
المهندس صلاح الامين
مواقف ناصعة من ذكريات الحرب لمنظومات الدفاع الجوي العراقي/ محطات مقاومة الطائرات (أرض – جو)
أطلعت على قصة الطيارين البريطانيين الذي تم إسقاط طائرتهما في بداية الاعتداء على العراق وشعبه عام 1991م. والتي تشرت في مجلة الكاردينا يوم السبت الموافق 2 كانون الثاني بقلم الاستاذ مجيد سلمان.
هنا أحب أن أضيف بعض المعلومات ربما قد تكون خافية كوني خدمت في الجيش العراقي في صنف الدفاع الجوي/ مقاومة الطائرات (صواريخ سام- 3)
كانت خدمتي الإلزامية برتبة ملازم مهندس احتياط في لواء الصواريخ 145 مقامة الطائرات لحماية الحبيبة مدينة بغداد وتم تنسبي كوني الأول على مجموعتي باختصاص رادار P- 15 الملحق بمحطات سام 3 (بيجورا)
فقط للتأكيد أنني عملت في صنف الصواريخ صواريخ أرض- جو مقاومة الطائرات لسنوات خلال الخدمة الإلزامية وتلتها الحرب العراقية الإيرانية وبعدها حرب الكويت.
أثناء الحرب العراقية الإيرانية كانت بطاريات الصواريخ لحماية مدينة بغداد (وهي 12 بطرية صواريخ (ستة - سام 2، وستة - سام 3) فاعلة في التصدي للطائرات الإيرانية التي تغير على بغداد وكان من ضمن السياقات العسكرية هو أخبار المراجع العليا على عدد الأهداف المسقطة من قبل كل بطرية، وقد لوحظ تكرار الأخبار عن نفس الهدف المسقط من أكثر من بطرية حينها صدرت الأوامر بان البطارية التي تسقط الطائرة عليها إحضار جزء من الحطام لتلك الطائرة المسقطة بصواريخها لإثبات صحة المعلومات. واعتقد اعتمد العمل بهذا المنهج منذ الحرب العراقية الإيرانية.
وبعد فترة رشحت للعمل في معمل التصليح م/ ط في أبو غريب. مهمتي في المعمل تم تأليف قسم فني من خيرة المراتب وتم تنسيبهم للعمل معنا لإعادة الصيانة لمحطات الرادار P- 15 التي تجاوزت الساعات التشغيلية لها والتي تسمى صيانة رقم 1، وكان المفترض أن تعاد إلى الاتحاد السوفيتي أو استقدم فريق فني روسي للعراق للقيام بأعمال الصيانة ولكن مثل ما تعرف كانت هناك عوائق قسم منها لا نعرفها.
وأثناء عملنا والتي يتم فيها فتح كافة الوحدات الفرعية للمحطة وفحص التوصيلات والأسلاك لغرض الصيانة رقم 1، اكتشفت أن البعض منها كتب على جسم المحطة من الداخل (البطانة) وهي عبارة عن سيارة والهوائي يكون مثبت على سقفها بعض العبارات من قبل الفنيين الروس أثناء التصنيع أو إعادة تأهيلها وإرسالها للعراق فيها تواريخ الخمسينيات!
وهذا يعني بالتأكيد أن الأسلحة التي قاتلنا بها عام 1980م، هي من إنتاج الخمسينيات هي نفسها تم استخدامها في حرب عام 1990م.
بالطبع هذا الاكتشاف ليس هو الوحيد أو يصعب تخمينه حيث إننا أثناء الخدمة الإلزامية وبعد تخرجنا من الهندسة كنا نتعلم ومشاريعنا الهندسية تتم باستخدام الدوائر المدمجة (Integrated circuits) وعند التحاقنا بالصنف وجدنا محطات الرادار ومحطات توجيه الصواريخ تعمل بالصمامات الإلكترونية وحتى الدوائر الإلكترونية لتوجيه الصواريخ سام 2 & 3 هي مصممة بالصمامات الإلكترونية (لمبات).
فقط هناك اضافة مهمة لصواريخ سام 2 & 3 حيث اضافة لأنظمة التوجيه الالكتروني للصواريخ المضادة للطائرات وبعد القفل واطلاق الصاروخ باتجاه الهدف المعادي هناك نطام اخر بديل متوفر في محطات توجيه الصواريخ وهو النظام التلفزيوني، وهو يستخدم بتوجيه الصاروخ بعد اطلاقه بمساعدة نظام تلفزيوني حيث هناك كاميرا تلفزيونية ذو مواصفات عالية (بعيدة المدى)مثبتة على هوائي محطات توجيه الصواريخ لمحطات سام 2 وسام 3، وهذا يتم في حالة وصعوبة الكشف على الأهداف بالرادارات المخصصة لمحطات توجيه الصواريخ مثل حالات التشويش العالي والذي يعطل الكشف الإلكتروني تماماً، ولكن هناك تحديدات لهذا النظام التلفزيوني وهو مسافة الكشف تعتمد على الحالة الجوية وكذلك صعوبة المشاهدة ليلاً للأهداف المعادية.
واني اتذكر اثناء خدمة الاحتياط اثناء الحرب عام 1990م، هناك عمل او مقترح هو استخدام تلك الكاميرات التلفزيونية من المحطات المدمرة او العاطلة تماماً بفصل الكاميرات التلفزيونية وجعلها نقاط كشف بعيدة عن المحطات الارضية لتوجيه الصواريخ لحماية مواقع محطات توجيه الصواريخ من الاستهداف من الطيران المعادي وقصفها.

في حرب عام 1990م، وحسب ما سمعته من قبل طواقم وآمري بطريات الصواريخ حول بغداد، ان طائرات التحالف كانت تشوش على محطات الدفاع الجوي والرادارات العراقية بصورة كبيرة وقوية، وتشمل أجهزة الكمبيوتر التي تحملها بعض الطائرات المقاتلة والصواريخ الأميركية قدرات إلكترونية قادرة على تحليل الانبعاثات من ما يصل إلى 20 رادارا مختلف النوع وتوجيه التدابير المضادة لكل رادار. ولكن هذا لا يضمن التهديدات قد تواجهه الطائرات الحربية الأمريكية فوق العراق.
وكان الخوف هو استهداف محطات توجيه الصواريخ والرادارات العراقية بواسطة الصواريخ المضادة للرادارات (هارم AGM-88 HARM، وغيرها). والطريقة للتعامل مع محطات الرادار الأرضي لغرض تدميره، يتم باستخدام شعاعه الخاص كدليل للصاروخ. هذا الصاروخ هو الصاروخ المضاد للإشعاع عالي السرعة AGM-88 )HARM)، وهو الدعامة الأساسية لتكنولوجيا الحرب الإلكترونية الأمريكية في الخليج العربي الذي استخدم عام 1990م. ويطلق صاروخ HARM، الذي تبلغ تكلفته أكثر من 000 250 دولار حينها، على هوائي التوجيه لمحطة الرادار، وتدميره للطائرات الضاربة.
السمة الرئيسية لل HARM هي أنه يمكنه التعرف على مجموعة واسعة من ترددات الرادار ، وذلك بتتبع شعاع الرادار وصولا إلى الهوائي الذي ينقله. ثم تمطر الهوائي ومحطة الرادار بشظايا مصممة خصيصا.
ويتمثل أحد عيوب "هارم" في أن كل صاروخ يمكن أن يدمر هوائي عدو واحد فقط، ومن المحتمل ان تم نشر هوائيات اهرى متنقلة لغرض التمويه عن الدفاع الصاروخي العراقي وذلك بنصب الهوائيات الرادارية، التي عادة ما تكون مثبتة على شاحنات، على مدى أميال عديدة عن المحطات الحقيقية. وبهذا يوفر عدم تدمير معظم هذه الهوائيات بسرعة، لجعل انظمة الرادار فعالا.

لقد كانت عملية البرمجة للصواريخ المضادة للرادارات والمدمرة لها في بداية الحرب تستغرق مدة 11 ثانية، وكانت الطواقم الفنية العراقية لمحطات توجيه الصواريخ والرادارات الملحقة بها مدربة على فتح الرادار لفترات اقل من 11 ثانية لغرض الكشف والقفل واطلاق الصاروخ على الهدف المعادي، لكن خلال الحرب استطاع العدو من تطوير تلك الصواريخ المضادة للرادارات وخلال فترة وجيزة بحيث وصلت فترة برمجة الصاروخ المضاد للرادار بمدة 2 ثانية كما علمت حينها مما جعل وعطل عمل الرادارات لمحطات مقاومة الطائرات ارض- جو ودمرت بعض المحطات جراء ذلك، وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الصادرة Oct. 23, 1990 في مقالة للكاتب Malcolm W. Browne .
وكان اخر عمل خبيث ومستهدف من قبل قوات التحالف هو ضرب جميع البطريات لمقاومة الطائرات الاثنتي عشر وهي مخبئة في مواقع كونكريتيه محصنة من تصميم روسي في حينها (1973-1975) بحيث تقاوم ضربة نووية، حيث تم استهداف مواقعها بقنابل خاصة بزنة (500 رطل) على اثرها تم تدمير جميع الهوائيات لمحطات توجيه الصواريخ حول مدينة بغداد والتي كان الهوائي مثبت فوق الموقع والمحصن لتك المحطات، وكان الهوائي لبطرية (سام 3) يصل وزنه الى خمسة أطنان قد اقتلع بعد القصف بتلك القنابل لمسافات بعيدة من موقع البطريات.
فقط اشارة اخيرة هناك حادثتين مهمتين من وجه نظري من المهم استذكارها هنا:
1- حادثة اسقاط طائرة ايرانية من نوع فانتوم في بداية الحرب واسر طيارها وعند التحقيق معه سأل حول عدم استخدامه لمعدات التشويش الالكترونية الزودة بها طائرته للتشويش على اجهزة الكشف الراداري وهو جهاز حاسب الكتروني يحتوي على لوحة مفاتيح بحدود 64 زر، مع وشاشة توضح للطيار عن طيرانه أنواع الرادارات التي تقع ضمن قاطع طيرانه واذا تطلب الامر تدميره فقط يضغط على زر واحد وتتم العملية اتوماتيكياً ويشوش عليها.
فكان رد الطيار الايراني الاسير انه لم يتدربوا عليها؟
2- الحادثة الاخرى هي اسقاط طائرة امريكية من الجهة الغربية اثناء حرب 1990م، واسر الطيار الامريكي وكان برتبة مقدم وحسب ما وصلنا انه كان في حالة يرثى لها وهلع ومن المضحك انه فعلها على نفسه وتبول على ملابسه من الخوف الذي اصبه بعد اسقاط طائرته.
ولكم الشكر والتقدير
صلاح الامين

792 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع