوفيتي في 5 أيلول/سبتمبر عام 1972 قبل اعتقال سولجنتسين وإبعاده إلى الخارج في عام 1974.

وقد تم العثور عليها خلال فترة البيريسترويكا ضمن مواد أرشيفية أخرى وكانت مشفعة بملاحظات العديد من أعضاء المكتب السياسي، حيث أن بريجنيف طلب من قسطنطين تشيرنينكو إطلاع جميع أعضاء القيادة الحزبية على هذه الرسالة. وكان الزعيم السوفيتي قد قرأها للمرة الأولى في تشرين 1/أكتوبر وأعاد قراءتها في كانون 1/ديسمبر عام 1973. ولكنها لم تبحث بصورة مباشرة في اجتماعات المكتب السياسي ولم يتلق صاحبها أي رد عليها.
وهكذا لقيت أعمال الحركة صداً قوياً وتدابير صارمة من جانب الأوساط الحاكمة في الاتحاد السوفيتي. وقد اعتقل العديد من ممثليها وحكموا بالسجن لمهل مختلفة أو نقلوا قسراً إلى مستشفيات الأمراض النفسية أو جرى نفيهم إلى خارج البلاد بعد اسقاط الجنسية السوفيتية عنهم. وعلى العموم فقد تجلت أعمال الملاحقة والاضطهاد بحق المواطنين المعارضين للسلطة السوفيتية في الطرد من العمل والفصل من الجامعة والمعاهد العليا ومنع الإقامة في المدن الكبرى.
ومنذ عام 1966 أدرجت في قانون العقوبات المادة 190-1 "النشر المتعمد للافتراءات المسيئة لنظام الدولة والمجتمع السوفيتي"، التي نصت على سجن الأشخاص المدانين لمدة 3 سنوات. ومن المواد الأخرى المستخدمة ضد المنشقين المادة 147 " انتهاك القوانين المتعلقة بفصل الكنيسة عن الدولة والمدرسة عن الكنيسة" وكذلك المواد المتعلقة بالاتكالية وانتهاك نظام الإقامة. وقد جرت في الثمانينات حالات كان يتم فيها دس الأسلحة أو المخدرات ثم العثور عليها عقب ذلك أثناء تفتيش بيوت الأشخاص المستهدفين ثم رفع قضايا جنائية بحقهم.
في شباط/فبراير عام 1979 ظهرت مجموعة"انتخابات-79"، التي كان أعضاؤها يعتزمون ممارسة حق الترشح، الذي يتيحه لهم الدستور، والمشاركة كمرشحين مستقلين في انتخابات السوفيت الأعلى للاتحاد السوفيتي. وقد رشح نفسيهما كل من روي ميدفيديف ولودميلا أغابوفا. وقدمت المجموعة الأوراق المطلوبة إلى اللجنة الانتخابية التي رفضت تسجيلهما.
والمعروف أن القيادة السوفيتية كانت تنبذ من حيث المبدأ فكرة وجود معارضة ما في البلاد. والأنكى من ذلك أنها لم تكن تقبل الحوار مع المنشقين وكانت عوضاً عن هذا تطرح موضوعة"الوحدة الفكرية للمجتمع" وتعتبر المنشقين مجرد"مرتدين" أو"مارقين". كما كانت الدعاية الرسمية تسعى جاهدة إلى تصوير المنشقين كعملاء للأجهزة الخاصة الغربية وتعمل على إظهار حركتهم كنوع من النشاط المهني الذي يجري دفع أجوره بسخاء من الخارج.


ففي الاجتماع الموسع للجنة المركزية المنعقد يوم 27 نيسان/أبريل عام 1973 أعلن رئيس جهاز الكي جي بي يوري أندروبوف أنه حسب المعلومات المتوفرة فإن الاستخبارات الغربية عمدت في ظروف الانفراج الدولي إلى تبديل تكتيك عملها، الذي يستهدف نسف المنظومة الاشتراكية، وانتقلت من الوعظ المباشر المفعم بروح العداء للسوفيت ومناهضة الشيوعية إلى محاولة اجتراف وتفتيت الاشتراكية من خلال إثارة العمليات السلبية، التي من شأنها أن تلين بل وتضعف في نهاية المطاف المجتمع الاشتراكي. وبهذا الصدد فإن الكي جي بي، حسب قوله، مطلعة على خطط الاستخبارات المذكورة، التي تستهدف تفعيل العمل في إقامة الصلات مع شتى الأشخاص المتذمرين من النظام القائم في الاتحاد السوفيتي، وتشكيل مجموعات سرية منهم ثم جمعها معاً، وتحويلها إلى تنظيم مقاوم أي إلى معارضة فعالة.
وأشار اندروبوف في خطابه إلى قيام جهازه بإجراءات وقائية تجاه عدد من الأشخاص، الذين يضمرون نوايا سياسية عدائياً على شكل نزعات قومية حقودة في أوكرانيا ولاتفيا وليتوانيا وأرمينيا. وحسب قوله فإن نشاط هؤلاء الأفراد موجه من قبل"مراكز تخريبية" في الغرب وهي تبعث لعملائها عن طريق مرسليها إلى الاتحاد السوفيتي الأموال ورسائل الكتابة المشفرة وأجهزة الطبع.
ومنذ منتصف السبعينات ظهر في الحياة الروحية للمجتمع السوفيتي اهتمام ملحوظ بالدين كخيار مقابل الإلحاد الشيوعي. كما اتسع نطاق مصادر المعلومات الخارجة عن سيطرة السلطة ومنها منشورات "سام ايزدات"، بما في ذلك مؤلفات سولجنسين، التي تضم تفاصيل مرعبة عن أوضاع ملايين المواطنين السوفيت في المعتقلات الستالينية. كما كان للمجلات الصادرة في الغرب باللغة الروسية وخاصة مجلة "بوسيف" تأثير كبير على الوعي الاجتماعي. وينبغي الإشارة أيضاً إلى دور الإذاعات الغربية الناطقة بالروسية والموجهة نحو الاتحاد السوفيتي في إطلاع المستمعين على لوحة مغايرة للأحداث الدائرة في البلد والعالم رغم التشويش المستمر الذي كانت تتعرض له.
وكان محللو الكي جي بي يحاولون في تقاريرهم إلى قيادة الجهاز تفسير ظهور المعارضة الفكرية والسياسية في الاتحاد السوفيتي بالنشاط الفعال لليهود. ويبدو أن الأوساط اليهودية لعبت دوراً خاصاً في فضح الستالينية والنهوض بحركة الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد اعلن مولوتوف زوج اليهودية بولينا جمتشوجينا في المقابلة الطويلة، التي أجراها معه الشاعر فيلكس تشويف، أن نشاط اليهود بلا شك أعلى من المستوى المتوسط (140 محادثة مع مولوتوف. موسكو.دار نشر"تيرا"،1991). وبهذا الصدد فقد أصبح العديد من أبناء وأحفاد صانعي أكتوبر معارضين للسلطة السوفيتية بدءاً من الستينات حيث وقفوا بحماس شديد ضد الشمولية الشيوعية وطالبوا باشتراكية "ذات وجه إنساني".

د. جابر أبي جابر

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

785 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع