
أيام زمان الجزء ٦٥ ضرب الودع (طشة الغجرية)

إعداد: بدري نوئيل يوسف
شعوب الأرض قاطبة لها طرقها ومحافلها في "ضرب الودع"، ويقع ضمن المعتقدات القديمة في المجتمعات ومنها السحر والنرد والمندل والرمل والعقدة وكشف الدفائن، وتفسير الأحلام والخيرة وكتابة الأحجبة والإصابة بالعين والتشاؤم والتفاؤل ووجود الجنّ والعفاريت وعلم التنجيم ونحو ذلك، وإضافة إلى ذلك تأثر المجتمع بوسائل أخرى لقراءة الطالع معروفة عالمياً، منها استطلاع الأبراج وقراءة الفنجان والتنجيم بالساعة والبندول، وقراءة أثر الأقدام وقراءة البطاقات أو التاروت وقراءة الكف، ولكن يظل ضرب الودع هو الأكثر ارتباطاً بالثقافة الشعبية.

تعريف ومعنى الودع هو خَرزٌ بِيضٌ جُوفٌ، في بطونها شَقٌّ كشقّ النَّواة، تتفاوت في الصِّغر والكبر، وهو الخزف الأبيض الصغير الذي يرميه البحر، والذي هو في أصله بيت الحلزون؛ هذه القطع التي تسمى “الودع” والتي توجد مرمية على الشواطئ خوارق غريبة، فالودع بنصاعته وطهره الذي اكتسبه من تجاويف البحر، يعتبر لدى شعوب كثيرة مفتاح الغيب الخاص بقراءة الطالع، والكشف عن المستقبل.
ويحظى الودع بتقديس كبير في بعض الدول، فبقطعه تمارس العرافة عمليات التنجيم لمعرفة الطالع، وبواسطته يستطلعن الغيب لمعرفة أسباب المشاكل الحياتية، وبقطعه يقمن بالإستخارات لإخبار زبنائهن بما يخبؤوه لهم المستقبل.
فوائد الودع أو صدف القواقع البحرية الصغيرة الموجودة على شاطئ البح، يدخل في العديد من الاستعمالات الجماليّة، منها لعلاج البشرة من الكلف في الوجه والصدر، ويعتبر من عائلة الرخويات البحريّة، حيث يعيش في داخلها كائن رخوي هش، وصغير الحجم يحملها على ظهره، ويزحف بها كالحلزون ويؤكل هذا الكائن في بلاد غرب أفريقيا، وللودع عدّة أشكال مختلفة منها الشكل الحلزونيّ، ويختلف الودع في شكله عن المحار بأنّه ذو فلقة واحدة بعكس المحار الذي يعتبر من ذوات الفلقتين.
الفال أو ما يعرف بالودع، فلكلور متوارث في مجتمعاتنا جيلا بعد جيل، استعانت به المرأة لمعرفة مستقبلها وأحيانا لتفضفض عن واقعها، وأحيانا لتقضي به وقتا ممتعا مع قريباتها. الفال أو ضرب الودع لم يقتصر على دولة معينة، إنما هو إرث متوارث في المجتمعات جمعاء. ضرب الودع علم بدون معلم إلى أنه علم لا يُدرّس بل هو خبرة تجربة ومغامرة يخوضها من يدخل بها وحده، والبعض يكتسبها وراثة ممن سبقوه بها من عائلته، ولا يربط الودع قواعد معينة، يحمل ضاربي الودع بعض الأحجار الملوّنة والأصداف مختلفة الأحجام، يذهبوا باحثين عن مَن يُريد أن يقرأ الودع، أو من لا يجد لهمه مخرجًا ويريد من يصارحه به دون أن يتكلم، فيأخذ الودع ويوشوش به اسمه وما يريد أن يقول أو يطرح سؤال يدور بخاطره، ثم يرمي الودع على الرمال مع "بياضه أو حسنته" وهي أموال يرميها مع الودع على الرمال بطريقة عشوائية.
الطالع هي مسألة الإيمان بإمكانية التنبؤ بالمستقبل، وقراءة علامات حلول الأحداث، وقد أعتقد الناس في العصور القديمة بأن الطوالع هي رسائل مقدسة من الآلهة، تتنوع دراسة الطوالع بين حالات طبيعية مثل الخسوف والكسوف والأنواء الطبيعية والولادات الشاذة للحيوانات والبشر، أو بالتضحية بالحيوانات من قبل مختصين مثل الكهنة، أو العرافين الذين استخدموا أكباد الحيوانات المقربة لمخاطبة الآلهة من أجل معرفة الأجوبة بنعم أو لا أم محبب أو غير محبب.
ولعل أقدم لوح طيني يمثل كبد خروف يستخدم لأغراض التنبؤ، وهو مصدر حصل عليه في دراسة الطوالع يرجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث استخدمت بكثرة من قبل الملوك الآشوريين، وخاصة في عهد الملك الآشوري آسرحدون وأبنه الملك آشوربانيبال في القرن السابع قبل الميلاد، وقد استخدمت ثلاثة طرق رئيسية في دراسة الطالع هي معاينة الكبد ومعاينة الماء ومعاينة الدخان، تتم معاينة الكبد من خلال ملاحظة الاختلافات في مظهر أحشاء للأغنام، التي غالبا ما تستخدم للخدمات الملكية.
حصل المنجمين الذين تنبأوا بالطوالع على مراكز مهمة في آشور، حيث حصلوا على نفوذ من خلال قراءة الطوالع، ونصح الملك من أجل تفادي الأحداث السيئة خلال فترة حكم الملك آسرحدون (681 - 669 ق.م)، سجلت الطوالع الملاحظة بشكل سلسلة على الألواح الطينية، يعود بعضها إلى منتصف الألفية الثانية ق.م والتي وصل بعضها إلى وقتنا الحالي، وانتشرت قراءة الطوالع في الشرق القديم حيث عثر على ألواح طينية بشكل أكباد الماشية التي استخدمها العرافون من أجل تعلم المهنة.
أما الإغريق القدامى استخدموا الطير من قبل الكهنة لقراءة الطالع، وعرفوا الطوالع من خلال النسور التي اعتبروها طيور نبوية حيث يتم ملاحظة صرخات الطير، واتجاه تحليقه إذ يحاول المبشرون التنبؤ بالمستقبل، وكما اعتقدوا أن الرعد والصواعق رسائل أرسلت من زيوس، وهو لقَّب عند الإغريق ب «أب الآلهة والبشر» أو كما في اليونانية القديمة، وأعتقد اليونانيون بان الطوالع تعكس إرادة الآلهة وأوامرهم وردة أفعالهم لمساعي الإنسان، وطيران النسر نحو اليسار هو علامة طالع سلبيه أما صراخ الطائر الحزين، أو حدوث البرق في مواقع محددة يعتبران علامتان إيجابيتان للطالع. أما روما القديمة التي اعتمدت ديانة قديمة على طريقتين مميزتين لقراءة الطوالع، الأولى عن طريق المبشرين الذين يتنبؤون بحركة الطيور، والكهنة الذين استخدموا القرابين للحصول على الأحشاء الضرورية لإجراء التنبؤ، والرومان على عكس اليونانيين اعتبروا الإشارات على اليسار علامات خير ومرغوبة والإشارات على اليمين إشارات سلبية ومبغوضة.

في العراق بعض النساء الغجريات يمتهن قراءة الغيب، وتسمى (بالطشة الغجرية) للكشف عن المستقبل وهن اعتدن الجلوس على قوارع الطرق، وقد وضعن أمامهن مجموعة من المحار والحصى والخرز وكحوف من الخزف الملون والودع وغير ذلك، كما تبدأ ضاربة الودع طقوسها على الفور، حيث تفترش الأرض وتمد ملاءتها، ثم تنثر الودع وبعد لحظات من الإثارة تجذب المريد “الزبون”، بالكثير من الأشياء عن حياته العامة والخاصة، والغريب أنها قد يكون بعضها حقيقيا ولكنه يعتمد على ذكاء وفراسة ضاربة الودع، ولكن حديثها الآخر يكون بعيدا عن حقيقة طالب “الودع” ولا علاقة لها.
وتقصد المرأة العراقية قارئة الطشة للتطلع إلى مستقبلها كمعرفة هل ستحمل؟ أو هل سيعود إليها زوجها الزعلان؟ أو متى تتزوج أبنتها وقد شارفت على سن الثلاثين؟ وغير ذلك من المشاكل. ولا تقدم أم الطشة أية خدمة إلا مقابل قطعة نقدية من فئة (عشرة فلوس)، غالبا فإذا استحوذت عليها بدأت بجمع القطع التي أمامها لترميها (لتطشها) على الأرض، ثم تحادث طالبة الفال بلباقة وألمعية مشيرة بين الحين وآخر إلى احدى القطع التي أمامها، وقليلا ما تصح فراستها وغالبا ما تكذب، وربما أدت نتائج هذا الاستطلاع إلى مشاكل عائلية، ولاسيما إذا قالت الغجرية (يبدو أن زوجك في طريقه إلى الزواج من امرأة أوصافها كذا وكذا)، وقد ضعف الاعتقاد بهذه الشعوذة وقل عدد ضاربات الودع بها في أيامنا هذه.
وتقوم العرافة بضرب الودع وقراءة عزائم عليه قبل إلقائه وتحريكه بشكل عشوائي لينتج عن ذلك شكل لقطع الودع تستخرج منه العرافة أو “الكزانه” كما تسمى، تفاصيل الطالع: فإذا ظهرت قطع مقلوبة فمعنى ذلك أن الزبون ستتغير أحواله، وإذا تراكبت القطع فتلك أموال قادمة للزبون، وإذا تفرقت القطع فذلك طلاق منتظر، وإذا تجمعت فتلك مشروعات سيتيسر إنجازها، وإذا قفزت قطع إلى الزبون فذلك حظ كبير ينتظره.
في مصر هناك طبعا ضاربو الودع، وعلى مستويات عدة بعضهم خاص بالنساء، وبعضهم متخصص جدا بأمور الرجال وبعضهم متخصص بأمور رجال السياسة. والمصريون لهم تاريخ طويل في قراءة المستقبل بضرب الودع منذ عصور الفراعنة حتى القرن الحادي والعشرين حيث أكشاك العرافين وضاربي الودع تنتشر في كل مكان حتى "حديقة حيوان الجيزة" التي أنشأت فيها إدارتها "أكشاك العرافات "والمشعوذين" ليضربوا الودع ويقرأوا الكف لمن يريد ليتعرفوا على مصيرهم المجهول" و"هناك ثلاثمئة ألف شخص يدعون معرفتهم بقراءة المستقبل؛ في عصور مصر القديمة تلك العصور الغابرة كان فيها الكهنة هم قارئو المستقبل ومفسرو الأحلام.
يذكر موقع "المحيط" أن العرب يصرفون خمس مليارات دولار على السحر والشعوذة وأن هناك مثقفين يضربون الودع، وأن هناك نصف مليون دجال ينتشرون في مختلف البلاد العربية، وأن نصف النساء العربيات يؤمن بالسحر والخرافة، ويترددن على المشعوذين سرا وعلانية، حتى أصبح هناك مشعوذ أو دجال لكل ألف مواطن عربي! وهذه الأرقام قدمها الباحث المصري محمد عبد العظيم في دراسة منشورة له.
الغرب هو الآخر منغمس من رأسه حتى أخمص قدميه في قراءة المستقبل، أو ضرب الودع بالطرق والوسائل كافة، فهناك من هو مولع بضرب الودع من رؤساء الدول والوزراء ومن عامة الشعب، ففي أميركا في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان، إذ تم اختيار ثلاثة منجمين للبيت الأبيض، وأشهرهم داني تومس لم تتخلَ السيدة الأولى نانسي ريغن عن ضرب الودع في قلب البيت الأبيض المكتب البيضاوي حيث كان يجتمع معها وبالرئيس ضاربو الودع والمستقبل، وكان من أكثر الناس إيمانا بهم، ونتيجة ذلك ازداد ولع الأمريكان بضرب الودع وصدقت المقولة: الناس على دين ملوكهم وانتشرت في "جورج تاون" وأحياء أخرى من واشنطن العاصمة دكاكين ضاربي الودع.
في بريطانيا يقال والعهدة على الرواة كانت الملكة إليزابيث هي الأخرى تؤمن بضرب الودع، ولديها في قصر بكنغهام ستة من ضاربي الودع لا تتخلى عنهم مهما كان السبب، فمن القصص التي تروى عن قارئي الحظ في ذلك القصر المزار أنه لما عزم الأمير تشارلز على عقد قرانه بالضحية الكبرى للمجتمع والحكم في بريطانيا "ديانا" نودي على ضاربي الودع وقارئي المستقبل ليكتشفوا مدى نجاح هذا الزواج، فجاءت النتيجة على غير ما توقعه الجميع: "زواج تنتج عنه شمعتان، وتنطفئ فيه شمعة ويتفرق فيه الجمع ويذرف فيه الدمع". ليس هناك معلومات عما كان عليه رد فعل القصر.
في أميركا الجنوبية وفي المكسيك تحديدا ضاربي الودع وهم كثر إلى جانب العشاق، منهم من يستخدم الديوك الجميلة في قراءة المستقبل، ومنهم من يقرأ الكف وجميع الطرق المتعارف عليها إلى جانب أدوات الدين طبعا وخصوصا الدين المسيحي.
في "تايلند"، والهند القصة نفسها غير أنها تمتزج بالفلسفة الهندية المتشربة بكل الديانات، فهناك ضاربي الحظ المسلمين والهندوس والمسيحيين والسيخ وغيرهم، ونجد الرجال والنساء وبمختلف الأثمان الذين يضربون الودع، كل ما على الزبون فقط أن يسأل وإذا بهم يلتفون حوله كما تلتف أوراق الزهر حول محورها. أما في الباكستان فهناك تسعون في المئة من الباكستانيين يؤمنون بقراءة الودع لاتخاذ قرارات في الزواج والعمل وخلافه وغالبيتهم من المتعلمين. هذا بالنسبة إلى الشرق وهذا قليل من كثير. كما غنت المطربة هدى سلطان في منتصف القرن الماضي أغنية يا ضاربين الودع والتي نالت شهرة واسعة تقول الأغنية (يا ضاربين الودع، هو الودع قال إيه... خصام حبيبي دلع؟ ولا خصامه ليه)؟
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي.
جريدة الوسيط
للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/mochtaratt/69941-2025-12-19-12-08-18.html

1453 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع