قصة ليسكوف” الليدي ماكبث من قضاء متسنسك"

د. جابر أبي جابر

قصة ليسكوف” الليدي ماكبث من قضاء متسنسك"

حول المؤلف: يُعد نيكولاي ليسكوف (1831-1895) من كبار الأدباء الكلاسيكيين الروس، جنباً إلى جنب مع تورغينيف ودوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف. وكان إنتاجه غزيراً ومتنوعاً في ألوانه الأدبية. غير أنه، خلافاً للكتاب المذكورين ، لم يكن نصيب القارئ العربي من أعماله إلا القليل، إذ تُرجم له إلى العربية عملان فقط وهما:

"الجوال المسحور" و"الاعسر"، بالإضافة إلى عملين صدرا مؤخراً وهما: قصة" ليدي ماكبث من قضاء متسينسك" ترجمها يوسف نبيل، وكذلك قصة" المهرج بمفالون" ترجمها د. جابر أبي جابر.
ولد ليسكوف في بلدة غوروخوفو بمقاطعة أريول (القسم الأوروبي من روسيا). وقد كان والده كاتباً ينحدر من الوسط الديني، ولكنه عمل لفترة طويلة في قسم المباحث الجنائية وبفضل نجاحه الباهر في الخدمة هناك حصل على حق الانتماء إلى طبقة النبلاء. وقد بدأ ليسكوف يعمل وهو في السابعة عشر من عمره في نفس القسم، الذي كان يعمل والده فيه. ثم حصل بعد عامين على وظيفة في غرفة الخزانة الحكومية بمدينة كييف وترقى في منصبه ليصبح سكرتيراً للمقاطعة. وخلال تلك السنوات كان يستمع إلى المحاضرات في جامعة كييف ويدرس اللغة البولندية. كما أنه شغف آنذاك بالأيقونات وشارك في حلقة طلابية دينية- فلسفية تعرف خلالها على أتباع طائفة المؤمنين القدامى، التي ترفض الإصلاحات الدينية للبطريرك نيقون في الخمسينات من القرن 17، وكذلك أعضاء فرق دينية منشقة أخرى.
وفي عام 1857 ترك الوظيفة وصار يعمل في شركة أحد أقربائه، التي كان مقرها بمدينة بنزا. وخلال ذلك اكتسب خبرة عملية واسعة في ميادين الصناعة والزراعة. وبحكم عمله جاب معظم مناطق روسيا الشاسعة مما ساعده على معرفة طبائع الروس القاطنين في الأقاليم البعيدة عن العاصمة والمدن الكبرى. وقد احتك ليسكوف هناك احتكاكا وثيقا بشتى الفئات الشعبية وأصبح يلم بلهجات أبنائها.
وبعد إغلاق الشركة (عام 1860) عاد ليسكوف إلى مدينة كييف حيث شرع بممارسة العمل الصحفي والنشاط الأدبي. ثم مالبث بعد بضعة أشهر أن انتقل إلى العاصمة بطرسبورغ، حيث صار ينشر مقالاته وأعماله الأخرى في الصحف والمجلات.
وبين أهم مؤلفاته الأولى تأتي القصتان "المحاربة" و"الليدي ماكبث من قضاء متسنسك" حيث أبرز الكاتب فيهما شخصيات نسائية زاهية من شرائح اجتماعية مختلفة. وتصور القصة الثانية مصير المرأة الروسية ورغبتها في التحرر من السيطرة الذكورية والتمرد على قيم المجتمع الإقطاعي. وقد اقتبست فيما بعد للمسرح والسينما في روسيا وخارجها. ومن أعماله الأخرى الصادرة في ستينات القرن التاسع عشر تبرز القصتان "حياة امرأة ريفية" و" ثور المسك"، وكذلك رواية "لا مكان للذهاب إليه" التي يقدم فيها تصويرا ساخرا للمشاعية النهلستية ويطرح كبديل عنها حب الشعب الروسي للعمل والقيم الأسروية المسيحية. وعلى أثر صدور الرواية المذكورة عزا "الثوريون الديمقراطيون" إلى ليسكوف تمسكه بالآراء الرجعية المعادية للديمقراطية.
وتجدر الإشارة إلى أن ليسكوف استخدم في السنوات الأولى لنشاطه الأدبي العديد من الأسماء المستعارة، أبرزها م. ستبنتسكي ونيكولاي غوروخوف وف. بيريسفيتوف. ومن مؤلفاته في تلك المرحلة مسرحية "المبذر"، التي أخرجت على خشبة مسرح ألكسندرينسكي ببطرسبورغ. وقد اتهمه النقاد آنذاك بالتشاؤم. ومن أعماله البارزة آنذاك قصة "أهل الجزيرة" حول الألمان المقيمين في حي "فاسيلفسكي أوستروف" ببطرسبورغ، وكذلك قصة "المهملون" التي يحاول فيها، ضمن أمور أخرى، إثارة الجدال حول كتاب تشيرنيشفسكي"ما العمل". وفي رواية "المتخاصمون" يتابع ليسكوف الاستهزاء بالنهلستيين وممثلي الحركة الثورية الناشئة بروسيا باعتبارهم، حسب اعتقاده، يندمجون مع العناصر الإجرامية. وقد أشار مكسيم غوركي إلى أن هذه الرواية "كانت منعطفاً هاماً في مؤلفات ليسكوف حيث أصبح إبداعه الأدبي شيئاً شبيهاً بفن الأيقونات". ومن المعروف أن ليسكوف بدأ في السبعينات بإنشاء"حاجز أيقوني" لروسيا يضم القديسين والصالحين إذ أصبح ممثلو رجال الدين الروس وبعض النبلاء المحليين أبطالاً رئيسيين لمؤلفاته.
في الثمانينات قام ليسكوف بتأليف سلسلة كاملة من الأعمال الأدبية حول الصالحين والأبرار من مرحلة المسيحية المبكرة والتي تدور أحداثها، بصورة رئيسية، في سوريا ومصر. وقد اقتبست هذه الأعمال من مجموعة حياة القديسين والقصص الوعظية المؤلفة في بيزنطة خلال القرنين 10-11. ومن أبرز هذه الأعمال قصة "المهرج بمفالون"(1887). والجدير بالذكر أن المؤلف أرسلها في البداية إلى المطبعة بعنوان" المهرج حبيب الله" ولكنه اضطر في اللحظات الأخيرة إلى تبديل هذا العنوان تحت ضغظ الرقابة الدينية. وقبل ذلك ببضع سنوات نشر ليسكوف رواية "الأعسر" أو"قصة الأحول من مدينة تولا والبرغوث الفولاذي" التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الاجتماعية. وقد اتهمه ممثلو اليسار بالتطرف القومي بينما انهال عليه اليمين بانتقادات شديدة لتصويره القاتم لحياة الشعب الروسي. وبهذا الخصوص أشار ليسكوف إلى انه لم يكن لديه نية سواء في إذلال الشعب الروسي أو مسايرته.
وخلال هذه الفترة أصدر ليسكوف مجموعات من كتب الأطفال. وكشخصيات سلبية ظهر فيها أيضاً، علاوة على الموظفين والضباط ، ممثلو الكنبسة الأرثوذكسية الروسية. وقد نشر في مجلة"روسكايا ميسل" روايته " دمى الشيطان"، التي رأى فيها العديد من القراء أن القيصر نيكولاي الأول والرسام كارل برولوف كانا النموذجين الأصليين للبطلين الرئيسيين. ومالبثت الرقابة أن أوقفت توزيع نسخ هذه الرواية، التي لم يعاد نشرها إلا بعد ثورة فبرايرعام 1917، التي أسقطت القيصرية. كما اعترضت الرقابة على إصدار معظم أعمال الكاتب الكبيرة في حجمها الكامل مثل رواية "نزوح الصقر" وقصة "الأثر غير الملحوظ".
تتميز أعمال ليسكوف بكونه يتجنب وضع تقييمات وحيدة المدلول. كما كان يميل إلى الحلول غير المتوقعة للعقدة الروائية. وقد ظهر ذلك بصورة خاصة في "حكايات أعياد الميلاد" وقصص "النوادر الطريفة".
وقد أشار العديد من الكتاب والنقاد الأدبيين إلى اتقان ليسكوف، على نحو خاص، للغة المحكية الروسية واستخدامه لها في مختلف مؤلفاته، إلى جانب الإحاطة الواسعة بشتى مظاهر الحياة اليومية والتفهم العميق لألغازها. كما نوّه هؤلاء بمعرفته الدقيقة للغة الروسية الأدبية التي يتجاوز فيها أحياناً معاصريه من كبار الكتاب الروس.
جاء موقف ليسكوف من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية متأثراً بتعاليم تولستوي، الذي توثقت علاقته معه في أواخر الثمانينات. وقد وصفه تولستوي بأنه "الأكثر روسية من جميع كتابنا، فهو أعمقهم وأوسعهم في معرفة وفهم الشعب الروسي كما هو عليه في واقع الأمر".
في العقود الأولى من العهد السوفيتي اعتبر ليسكوف كاتباً رجعياً وبرجوازي النزعة. ولذلك غدت مؤلفاته آنذاك في زوايا النسيان. ولكن بعد وفاة ستالين جرت بعض المحاولات الناجحة، إلى حد ما، لإصدار مجموعة صغيرة من أعماله البعيدة، بالطبع، عن الموضوعات الدينية أو التي تحتوي على انتقادات للنهلستية والحركة الثورية الروسية. وفضلاً عن ذلك أرفقت هذه الأعمال بتعليقات واسعة ذات طابع متحيّز للسلطة السوفيتية.
في أيام البيريسترويكا وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أعيدت طباعة الجزء الأعظم من أعمال ليسكوف بالإضافة إلى إصدار مجموعة مؤلفاته الكاملة في 12 مجلداً للمرة الأولى خلال عام 1989 (مكتبة مجلة "أوغنيوك"). كما صدرت في روسيا بعيداً عن مقص الرقابة دراسات جديدة عديدة حول كافة جوانب نشاطه الإبداعي.
ومنذ عام 1986 وحتى عام 2016 أخرج 11 فيلماً سينمائياً مقتبساً من مؤلفات ليسكوف الأدبية بما في ذلك فيلم المخرج الإنجليزي وليم أولدرويد "الليدي ماكبث".
حول القصة
اختار ليسكوف عنوان قصته في إشارة إلى مسرحية وليم شكسبير" الليدي ماكبث" لوجود تشابه واضح في الموضوع الرئيسي للقصة: امرأة تقتل زوجها بمساعدة عشيقها حيث كلتاهما غارقتان في عواطف إجرامية جامحة مجردة من أي نزعة إنسانية.
كاترينا لفوفنا إسماعيلوفا شابة متزوجة من تاجر لا يفكر إلا بأعماله التجارية. وهو، في كثير من الأحيان،، يغيب عن البيت لقضاء أشغاله في هذه المنطقة أو تلك . وفي ضوء ذلك تغدو حياتها مفعمة بالرتابة والملل وهي امراة في ريعان شبابها. وقد كانت تتجول من غرفة لأخرى وتتثاءب. وفي الوقت نفسه، لم يُلاحظ أحد معاناتها.
كان حماها وزوجها يستيقظان باكراً جداً، ويشربان الشاي في السادسة صباحاً، ثم يمارسان أعمالهما، بينما تتجول هي وحدها من غرفة إلى أخرى. وكان كل شيء نظيفاً، هادئاً وخالياً، تتلألأ المصابيح أمام الأيقونات، لكن لا يوجد في المنزل صوت حي، ولا صوت بشري. كانت كاترينا لفوفنا تمشي وتمشي في الغرف الفارغة، وتبدأ بالتثاؤب من الملل، وتصعد السلم إلى غرفة نومها الزوجية، المقامة على طابق نصفي مرتفع صغير. هنا تجلس قليلاً، تشاهد كيف يُعلقون القنب أو يُسكب السميد قرب الحظائر، ثم تتثاءب مرة أخرى، وتشعر بالسعادة: تغفو لساعة أو ساعتين، وعندما تستيقظ، يعود إليها نفس الملل الروسي، ملل في منزل التاجر. ما هو شعور كاترينا تجاه حياتها الزوجية؟ الكلمة المفتاحية هي الملل. كانت كاترينا إسماعيلوفا تشعر بمللٍ لا يُطاق في منزل زوجها: لم يكن لديها أطفال، ولم تكن تقرأ كتباً، ولم تُعرها عائلتها اهتماماً. لكنها لم تعرف حياةً أخرى، واعتادت على الحياة الحالية. انجذبت كاترينا إلى كلام سيرجي غير المألوف. لم يتحدث إليها أحدٌ هكذا من قبل. وانفتحت روحها، المتعطشة للحب، على شعورٍ جديد.
وأثناء غياب زوجها لفترة طويلة، كانت الزوجة الشابة تبقى ، في كثير من الأحيان، مع والد زوجها العجوز داخل منزل كبير. ونظراً لعقم زوجها لم يرزق الزوجان بأطفال. لكن الزوج ووالده لا يتوقفان عن توجيه العتاب لها بخصوص عقمها المزعوم. ولم تكن كاترينا تدرك ذاتها كأم وجدت طريقها في الحب. فكانت تبحث عن الخلاص من هذا الوضع المقيت. ويرى ليسكوف أن مثل هذا الاتحاد الأسروي لا بفضي إلى أي تطور إيجابي وإنما يؤدي إلى نتيجة مأسوية. وفي ظل هذه الظروف نرى كاترينا تستسلم للشاب الوسيم والخبيث سيرغي، الذي يعمل عند العائلة. وفي هذه العلاقة الفاسدة تكشف كاترينا عن طبيعتها الأصلية.
يُعدّ مشهد الحديقة بالغ الأهمية لفهم جوهر أفعال كاترينا إسماعيلوفا وشخصيتها، والتي تتجلى بوضوح من خلال وصف الطبيعة الذي يُبطئ وتيرة الأحداث: "ضوء القمر الذي كان يتخلل أوراق وأزهار شجرة التفاح، ينثر بقعاً زاهية وساحرة على وجه كاترينا وجسمها بالكامل، وهي مستلقية على ظهرها" ، " قبّلني حتى تتساقط الأزهار الصغيرة من شجرة التفاح هذه فوقنا هكذا، هكذا تماماً". همست كاترينا لفوفنا، وهي تُعانق حبيبها وتُقبّله بشغفٍ جارف". هنا، ولأول مرة، يُمكننا الحديث عن الانجذاب والرغبات الخفية: "كان هناك جوّ يوحي بالكسل والخمول والرغبات الخفية".
في تلك اللحظة، أوضحت كاترينا لسيرجي أنه لن يفلت أبداً من أحضانها العاطفة: "حسناً، كما أقنعتني أنت بنفسك بهذا الحب الذي جمعنا. فإن خنتني يا سيريوغا، وإن استبدلتني بأي شخص، بأي امرأة أخرى، فأنا يا صديقي العزيز، أسامح نفسي – لن أفارقك حياً أبداً. وأنت تعلم أنني انسقت إليك بإرادتي، بقدر ما انقدت إليك بمكرك".
لكن سيرجي لديه نوايا مختلفة تماماً . فهو راضٍ بالجانب الجسدي من علاقتهما، ويرى أن من الأفضل التزام الصمت حيال الحب تماماً. في الحديقة يستغل مشاعر كاترينا، ويعبّر عن رغبته في الاستقرار المادي والأمان.
يبدأ الصراع بوقوع كاترينا في حب سيرغي. ويتجاهل العاشقان الأعراف المتبعة في المجتمع الروسي آنذاك. وتبدأ سلسلة من الجرائم بعد اكتشاف العجوز لخيانة كنّته وحبسه لسيرغي في القبو لمنع الفجور في المنزل بانتظارعودة ابنه. ومن أجل انقاذ حبيبها قامت كاترينا بتسميم والد زوجها ودفنه في القبو. وبعد عودة الزوج لم تتورع عن قتله أيضاً. وعقب ذلك استمتع العشيقان بأسعد الأيام . وهكذا فقد أظهرت كاترينا انها في منتهى القساوة والانحطاط الأخلاقي.
وعلى نحو غير متوقع جاء إلى المنزل الصبي فيديا مع جدته وهو قريب العائلة . واتضح أنه يحق له المطالبة بنصيبه من الميراث. وقد أثار ذلك حفيظة العاشقين مما دفعهما إلى خنقه بوسادة أثناء غياب الجدة، التي ذهبت في الكنيسة. وبينما كانا يقومان بعملهما الآثم صعد أحد المصلين بعد خروجهم من الكنيسة إلى إحدى نوافذ مسرح الجريمة ورأى مشهد القتل فصرخ قائلاً :" يا أهل الدين يجري خنق الصبي!". ثم دخلت حشود المصلين إلى المنزل فأمسكت بالمجرمَين واستدعت الشرطة على الفور. ولم يتردد سيرغي في الاعتراف بالجريمة فحسب، وإنما طلب ايضاً نبش قبر زينوفي بوريسوفتش ووصف كاترينا بالشريكة. ولكن خلال المواجهة مع سيرغي اضطرت كاترينا إلى الاعتراف بكل جرائمها وقالت أنها قتلت "من أجل سيرغي".
يُحكم العشيقان بالأشغال الشاقة في سيبيريا. وفي الطريق إلى هناك يفقد سيرغي اهتمامه بكاترينا إذ أنها لم تعد الوريثة الثرية. ثم يُغرم بسجينة أخرى، وهي سونيتكا اللعوب ويغازلها على مرأى من كاترينا. ولكن العشيقة السابقة، التي وضعت مولودها وهو الوريث الوحيد لممتلكات عائلة إسماعيلوف، لم تستطع تحمل خيانة حبيبها. وأثناء الانتقال بالعبّارة إلى الضفة الأخرى من نهر الفولغا أمسكت كاترينا غريمتها سونيتكا من ساقيها وألقت بنفسها وبها في النهر وغرقتا معاً.
تركّز القصة على موضوع العاطفة المُدمرة، المُتجسدة في صورة زوجة التاجر كاترينا إسماعيلوفا. وبمقارنتها ببطلة شكسبير، يُصوّر المؤلف كاترينا كتجسيد لقوة بدائية، تسعى جاهدةً للحب والسعادة، متجاوزةً كل الحدود الأخلاقية، ومُرتكبةً جرائم دموية بقسوة حيوانية ودون ندم. وهنا تكشف القصة عن التناقض بين الرفاهية الخارجية والفراغ الداخلي للبطلة، وتمردها على الحياة المُقيدة والمصير المُقدّر، كما تُظهر كيف بوسع الحب أن يُصبح مصدراً للسعادة العظيمة وهاوية شريرة في آنٍ واحد. يكمن موضوع وفكرة العمل في العاطفة الجامحة المُدمرة وعواقبها، بالإضافة إلى تمرد الإنسان على أعراف الحياة ومسارها المُقدّر. ويُظهر ليسكوف أن الشخصية القوية والعاطفية، الخالية من المبادئ الأخلاقية، قد ينتهي بها المطاف إلى المأساة والجريمة، حيث أن
السعادة، التي تُحصّل على حساب القتل، ما تلبث أن تتحول إلى موت ودمار. ويصف الكاتب كاترينا بأنها امرأة "مليحة إلى حد ما"، لكنها ليست جميلة، وهي تعيش في رغد ورفاهية، غير أنها تعيسة من جراء نقص حب زوجها لها وقلة اهتمامه بها، إذ أن ظروف عمله تشغله إلى حد كبير عن ذلك ، بينما هي لا تزال شابة. وعلى عكس بطلة أوستروفسكي في مسرحية" العاصفة"، لا تخشى كاترينا الخطيئة، فإن دوافعها بدائية . وفي النتيجة نراها ترتكب عدة جرائم قتل دون ندم و بلا وازع ضمير، ويصبح حبها لسيرغي ذريعة لهذه الجرائم. ومع ذلك ثمة اختلافات عن مسرحية ليدي ماكبث لشكسبير. فعلى الرغم من أن البطلة تُدعى "ليدي ماكبث"، إلا أن ليسكوف يمنحها سمات مختلفة عن بطلة شكسبير فبينما تدفع ليدي ماكبث عند شكسبير عشيقها لارتكاب جريمة، تتصرف كاترينا بمفردها، مدفوعةً بعطشها للحب والعاطفة الجامحة.
تشبه كاترينا المرأة البدائية في قسوتها. فهي تمثل "البرق" في ظلمة حياة التجار. وقد وصف ليسكوف عمله هذا بأنه "قصة كئيبة"، و"دراسة" صارمة، مكتوبة بأسلوب شعبي. وينتهي هذا العمل بحدث مأساوي كما هو الحال بالنسبة لكاترينا كابانوفا بطلة "العاصفة" إذ أن كاترينا تلقي بنفسها في نهر الفولغا وترمي معها حبيبة سيرغي. ويصف المؤلف سلوك كاترينا باعتباره ناجماً، إلى درجة كبيرة، عن الظروف، التي مرت بها هذه الامرأة الشابة في منزل عائلة إسماعيلوف.
نشرت قصة "ليدي ماكبث من مقاطعة متسينسك" في يناير 1865، وذلك في مجلة "إيبوخا" (العصر)، التي كان يصدرها دوستويفسكي بالاشتراك مع شقيقه ميخائيل . ووفقاً للفكرة الأصلية، كان من المقرر أن تكون هذه القصة الأولى ضمن سلسلة مخصصة لشخصيات النساء الروسيات. وكان من المتوقع أن تتبعها قصص أخرى، ولكن لم يتسنّ لليسكوف تحقيق هذه الخطط، ولعل أبرز أسباب ذلك إغلاق مجلة "إيبوخا"، التي كانت تعتزم نشر السلسلة كاملةً. وقد ظهر العنوان النهائي للقصة عام 1867، عندما نُشرت في مجموعة "قصص ومقالات وقصص قصيرة بقلم م. ستيبنيتسكي" (م. ستيبنيتسكي هو الاسم المستعار لليسكوف).
غالباً ما تُقارن إسماعيلوفا بكاترينا كابانوفا، بطلة مسرحية أوستروفسكي "العاصفة"ببطلة قصة ليسكوف. فكل منهما تعيش مع زوج غير محبوب. وتتغير حياة كل من كابانوفا وإسماعيلوفا بشكل جذري بسبب حب غير مشروع. ولكن في ظروف مماثلة، تتصرف الامرأتان بشكل مختلف، حيث ترى كابانوفا أن العاطفة، التي غمرتها، خطيئة كبرى، فتعترف في النهاية لزوجها بكل شيء. أما إسماعيلوفا فإنها تغوص في دوامة الحب دون أن تنظر وراءها، حازمة ومستعدة لتحطيم أي عقبات تعترض طريقها. وإن الشخصية الوحيدة (إلى جانب كاترينا لفوفنا) التي حظيت باهتمام كبير في القصة هي سيرغي ، الذي يصوره الكاتب بتفصيل متفاوت.
يتعرف القراء على شاب وسيم يجيد إغواء النساء، ويتميز بروح الدعابة. وقد طُرد من وظيفته السابقة بسبب علاقة غرامية مع زوجة رئيسه. ويبدو أنه لم يُحب كاترينا لفوفنا قط. فقد بدأ علاقة معها، أملاً في الحصول على حياة أفضل عن طريقها. وعندما خسرت إسماعيلوفا كل شيء، بات يتصرف معها بقسوة ودناءة. ويشكل موضوع الحب في قصة "ليدي ماكبث من مقاطعة متسينسك" الموضوع الرئيسي . إنه حب جامح. ولكن هذا النوع من الحب ليس روحانياً، بل مادياً تماماً.
نلاحظ في القصة كيف يُظهر ليسكوف هوايات كاترينا لفوفنا وسيريوجا. فنادراً ما يتحدث العاشقان. وعندما يكونان معاً، ينشغلان بالملذات الجسدية. فإن المتعة الجسدية أهم بالنسبة لهما من أية أمور أخرى. ففي بداية القصة، نلاحظ أن كاترينا لفوفنا لا تحب قراءة الكتب. ولا يُمكن وصف سيرجي بأنه صاحب عالم داخلي غني. وعندما حاول إغواء إسماعيلوفا لأول مرة، طلب منها كتاباً. وكان هذا الطلب نابعاً فقط من رغبته في إرضاء المضيفة. وأراد سيريوجا أن يُظهر اهتمامه بالقراءة، ونضجه الفكري، على الرغم من مكانته الاجتماعية المتدنية. ويستحوذ الحب الجامح على كاترينا لفوفنا ويبدو انه مُدمر، لكونه حقير. لا يستطيع أن يُعلي أو يُثري روحياً. وعلى العكس، فإنه يوقظ في المرأة شيئاً ما ذا طابع بدائي وحيواني.
تضم القصة خمسة عشر فصلاً قصيراً. ويمكن تقسيم العمل إلى جزأين. في الجزء الأول، تدور الأحداث في مكان محدود - منزل آل إسماعيلوف. هنا، يولد حب كاترينا لفوفنا ويتطور. وبعد بداية علاقتها الغرامية مع سيرغي، تشعر المرأة بالسعادة. كما لو كانت في الجنة. وفي الجزء الثاني، تدور الأحداث وهما في طريقهما إلى الأشغال الشاقة. ويبدو أن كاترينا لفوفنا قد انتهى بها المطاف في الجحيم، حيث تقضي عقوبة على خطاياها. وبالمناسبة، لا تتوب المرأة إطلاقاً، إذ يبقى الحب متحكماً بكل تصرفاتها.
يوحي ليسكوف في قصته للقارئ أنه غالباً ما تجِرّ الجريمة الأولى وراءها جرائم أخرى. فقد قامت كاترينا في البداية بتسميم والد زوجها ثم قتلت مع عشيقها سيرغي زوجها زينوفي ثم ما لبث الاثنان أن قررا التخلص من الوريث الطارئ الفتى فيديا فقنلاه خنقاً. ويستنتج الكاتب بأنه لا ينبغي للمرء بأي حال من الأحوال البحث عن السعادة في الخداع والجريمة.
د. جابر أبي جابر

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

929 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع