
ذكرى البياتي
قلبي ما زال ينبض بالأمل.
أدركتُ أننا تائهون في عالمٍ من الخداع، وتعلّمتُ أن الثقة لا تُهدى، وأن الصراحة جرح، وأن المجاملة فنّ لا يُتقنه إلا من يعرف كيف يتعامل بها.
تبقى الحياة رحلةً مليئةً بالتحديات والتقلّبات، لكن جمالها الحقيقي يكمن في قدرتنا على مواجهة صعوباتها، وفي ذلك النبض الذي يعيد للحياة معناها حين تبهت الألوان وتشتدّ ظلمة الأيام.
منذ صغري، وأنا أعاني من ردّات فعلٍ لا أفهمها؛
أبكي في قمة السعادة خوفًا من انقضائها، وكأنني سأدفع ضريبتها حتمًا بالكثير من الحزن.
وأبتعد عن أمي في لحظة حاجتي لحضنها، رغم أنني أتمنى أن أتكور بين ذراعيها كجنينٍ من جديد.
وأنزوي وحيدةً في ساحة المدرسة حين تجد صديقتي المقرّبة صديقةً أخرى، بدلًا من أن أملأ مكاني وأبقى إلى جوارها حتى لا يتّسع لغيري.
هذه أنا… منذ الطفولة وحتى الشباب.
لا أعرف كيف تُقال كلمة “لا”، ولا أستطيع التوسّل في الحب، لأنني أؤمن أن الحب لا يُستجدى ولا يُؤخذ كرهًا، ولا يُمنح مجاملةً لرفع العتب.
وها أنا أعود لأشعر بمشاعر الطفولة ذاتها…
أحبّك، فأختار الابتعاد، خوفًا من أن يكبر حبك في قلبي أكثر.
أعلم أن لكل شيء ذروة، إذا بلغناها لا يمكننا أن نعود كما كنّا بعدها.
وأعلم أنني استهلكتُ كل شموع قلبي لأُشعل حبك، ولم يتبقَّ لديّ إلا شمعةٌ واحدة، أخشى أن تحترق معها روحي التي لم تعد تقوى على فراقك.
حدث ما كنت أخشاه…
لم يعد الفراق أمرًا أستطيع احتماله، ولم يعد بوسعي أن أدعو الله أن يهبني خيرًا لا تكون فيه.
ومع ذلك، يبقى الأمل…
ذلك الشعور الداخلي بأن هناك دائمًا من يرعاني ويأخذ بيدي،
ذلك الصوت الهادئ الذي أسمعه في داخلي حين ترفض روحي الإنصات لكل ما هو زائف في هذا العالم.
في داخلي صوتٌ لا يغادرني…
ليس ضجيجًا ولا كلماتٍ كثيرة، بل طمأنينة عميقة.
هو صوت الأمل بالله وحده.
يهمس في قلبي كلما ضاقت الطرق:
أن لا شيء يضيع مع الله، ولا دعاء يُرفع إليه يذهب سُدى،
وأن ما كُتب لي سيأتيني، ولو تأخر، لأنه عند الله لا يُنسى.
هو لا يعدني بسهولة الطريق،
لكنه يملأني يقينًا أن الله يُدبّر لي الخير،
وأنني، حتى لو لم أفهم الآن… سأفهم لاحقًا.
ذلك الصوت يجعلني أستمر،
أبتسم رغم التعب، وأمضي رغم الثقل.
الأمل هدية الله لنا،
هو لطفه الخفي، وعهده لنا بأنه لن يتركنا وحدنا مهما حدث،
وأننا دائمًا تحت رعايته.
لأن في قلبي يقينًا ثابتًا:
الأمل بالله وحده… لا يخيب.

672 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع