الرّوح وتركيبه في ضوء القرأن والسنة
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ السبت, 07 تشرين2/نوفمبر 2026 16:15
- كتب بواسطة: د.نظام الدين إبراهيم أوغلو

د. نظام الدين إبراهيم أوغلو
الباحث الأكاديمي ـ تركيا
الرّوح وتركيبه في ضوء القرأن والسنة
المدخل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
في هذا البحث سنوضح بما علمنا الايات القرانية والأحاديث النبوية عن الروح:
تعريف الرُّوح: بالضم: خلقٌ من مخلوقات الله عزَّ وجلَّ، أضيفت إلى الله تعالى إضافة ملكٍ وتشريفٍ لا إضافة وصفٍ؛ فهو خالقها ومالكها، يقبضها متى شاء ويرسلها متى شاء سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله عزَّ وجلَّ في عدة مواضع . وقيل أن الروح هي القوة التي تبعث الحياة في جسدنا والروح تعبر عن القوة أو الطاقة المحركة التي هي مصدر الحياة، والتي بزوالها عن البدن تتوقف الحياة تماما، وهي بالتالي تدل على معاني الحركة، والتعقل، والتدبر، والإرادة، وكل ما تقوم به الحياة، وبمفارقتها للجسد تنتهي حياة الانسان. ويمكن أن نوضح ونقول، الروح في الأصل اللغوي تعني النفس والبعض يرى بأنَّ (الروح والرّيح) مُشتقّتان مِن معنىً واحد، والنّفخ في الأيات هي الرّيح. وروح الإِنسان، التي هي جوهرة مستقلةـ بهذا الاسم فذلك لأنّها تشبه النفس والريح من حيث الحركة والحياة، وكونها غير مرئية مثل النفس والريح الرّوح.
وبعد تعريف الروح نقول أننا سوف نتطرق في هذا البحث كذلك الى أن تركيب الانسان من النفس والجسد والروح، علمًا أنه هناك من يدعي: أن النفس والروح إسمان لشيء واحد وهو الذي يحيى الجسم، منهم محمد بن رشد. فنتطرق بما أخبرنا الرسول ﷺ أن الروح يصعد بها إلى السماوات العلى، ثم تعاد إلى القبر، ساعة من الزمن، وكما أخبرنا الرسول ﷺ أنها تنعم أو تعذّب في القبر. وأن الروح ينزل إلى القبر يرى ويسمع ويعلم ويرد السلام على الزائرين. وبما أخبرنا الله تعالى كذلك عن أرواح الشهداء والمجاهدين وأنهم أحياء في الجنة وعند ربهم يرزقون، فالمعنى أنهم يرزقون قد يكون الثناء الجميل ورفع درجاتهم. أو يتنعمون بما تنعموا في الدنيا: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون، ولا شك أن النعيم التي يتنعمه الروح على نحو مخالف لما نعلمه ونعرفه. فقال رسول الله ﷺ (إنَّما نسمةُ المؤمنِ طائرٌ تعلَّقَ في شجرِ الجنةِ، حتى يُرْجِعَه اللهُ تعالى إلى جسدِه يومَ يبعثُه) حديث رواه كعب الآنصاري في صحيح ابن ماجة وصححه الألباني. وكذلك نتطرق الى سكرات الموت الروح ورؤيته ملك الموت وله أعوانًا من الملائكة عندما يخرجون الروح من الجسد وكيف أنهم يبشرون الميت هل هو في الجنة أم في النار. وكذلك يرى الجن ويوم القيامة، استنادا الى قول تعالى (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) أي أنه يرى كل ما حجبه الله عنه في الدنيا.
وكذلك نتطرق الى نزول روح الميت من يوم الخميس الى ظهر السبت. وأن الله تعالى (علم آدم الآسماء كلها)، والرأي الراجح فيها وهو رأي ابن عباس أنه علمه اسم كل شيء هذه دابة هذا بحر هذا طير هذه شجرة هذا جبل كل شيء في السماوات والأرض يعرف اسمه أي علم هذا فيه إنسان. أما العقل البشري فيكسب هذه العلوم من الروح بالتدرج بالتفكر والتدبر وبالقراءة والتربية والتعليم أما تعليم أرواح الأنبياء والأولياء حين أوجدها ألبسها نورًا من نوره، وبصرًا من أبصاره، وسمعًا من أسماعه، وعقلاً من علمه. وقال بعضهم: علّم أدم الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة، فأصبح أفضل من الملائكة، وعلّم محمد عليه الصلاة والسلام القرآن، وعرضه على نفسه، فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟، وقد فضل أمة محمد به على سائر الأمم. وقال بعضهم: علّم الروح القرآن قبل الجسد، فالأجساد أخذت القرآن، وتعلمته تبعًا للأرواح. بالاضافة الى مواضيع لها علاقة وإرتباط بالروح والنفس بالجسم ونتكلم معنى وعمل الغشاء والغلف والأكنة المذكور في القرأن الكريم، ومواضيع اخرى.
الأرواح في البرزخ ومن يعذب الروح أم النفس؟
قبل أن نتطرق إلى موضوع البرخ يمكن أن نقول أن الروح عند قبضه أو سكرات الموت ترى ملك الموت وله أعوانًا من الملائكة عندما يخرجون الروح من الجسد ويبشرون الميت هل هو في الجنة أم في النار. ويرى الجن ويوم القيامة، فقال تعالى (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) أي أنه يرى كل ما حجبه الله عنه في الدنيا.آيات عن البرزخ قال تعالى (كَلَّا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) المؤمنون، 100. وقال (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) الرحمن، 20 ، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) الفرقان، 35. وعرَّف ابن القيِّم رحمه الله الرُّوحَ في كتابه "الروح"، فقال: "الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نُوراني عُلوي خفيفٌ حيٌّ متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويَسري فيها سريان الماء في الوَرد، وسريان الدُّهن في الزَّيتون، والنار في الفَحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائِضة عليها من هذا الجسم اللَّطيف، بقي هذا الجِسم اللَّطيف مُتشابكًا بهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحسِّ والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الرُّوح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح".
يقول الدكتور علي جمعة: الأرواح تتلاقى في البرزخ، والبرزخ هو مكان الانتقال ما بين الدنيا والآخرة، فعند خروج الروح تسأل الأرواح عن بعضها البعض، حيث إن هناك محادثة بين الأرواح في ملكوت الله. والأرواح لديها نافذة بلا تشبيه مثل "الستالايت" تكشف بها عن مكان دفنها، وهذه النافذة تُفتح لها تلقائيًا ترى زائريها ما بين عصر يوم الخميس إلى فجر يوم السبت كل أسبوع ؛ فإذا ذهبت إلى المقابر في هذه الفترة يراك الميت كأنك ظهرت أمامه في الكاميرا، فالراجح من أقوال أهل العلم أن ثواب قراءة القرآن يصل إلى الميت، سواء سورة الفاتحة أو الدعاء وغيرها من سور القرآن الكريم، لأن من عمل عملا ملك ثوابه ومن ملك شيئا فله أن يهبه لمن شاء ما لم يقم بالموهوب له مانع من الانتفاع بالثواب.
ويجيب شيخ الأزهر الأسبق الشيخ جاد الحق المفتي عن مسألة من الذي يعذب يوم القيامة.. الروح أم النفس؟.. وأنه يوضح الفرق بين الروح والنفس، حيث قال على موقع الدار: لفظ "الروح" و"النفس" من الألفاظ التي تؤدي أكثر من معنى، وهما في الواقع متغايرتان في الدلالة بحسب ما يحدده السباق والسياق واللحاق، وإن حلت إحداهما محل الأخرى في كثير من النصوص الشرعية، لكن على سبيل المجاز وليس الحقيقة. ويرد دار الافتاء المصرية أن مسألة العذاب فقد ورد في السنة ما يدل على أن العذاب للنفس يكون يوم القيامة، وأن عذاب الروح وحدها يكون بعد مفارقتها للجسد بالموت، وأن الروح بعد السؤال في القبر تكون في عليين أو في سجين، وهذا لا ينافي عذاب القبر للروح والجسد لمن استحقه، كما جاء ذكره في الأحاديث الشريفة. والدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، يفكر مثل الشيخ جاد الله أنه هناك فرقا بين الجسد والروح والنفس، فالجسد هو الجسم الذي له أبعاد معينة، أما النفس شيء يؤاخذ الله به الإنسان وتشتمل النفس على العقل والقلب فضلًا عن سيطرتها على الجوارح، أما الروح هى سر إلهى محطوط ومسحوب من الإنسان، فإذا سحب الله الروح من الإنسان أصبح جمادا ولا قيمة له. وأضاف أن الذي سيحاسب فى الإنسان ليس الجسد أو الروح وإنما "النفس"، فهى محل للحساب ولها درجات من الخير والشر. لذا يمكن تصوير الروح بوعاء يشمل كافة الابعاد التي ذكرناه من العقل والنفس والقلب (أو الفؤاد) والحواس الخمس من السمع والبصر والتذوق والشم واللمس ونحو ذلك.
وروى الإمام البيهقي عن علي بن الحسين عن أبيه (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّي وَتَبْكِي عِنْدَهُ). وكان ابن عمر رضي الله عنه، لا يمر بقبر إلا وقف عليه وسلم عليه، وقال ابن القيم في زاد المعاد: (كان النبي ﷺ إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم).
لقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أرواح الموتى هل تجتمع بعضها ببعض أم لا؟ وروح الميت هل تنزل في القبر أم لا؟ ويعرف الميت من يزوره أم لا؟ فأجاب: الحمد لله: أرواح الأحياء إذا قبضت تجتمع بأرواح الموتى ويسأل الموتى القادم عليهم عن حال الأحياء فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: فلان تزوج، فلان على حال حسنة، ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: لا، ذهب به إلى أمه الهاوية، وأما أرواح الموتى فتجتمع، الأعلى ينزل إلى الأدنى، والأدنى لا يصعد إلى الأعلى، والروح تشرف على القبر وتعاد إلى اللحد أحياناً، كما قال النبي ﷺ (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام) روى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي الله صلى الله عليه وسلم. والميت قد يعرف من يزوره، ولهذا كانت السنة أن يقال: السلام عليكم أهل دار قوم المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين.
وقال ابن تيمية وهو يتحدث عن علاقة الروح بالجسد في البرزخ: وتتصل بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم. أما إحساس الميت بزائريه فدلت عليه الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما التي ورد فيها التسليم على أهل القبور.
وعند مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح منفصلة عن الجسد، ومتصلة به، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإنما يخاطب من يسمع، وروى ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام). فنرى أن النعيم يقع على الأرواح كما أن العذاب يقع على الأرواح، ولكن هؤلاء هل يَسألون عن أحوال الأحياء؟ دلت عدد من الأحاديث والدلائل أنهم يسألون من جاءهم من الأرواح الطيبة المنعمة عمن خلفهم، ولذلك قال الله جل وعلا جل في شأن الشهداء(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، فاستبشارهم يعني أنهم يترقبون مجيء من لم يلحق بهم، ويسألون عنهم ويعرفون من أحوالهم ما يُطلعهم الله تعالى عليه.
والروح بعد افتراقها عن الجسد هي التي تذهب إلى الجنة أو إلى سجين كما جاءت الأخبار، كان العذاب للروح حتى يبعث الناس يوم القيامة، فيكون الثواب والعقاب للنفس التي هي الإنسان، وقيل الجسد والروح معًا ويطلق عند بعض العلماء كلمة الروح للنفس أيضًا؛ قال الله تعالى (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) آل عمران، 25، وقوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) آل عمران، 30، وقوله (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) هود، 105، وقوله تعالى (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) النحل، 111، وقوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر، 38، وقوله تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) الفجر، 27-28.
روح الإنسان في القرآن الكريم
قال الله تعالى (يوم يقوم الرّوح والملائكة صفًّا لا يتكلّمون إلاّ مَن أذن له الرّحمن وقال صوابًا) النبأ 38، أي أنّ روح الإنسان يقف من دون تفريق مع روح الملائكة صفًّا واحدًا، وقد فسر كلمة الروح بمعان أخرى فقال الله تعالى (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا) الانبياء، 91. (ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه) السجدة، 19، أي خلقه وصار حيًا. وقال (وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٍ منه) النساء، 171، أي خلقه من خلقه. وليس روح الإنسان جزء من روح الله تعالى ويدل ظاهر القول بالحلول والاتِّحاد وهذا كفر لا يجوز إطلاقُه ولا اعتقادُه؛ وقولـه تعالى( بيت الله) (و ناقة الله)، (وعباد الله)، وكذلك ( روح الله ) وأضافتها إلى الله تعالى فيه تشريفٌ وتعظيم. وأيضًا فإن (مِن) في الآية ليست للتَّبعيض، حتى تكون الروح جزءًا من الله؛ فإنَّ (مِن) هنا لابتِداء الغاية؛ أي: هذه الرُّوح من عند الله، مبدؤُها ومنشؤُها من الله تعالى، فهو الخالق لها، والمتصرِّف فيها.
وهناك من يسأل الكفار عن الروح ومسلكه في بدن الحي وكيفية امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهو أمر عظيم، وشأن كبير لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد أبهمه ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن حقيقة علم نفسه مع العلم بوجودها، قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الأسراء، 85، أي ما يحيا به البدن وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا، فهو بعجزه عن علم حقيقة الحق تبارك وتعالى أولى، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز.
ولقد تم استخدام كلمة الروح لمعاني عديدة منها: ونذكر بعض أيات منها: (فأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقرّبين فروحٌ وريحانٌ وجنّة نعيمٍ) بمعنى الرحمة. (يلقى الرّوح من أمره على من يشاء من عباده ليُنذر يوم التّلاق) غافر، 15، أي الوحي. (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه تعرج الملائكة والرّوح إليه في يوم كان مقداره خمسين سنة) أي بمعنى النصر. (تنزل الملائكة والرّوح فيها بإذن ربهم من كل أمر) أي جبريل (ع). وقال (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا) بمعنى القرآن والوحي. (فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرًا سويًّا) مريم، 17، أي جبريل (ع).
روح الانسان في الأحاديث النبوية
(الأرواح جنودٌ مجنّدة ما تعارفَ منها إئتلفَ وما تناكرَ منها اختلف) حديث صحيح راواه مسلم. يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى اجتماع بما خلق الله في الأرواح الخير والشر والصلاح والفساد والشقاء والسعادة، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار. (إنّ روح القدس نفث في روعي لن تموت نفسٌ حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا الله وأجملوا في الطّلب) رواه الطّبراني والبزّاز والحاكم. والرّوح لايموت بموت الجسد، بل يستقرّ في السّماء وروح المؤمن الصّالح أو الشّهيد بعد الموت يستقرّ مع الله في الجنّة ويُقال في جنّة العدن، فيأكل من ثمار الجنّة ، وترد روحهُ الى الجسد للردّ على السّلام وهي في الملأ الأعلى يَعرِف الميت بزيارة الأحياء من الأقرباء والأخوان ويستأنس بهم ويرّد عليهم حتى يقوموا وقد يلتقي أرواح المؤمنين بالأحياء ويُخبرنهم بما لايَعلمونه في الدّنيا. ويجعل قبر الشهداء والصّديقين في روضة من رياض الجنة. ويفتح للكفار حفرة من حفر النّيران ويستقرون فيها إلى يوم القيامة. (القبرُ إما روضة من رياض الجنّة. أو حُفرة من حُفر النّار) رواه التّرمذي والطّبري عن أبي سعيد بسند ضعيف.
تكوين جسم الإنسان
يتكون جسم الإنسان من الجانب المادي (العضوي) الذي يدرسه العلم والتشريح، والجانب الروحي (المعنوي والنفسي) الذي يتصل بالعقل والإيمان والوجدان:
1ـ الجسم:
ويقصد التركيب الجسمي (المادي) ويفهم أن هذا الجسم المركب من القلب والمخ واللحم والعصب والجلد والعظم والشرايين والدم فما هي الاّ ثوب النفس ولباسها أو هي آلة ووسيلة لعمل الروح يعني أنه مخلوق لأجل الروح والنفس فهذا البدن مخلوق بالتبع، والهدف من الخلقة هو الكمالات الروحية التي يجب أن تظهر بواسطة هذا البدن.. العلم والعمل للنفس بواسطة هذا البدن… بواسطة هذه العين ترى جزئيات العالم وتدرك من خلال ذلك الكليات.. بواسطة هذه الأذن تسمع النفس نغمات هذا العالم، وتشم بواسطة الأنف الروائح الطيبة في هذا العالم وتدرك بذلك الصانع لها. لذا نجد أن النفس مرتبطة أكثر بالجسد ووظائف أعضاء الجسم والوجود.أما عن الروح فإنها مستقلة بذاتها ومنعزلة في وحودها عن الجسد، ترتبط الروح بالحياة الفكرية والعقلية، لذالك هي خالدة بعد موت الجسد.
2ـ الرّوح:
الروح: فهي مختلفة عن النفس، والروح هي الإمداد بالنور المنصب من الله تعالى، ومركز الروح قلب الإنسان المادي الذي يضخ الدماء الى كل أنحاء الجسم لتستمر به الحياة. فالتجلي الإلهي المتوارد على قلب الإنسان المادي ليبقى هذا الإنسان على قيد الحياة هو ما نعنيه بالروح. إذاً الروح الجسر الخفي أو النفخة الإلهية التي تبتدئ بها الحياة وتستمر وقيل هي الإمداد بالتجلي الإلهي (الشعاع) المتوارد من الله تعالى على الجسم، فالروح هي القوة المحركة التي تبعث الحياة في الجسم وتؤمن له القوة ليبقى على قيد الحياة، وحين يموت الإنسان تسحب الملائكة هذه الروح من الجسم فيتوقف القلب عن النبض وتتوقف أجزة الجسم كلها عن العمل وعندها تغادر النفس جسدها عائدة إلى ربها لتحاسب على ما قدمت من أعماله في دنياه .
والرّوح طاقة شفّافة ورقيقة ولايراها أحدٌ سواء أكان هي (أرواح الإنس أو الجن أو الملائكة). ويستعمل كمذكر اذا لم يعني الروح بالنفس. وأما تعريف أهل اللغة اذا يعني الروح النفس كما جاء في لسان العرب لإبن منظور: يؤنث، والجمع أرواح. والروح هو الذي يعيش به الحي وحقيقة كُنْهُهِ (غايته) لا يعلمها إلا الله عز وجل. والروح في الإسلام: خلق من أعظم مخلوقات الله شرفها الله وكرمها غاية التشريف والتكريم فنسبها لذاته العلية في كتابه القرآن. وفي كتاب الطحاوية لإبن جبرين وكذلك بإتفاق أهل السنة والجماعة أن الروح مخلوقة وليست جزءاً من الذات الإلهية بدليل (الله خالق كل شيء) الرعد، 16، ومن جلالة وعظمة هذا التشريف لهذا المخلوق أن الله اختص بالعلم الكامل بالروح فلا يمكن لأي مخلوق كائن من كان أن يعلم كل العلم عن هذا المخلوق إلا ما أخبر به الله. قال الفرّاء: الرّوح: هو الّذي يعيش به الإنسان، لم يخبر اللّه تعالى به أحداً من خلقه.
لقد إدّعى بعض علماء الصوفية أنّه مصغّر للعقل الفعّال وهو الله تعالى، لقد زوّد الله تعالى الروح بالنّفس المطلقة، ثمّ وضعه في داخل جسدٍ مزوّدٌ بعقل ضابط للإرادة والتصرّفات ومزوّدة بالوجدان والإحساس والغريزة والتي تمثل الفطرة أيضًا. علمًا أنه هناك قول أخر ينفي القول أعلاه ويدّعي أنّه لايُمكن أن يشبه المخلوق بالخالق قطعًا ولا أن يكون مصغّرًا للعقل الفعال، وهذا قول صحيح. والروح ترى الملائكة والجن ويوم القيامة.
ويقول الإمام ابن الباز: هناك إرتباط بين العقل والنفس فإذا ذهبت الروح بطل كل شيئ، فإذا كانت الروح فيه فكر بها بنفسه لما هو يروحه، يفكر بما أعطاه الله من العقل والتمييز في الصالح والضار.. في الطيب والخبيث، هكذا فهو يفكر بما أعطاه الله من العقل بواسطة الروح التي هي نفسه وحياته، فما زالت الروح موجودة أمكنه التفكير والنظر والإعداد لما يريد والعزم على ما يريد، فإذا ذهبت الروح بطل التفكير. كما ذكرت أعلاه هناك آراء كثيرة حول الروح والنفس: قيل بعض العلماء أن الروح والنفس شيئ واحد، وقيل الأخرون أن الروح مرتبط مع النفس إرتباطًا وثيقًا، ويرى غيرهم أن الأرواح في الإنسان وصف مستقل عن النفس، ويُمثلان العقل والفكر والذكاء والسمع والبصر وكافة الأعمال والصّفات من العواطف والشعور والوجدان والطبائع الموجودة والداخلة في جسم الكائن البشري والجني.. فيقول الله تعالى (وإذا النّفوسُ زوّجت) . أي عند إندماج الرّوح مع الجسد في يوم القيامة. فالرّوح منذ أن يُنفخ في بطن الأم، فيبدأ عملهُ في العقل والنّفس أو الغرائز وعلى هذا الأساس يمكن القول: أن العقل والذكاء والفكر ونحوهما من مكونات الروح التي تتركها في الواقع والمحيط الخارجي.
ويرى بعض العلماء أن النفس ليست من قبيل الروح وإن كانت داخلة مع الروح، لأن الروح من الله عز وجل وتمثل جانب الخير، أما النفس التي خلقها الله لنا من أجل ابتلاءنا وتمثل جانب الشر، فأيهما سيطر على الأخر فيكون هو الغالب. وهناك رأي أخر لبعض العلماء يقولون أن الروح بدون جسم هو روح وعندما يدخل إلى الجسم فيسمى بالنفس، وتتغير صفة الروح يمكن له أن يعمل الخير أو الشر، وأن النفس هي التي تدرك الجوع والخوف والطمأنينة والفرح والحزن.
يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: فعلى المسلم بدلًا من أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الرُّوح هذه، أن ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه، وأي فائدة تعود عليك إن توصلت إلى سر من أسرار الرُّوح، وأي ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنه شيئًا؟
وأضاف الدكتور مجدي عاشور، المستشار العلمي لمفتي الجمهورية،: "أما عن شعور المتوفى بالزيارة فيقول العلماء: إن الروح يسلكها الله في البدن في الحياة الدنيا فتوجب له حسا وحركة وعلما وإدراكا ولذة وألما، ويسمى بذلك حيا ، ثم تفارقه في الوقت المقدر أزلا لقطع علاقتها به فتبطل هذه الآثار ويفنى هيكل البدن ويصير جمادا ويسمى عند ذلك ميتا ولكن الروح تبقى في البرزخ , وهو ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة من يوم الموت إلى يوم البعث والنشور حية مدركة تسمع وتبصر وتسبح في ملك الله حيث أراد وقدر، وتتصل بالأرواح الأخرى وتناجيها وتانس بها سواء كانت أرواح أحياء، أم أرواح أموات، وتشعر بالنعيم، والعذاب، واللذة، والألم بحسب حالتها وترد أفنية القبور".
الرُّوح لا تفنى البتة إلى يوم البعث والنشور، ولكنها حية مدركة، تسمع وتبصر وتسبح في ملك الله حيث أراد وقدر، وتتصل بالأرواح الأخرى، وتناجيها وتأنس بها، سواء أكانت أرواح أحياء أم أرواح أموات، وتشعُرُ بالنعيم والعذاب واللذة والآلام بحسب حالتها، وما كان لها مِن عمل في الحياة الدنيا.
وقد يسأل سائل ويقول: متى يكون الإنسان تابعًا للإمتحانات الإلهية؟ وكيف يجازيه الله تعالى؟ فنقول يحاسب الله الانسان الراشد والبالغ والعاقل. والإنسان يجازى في يوم القيامة بتركيب يلائم قوانين السموات ومع الروح والجسد. أما عن متى إدراكه وتعلمه العلوم؟ فنقول منذ أن خلقه الله تعالى ونفخ فيه الروح في بدنه، علمه الله تعالى (علم أدم الأسماء كلها) وسيعلمه كل شيء وكل العلوم عن طريق الفطرة والتفكر والألهام والقرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ. وأكبر دليل على تعلم الإنسان العلوم منذ الولادة هو تكلم عيسى في المهد بفصاحة مع الناس، وهناك أطفال أذكياء خارق العادة يجيبون على أكثر الأسئلة الرياضية والعلمية بسبب تفتح أو ترفع غشاء وغطاء القلب عندهم قبل أوانه، وكتب المعجزات والكرامات مليئة بهذه القصص. لقد ذكرنا حديثا نبويّا عن عمر الإنسان (أو عمر روحه) في الجنّة.
وقيل أن العقل والقلب والفؤاد والفطرة بمعنى الرّوح، الفرق بين (القلب الحسي) (المضغة أو المضخة) وبين (القلب الشرعي) الذي هو جوهر النفس ومركز القرار، كما أن هناك فرقاً بين الدماغ وبين العقل فالدماغ ما هو إلا أداة تترجم أوامر النفس للبدن على شكل نبضات كهربية وليس وعاء للذاكرة أو وسيلة لاتخاذ القرار كما يعتقد، وذلك وفق المفهوم الشرعي في القرآن الكريم بماهية القلب والعقل والفؤاد.
تعريف العقل: هُوَ وِعَاَءُ الْفِطْرَةِ وَأدَاةُ ضَبْطِ السُّلُوك البَشَرِيّ المَبْنيّ عَلَى تَحْقِيْقِ فِهْمِ المُحِيْطِ المادّيّ، وَالعَقْلُ السَّليم هُوَ مَنَاطُ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنْ إذا اسْتَعْلَى فِيْهِ عَلَى الفُؤَادِ وضَبَطَ سُلُوكَه.
تعريف الفؤاد: هُوَ وِعَاءُ الحَاَضِرِ الَّذِيْ يَتَلَقَّىَ مَاَ يَلِجُ فِيِهِ مِنْ خِلَالِ الحَوَاسّ وَهُوُ مَنَاَطُ العَوَاطِفِ والشُّعور مِنْ خَوْفٍ وَحُبٍّ وَرَجَاءٍ وَبُغْضٍ وَحِقْدٍ وَرِضًىً وَشَهْوَةٍ وَسَعَادَةٍ وَحُزْنٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَشَاعِرِ البَشَريّة ، وَهُوُ مُتَعَلّقٌ بِكُلِّ فِعْلٍ قَبِيْحْ إذا اسْتَعْلَى عَلَىْ العَقْلْ وَتَقَدَّمَ عَلَيْه.
تعريف القَلْبْ: هُوَ جِمَاعُ العَقْلُ وَالفُؤَاد وقائدهما يُرَجِّحُ ويتبع العَقْل عندمَاَ يعتليْ عَلَى الشَّهْوَةِ (الفُؤَاَدْ) أو العَكْسْ، وهو مَنَاطُ الإدْرَاكِ وَمَنْشَأ الفِعْلِ والقَرار. والإنسان الذي يتعلم ويفكر ويعقل ويتدبر، يعرف أشياء كثيرة بفطرته التي فطره الله تعالى لكل إنسان، فقال تعالى (ونفخ فيه من روحه من الله) فإنَّ (مِن) هنا لابتِداء الغاية؛ أي: هذه الرُّوح من عند الله، مبدؤُها ومنشؤُها من الله تعالى، فهو الخالق لها، والمتصرِّف فيها. فالروح باق ببقاء خالقه وهو لا يفنى ولا يموت، بل يعرج إلى عالم البرزخ وينتظر يوم القيامة ليخلد مع الجسد إما في الجنة أو في جهنم . ومعنى رُوح الله عزَّ وجلَّ هنا هي صفة من صفاته لا تنفكُّ عنه، كما يقال: عِلْم الله، وسَمع الله، وإرادة الله، ونحو ذلك، فكلُّ ذلك صفاتُه عزَّ وجلَّ لا تنفكُّ عنه. وقيل أنَّ كلَّ ما أضيف إلى الله عزَّ وجل هو إضافة فيه تشريف وتعظيم. "فقال ابن تيمية: (فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقولـه تعالى (بيت الله (و ناقة الله)، (وعباد الله)، بل وكذلك (روح الله) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله … ونحو ذلك؛ كان صفة له" . وقال الشيخ العثيمين: "بل روح آدم روحٌ مَخلوقة خلقها الله؛ لكن أضافها الله إليْه على سبيل التَّشريف، والرُّوح ليستْ من صفاتِ الله تعالى؛ بل هي خلْقٌ من مخلوقات الله تعالى وأضيفتْ إلى الله تعالى في بعض النصوص إضافةَ مَلك وتشريف، فالله خالقُها ومالكها يقبضها متى شاء، ويُرْسِلها متى شاء، فالقَول في الرُّوح كالقول في "بيت الله"، و"ناقة الله"، و"عباد الله"، و"رسول الله"؛ فكل هذه مخلوقات أُضيفتْ لله تعالى للتَّشْريف والتَّكريم". هذا، والله أعلم.
ويُمكن تصوير الروح (العقل) بالذاكرة الرئيسية عند ألة الحاسوب. فالعُلوم المدونة والموجودة في ذاكرة الحاسوب يُمكن أخذه تدريجيًّا بالنّقر على المواضيع للدخول إليها، أو إجراء بعض العمليّات الحاسوبية لفتح الملفات فيها، وبذلك يمكن لنا التّعلم ثم يُمكن إعادة ما تعلمناه وفهمناه من المعلومات بسهولة وعلى الدّوام، أي يمكن تعلم العلوم من أصل العقل أي من الرّوح المودعة له، والتي صيغت على شكل رموز شفرية، ويمكن الوصول بعدها إلى درجة الكمال من العلوم والتي يمكن أن نرى بعدها آيات الله تعالى بشكل واضح، وذلك بسبب اكتمال القوة العقلية والروحية عند الإنسان. وقد تسأل ما الدليل على أن الروح يحمل كافة العلوم؟ أفضل دليل على تعلم الانسان العلوم من الله تعالى بعد النفخ على الروح فقال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها). ونقول أن الذي لايسعى ولايفكر في التعلم، فلا يستفيد من العقل. قال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد، 24.
والروح الذي نُعرِّفها بأنها أمر من المولى ومخلوق له كيان روحي فقط، وسر من أسرار المولى، فهي علة الحياة في كل خلق. وإذا سيطر العقل على النفس وفقاً لتعاليم الخالق، ارتاح الجسد والروح، و وصل الانسان إلى السعادة الحقيقية أي الطمأنينة والسكينة، ونقول أن النفس والجسد والروح، هي مخلوقات رئيسية ثلاثة في الانسان، تتفاعل تفاعلاً وثيقاً مع بعضها البعض، ولكي يسعد الانسان، يجب أن يسيطر العقل المفكر وفق تعاليم الخالق على النفس، وأهوائها ونزواتها، أما إذا انعكست الآية فأصبح العقل المفكر تبعاً للنفس الأمارة بالسوء، فذلك مُتعب للروح وهي الجوهر، وهي لاتسعد إلا إذا اتبع الانسان تعاليم الخالق.
وأما نظرة الفلاسفة إلى الإنسان فينظرونه على أنه جسد وروح، وعلى هذه النّظرة تنبنى فكرتهم على عالم الإنسان كلّه، وخاصة موقفهم بين الجبر والاختيار، ويقولون إذا كان الإنسان روحًا وجسدًا، فإنه بهذا الوصف ذو طبيعتين: طبيعة روحية وبطبيعته فهو خاضع للحُرية المطلقة، وطبيعة مادية بطبيعته خاضع لقيود المادة وعليه الالتزام به، تحت إرادة العقل. والروح عندهم بمعنى النفس. ونحن نقول أن النفس ليست بالروح. وهناك أراء أخرى حول الروح:
ـ فيصف عبدالكريم الخطيب القلب (المعنوي) وصفا باسم بوصلة الروح يضبط لك الإتّجاه، وهو الجهاز العجيب التي يُقييّم الخير والشّر وتذوق الحسن والقبيح ونحوهُ. وإنّه الحاسّة الخفيّة التي يتذوّق بها الإنسان الفضائل والرّذائل، كما يتذّوق بالّلسان طعوم الحلو والمُر . ـ وقال محمد إقبال في العقل والقلب "بأنّ العقل يُدرك الحقيقة جُزءً جُزءً والقلب يُدركها في جُملتها وكلاهما يفتقر إلى الأخر في تجديد قُواه وكلاهما يتلمّس شهوة نفس الحقيقة التي تنكشف لكل منها على نحو يتلائم ووظيفته في الحياة " .
وإليكم استخدام القرآن اصطلاحات القلب والفؤاد بمعنى الروح التي في الجسم المادي: (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا) .(ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً) . (فإنّه نزّلهُ على قلبك بإذن الله لما بين يديهِ وهدىً وبُشرى للمؤمنين) . (ربّنا لاتُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) . (ولكن يُؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) . (يُحرّفونه من بعد ما عقلوهُ وهم يعلمون) .(وأكثرهم لايعقلون) . ووردت كذلك بكلمة فؤاد قال تعالى (إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنهُ مسؤلاً) . (وهو الّذي أنشأ لكم السّمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) .(وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتُبدي بهِ لولا أن ربطنا لقلبها لتكون من المؤمنين) .
3ـ النّفس البشرية:
الرّوح في الأصل اللغوي تعني النفس، قال الله تعالى (الله يتوفىّ الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسك التي قضى عليها الموت ويُرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمىً إنّ في ذلك لأياتٍ لقومٍ يتفكّرون) .
وفي الاصطلاح الفقهي أن النفس لاتعني ذلك بل تعني قوى الخير والشر في الذات الإنساني وهي مناط التكليف في الانسان وهي الفاعلة ولهذا قال تعالى (لا يكلف الله نفسًا الا وسعها)، وتعني العقل، أي القوى المفكرة، قال تعالى (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) المائدة، 116. والنفس هي الملهمة تارة بالفجور, وأخرى بالتقوى، لقوله تعالى (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها و تقواها) الشمس 7،8. وقال (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) يوسف، 53. وقيل أن النفس: هي ذات الإنسان الشاعرة، ومركزها في الصدر وسارية أشعتها بواسطة الآعصاب في سائر أنحاءالجسم . وهذه النفس المسجونة في الجسم إنما تتعرف على ما يحيط بها من الأشياء بواسطة الحواس الخمسة، فعن طريق العين تبصر وعن طريق الأذن تسمع، وبالأنف تشم، وبواسطة الجلد تحس وتلمس، وباللسان تذوق طعوم الأشياء، كما تعبر به عما يجول فيها من الخواطر والأفكار. وهي التي تحزن وتتكدر، وهي التي تُسرُّ وتفرح، وترضى وتغضب وتلتذ وتتألم وعليها المعوَّل.
ونجد في تفسير قوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)، أي أكملت صورته وخلقته من قدرتي وسويت جسده وأتممت خلقه ثم نفخت فيه من روحي، وبعدها يبعث الله تعالى الروح في جسم الإنسان فتكون به حياته وإذا انتهى أجله خرج من جسمه فكان موته.
ويُمكن تعريف الروح بأنّها الشيء نفسه أي تركيبٌ مع الرّوح، التي تهتم بالملذّات والشهوات، وهو مركز العقل والحواس الخمسة الموجودة في الجسم ومركز للأعمال والأفعال الصالحة والسّيئة، ويُقال أنّ الإنسان مّنذ ولادته يأخذ علمهُ وأعمالهُ الصالحة والطّالحة إما القرآن الكريم أو من الشّيطان "والشيطان قد يكون جن أو إنس". وأثبت الطب الحديث بأنّ الطّفل يتعلم ويتأثر حتى قبل الولادة وهو جنين بأقوال الأباء وأنه يسمع كلّ شيء فالأب الكافر قبل ولادة الطّفل عندما يسمع للطفل كلمات وجمل وأغاني وحكايات سيئة فيكون الطفل المولود متأثرًا بها سلبيًّا ويميل إلى ذلك. أما الأب المسلم عندما يسمع للجنين والطفل كلمات وجمل جيدة ومفيدة أو آيات من القرآن الكريم سوف يتأثر بهم بشكل إيجابي ويميل إليها بعد الولادة. والرّوح الطّيبة كما ذكرنا يأخذ علومه وأعماله وصفاته من الله تعالى، وإذا لم يكن له أرتباط مع الله تعالى يكون مطيّة النّفس، كما نعلم والنّفس دائمًا مأمورة بالسّوء. لذا يجب السعي والتعلم عن طريق الأساتذة والشّيوخ في تعلم العلوم الاسلامية وتربية النفس، من الوسائل المهمة، وبدونهم لايمكن الوصول إلى درجة الكمال. وهذا ما نراه عند المروّضين في تربية الحيوانات الوحشيّة فيجعلونهم حيوانات أليفة ومتعلمة. والصّحابة وحتى الخليفة عمر (رض) بعد أخذهم التربية الإسلاميّة تبدلت أخلاقهم وعقائدهم وأرواحهم كما كان في فطرتهم التي فطر الله لهم ولكافة الكائنات منذ الولادة. والنفس الشّريرة جزاءها عند الله نار جهنم خالدين فيها أبدًا. والنفس الطيبة مكافئتها جنات عدن خالدين فيها أبدًا.
أنواع (درجات) النّفس البشرّية وللنفس أنواع كثيرة منها الشريرة والنفس الصالحة ومن أنواعها:
1ـ النّفس الأمّارة: وتُسمى أيضًا بالنّفس النّاطقة، تأمر بالسّوء والفحشاء والشّهوات، وهي في مقام الظّلمات .
2ـ النّفس اللّوامة: تتقلّب وتتلوّن وتَلوم نفسها، وهي في مقام الأنوار.
3ـ النّفس المُلهمة: تكون مشغولاً بحُبّه لله تعالى وبأسمائه وبصفاته وفي لسانه لا إله إلاّ الله، وتُطبّق شريعة الله، وتكون في مقام الأسرار.
4ـ النّفس المُطمئنّة: وهي المُطاعة لأوامر الله تعالى، ويُحب رسول الله، وهي طريق الأولياء، ومن صفاته: السّخاء، الإيثار، التّوكل، التّفويض، الصّبر، الحُلم، التّسليم، الرّضاء، الصّدق، الرّفق، البشاشة، الشّكر، الثّناء والعبادة، وتكون في مقام الكمال.
5ـ النّفس الرّاضيّة: وهي تكون في حالة الفناء لله، وقد رضيَ الله عنه وترجع إلى ربه راضية، ومن صفاته : الورع الخُلص، المحبّة، الأنس، الحضور، الكرامة، التّرك (الدّنيا)، النّسيان (لغير الله) وهي تؤمن بالقدر ولاتشكوا على حاله، وهي في مقام الالتقاء.
6ـ النّفس المرضيّة: وقد رضي بالله ربًّا، وأينما تكُن تكون الله معه، وترجع إليه وهو مرضيّ عنه، ومن صفاته : تُفتح أو ترفع غشاء حواسه فتسمع أُذنيه به أوبحاله، وترى عينه بحاله، وتتكلّم بلسان حاله، وتمشي بحاله، فيكون الله في قلبها، وهي في مقام تجلّي الأفعال.
7ـ النّفس الكاملة: وهي تكون المرشد الكامل وصاحب الكرامات، وقد وصل بعد مرورٍ من علم اليقين وعين اليقين إلى حقّ اليقين وفي طريقه إلى الكمال، وهي في مقام تجلّي الصّفات والأسماء.
4ـ الغشاء والغلف التي تربط الجسد بالرّوح:
ولأجل الوصول إلى الأسماء كلها أي كافة العلوم التي تعلمتها الروح فلابد من فتح ورفع الغشاء ويسمى أيضًا وبالغلف والوقر والاكنة التي تَربط الجسد مع الرّوح والنفس، والروح بمعنى القلب (العقل الباطن) والفؤاد (المخ المعنوي)، والفطرة والحواس الخمسة والنفس (الذي تدل على الوجدان، والضمير والشّعور، والانفعال والعاطفة والإحساس...). وعندما يرفع يدرك بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس ويسمع ويفقه ويعقل ، وقد تُرفع أو تُرق تتدريجيًّا عند الإنسان المؤمن المتقي، فتكون قريبة وموصلة الى القلب الفيّاضّة عن طريق الرّوح الزّكية الطّاهرة. وقد رأينا رفعها عند الأنبياء والأولياء فرأوا آيات الله الكثيرة. أما عند الكفار والظالمين يغلظ ويصدأ هذا الغشاء الموجود في قلوبهم وأرواحهم، فلا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون ولا يفقهون كلام الله تعالى. وعندئذ لا يمكن أن يستفيدوا من العلم والفيض الموجود في الروح ويكون هذا الغطاء عندهم عاطلة فقال تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) البقرة، 7. (وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) البقرة،٢٢٥، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) آل عمران، ٨، (وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً) 23 الجاثية.( فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) 9 يس. وقال (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) البقرة، 88. (وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) النساء، 155، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل، 78 (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ق، 37 . (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) البقرة، 7. (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) النجم، 11 (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء، 36، (وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) الأنعام، 113
أما عن كيفية فتح رفع هذا الغشاء أو الغلف لكي لا يصدأ ويسهل الوصول إلى الروح، كما ذكرنا يكون بلا شك بالقراءة والتعلم والسعي منذ الصغر، فالذين يأخذون تربيتهم من الأساتذة والأباء الطيبون المؤمنون الذين يسلكون طريق الهداية، هؤلاء يميلون ويتأثرون بالدين الاسلامي والاخلاق الكريمة. أو عكس ذلك إذا سعوا إلى تعلم العلوم الفاسدة والأخلاق السيئة ويتعلمونها من أساتذة وأباء فاسقة منذ الصغر فيكونوا مثلهم. فالإنسان يولد على الفطرة الإسلامية، إذا ولد في عائلة يهودية أو مسيحية أو غير ذلك فيتأثر بها حيث قال النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء) صحيح البخاري. معناه: أن كل مولود يولد متهيئاً للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلماً استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا. وقال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
ويُمكن أن نصف التّعلم والتربية بزيت أو وقود أو ضوء العقل المطلق أو الرّوح المعنوي الّذي يعمل على تحريك وتشغيل وإنارة المحرّك الأساسي. والذي يبتعد عن هذا الحس أو التعليم يكون في الظلام ولا يرى ولا يدرك ويكون قاسيًا وحاقدًا وظالمًا، ويرى نفسه على الحق دائمًا أو أنّه هو الحق لأنه لا يهتدي ولا يعرف معنى الحقيقة الكبرى. فقال تعالى لهؤلاء الكافرين (وقالوا قُلوبنا غُلف بل لعّنهم الله بكُفرهم) البقرة، 88. اي مغطاة عليها بغلاف لاينفذ اليه قول نبينا لقلوب الكفار، وقال (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)، النساء، 155 ، وقال (وجعلنا على قلوبهم أكنّة ، وفي آذانهم وقرًا) . والأكنّة جمع «كنان» وهي على وَزن « لسان» وَفي الأصل تعني غطاء يمكن أن يستر شيئًا ما، أمّا «كِن» على وزن «جِن» فتعني الوعاء الذي يمكن أن نحفظ في داخله شيئًا ما. أمّا جمع « كن» فهو «أكنان» وَقد توسع هَذا المعنى لِيشمل أي شيء يؤدي إِلى التستُّر، كالأستار والبيت والأجسام التي يتستر الإنسان خلفها. أمّا «وَقَر» على وزن «جَبَر» فتعني ثُقل السمع، و«وِقر» على وَزن «رِزق» تعني الحمل الثقيل.
أمثلة على رؤية خوارق العادات:
يمكن لهم رؤية خوارق العادات مثل رؤية الملائكة والجن، ورؤية وفاته ووفاة الأقارب، والنصر المؤزر في الحروب، وحتى عند منصارتهم للمسلمين في الحروب. علمًا أنه لا يحتاج إلى أن نثبت للأنبياء رؤيتهم، لأنه من معجزاتهم. قال تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء، 45. فطبع على قلوبهم بسبب ذلك الكفر، أي يحجب عقولهم عن فهم القرآن، عقابا لهم عن كفرهم وإنكارهم. ولكن عند التقوى تفتح قلوبهم ويرون بعض الحقائق الغيبية:
1ـ ثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء, ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر, وهو قول الألوسي, وابن العربي.
2ـ رأي الجمهور من الفقهاء: الذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس.
3ـ يقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها).
4ـ وقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب عليه الصلاة والسلام لتكليم الجن. أخرج مسلم في صحيحه من حديث عامر قال سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه. فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أو اغتيل. قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه. فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحماً. وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم).
قال ابن تيمي : وعَامِرُ بْنُ فهيرة: قُتِلَ شَهِيدًا فَالْتَمَسُوا جَسَدَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَكَانَ لَمَّا قُتِلَ رُفِعَ فَرَآهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَقَدْ رُفِعَ وَقَالَ: عُرْوَةُ: فَيَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ رَفَعَتْهُ.
5ـ أمر أمير المؤمنيين عمر بن الخطاب سارية على جيش للمسلمين إلى بلاد فارس، عندما اشتد على عسكره الحال على باب نهاوند, وكثرت الجموع, وكاد المسلمون ينهزمون, وعمر رضي الله عنه بالمدينة فصعد على منبر رسول الله في المدينة يوم الجمعة، فإذا بعمر ينادي بأعلى صوته أثناء خطبته: "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم". وبعد انتهاء الخطبة تقدم الناس نحو عمر بن الخطاب وسألوه عن هذا الكلام فقال: "والله ماألقيت له بالاً، شيءٌ أتى على لساني، وبعدها نجوا وانتصروا (طبقات الشافعية 2/ 326).
6ـ فقد نزلت الملائكة للقتال في يوم بدر وأحد، وظاهر الأدلة أنهم قاتلوا بحنين أيضا وبالخندق.
وقد جزم النووي في شرح مسلم أن قتالهم لم يختص بيوم بدر، ودليل نزولهم قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) الأنفال:12. ودليل نزولهم بأحد ما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل. وفي رواية لمسلم أنه قال: رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد.
الفرق بين النّفس والرّوح
يتبين أنّ النّفس والرّوح بينهما تلازم وإرتباطات وهما مستقران في جسم الإنسان إلى وفاته، ونحن لا نعرف عنهما سوى الشيء القليل كما تعلّمناه من القرآن الكريم . والأيتان الكريمتان في قَوْله تَعَالَى (ونفس وما سوّها فأَلهمها فجُورهَا وتَقوَاهَا) أَي فأَرشدها إِلَى فجورها وتقواها أَي بيَّن لهَا وهداها إلى ما قدَّر لها قال ابن عباس " فأَلهمها فجورها وتقوَاها " بَيَّنَ لَهَا الخير والشَّر. وأية (كل نفس بما كسبت رهينة إلاّ أصحاب اليمين) أي أنّ النفس مرهونة إلى النار إذا لم يعمل الصّالحات. أمّا الرّوح فهي معجزة إلهية فلا يستحق عمل السّيئات، ولكن بعد دخول الروح إلى الجسم تفقد خصائصه ويقال عنه بالنفس. ويمكن توضيح النفس بكلام العلماء فيقولون إذا احترت في أمرين أيهما يفيدك؟ نقول وازن بينهما، واختر ما هو قريب إلى نفسك وقلبك، فخالفه، فإن الحق في مخالفة الهوى. أي أن النفس والقلب بينهما صفات متماثلة متشابهة كما أن بينهما فروقًا، ومن هنا وصفت في القرآن الكريم بأنها أمارة بالسوء قال تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)، وقد جاء لفظ (أمارة) على هيأة صيغة مبالغة، وصيغة المبالغة تفيد التكثير والمبالغة، والمبالغة هنا للدلالة على الكثرة لأن الكلمة عند العرب تفيد ذلك، ولأن النفس كثيرًا ما تأمر صاحبها بارتكاب المعاصي والفواحش والمحرمات. ولذلك حين يموت شخص يقال: (انتقلت روحه الطاهرة) ولا يقال (انتقلت نفسه الطاهرة) لأن النفس لا تمثل طهارة، لأنها ليس من أمر ربي، والروح طاهرة لأنها من أمر ربي. والنفس تكون طاهرة مثل الروح إذا عملت الصالحات كما في قوله تعالى (يا أيتها النّفس المطمئنّة إرجعي الى ربّك راضيةً مرضيّة)، وكان كلتاهما في عالم الفضيلة (العالم المثال)، بيد أن النفس ارتكبت معصية تجاه الخالق، فعوقبت بإنزالها إلى عالم الأرض فبدأت قصة الخلق، أي أن هناك عالم السماء (العالم الإلهي) وتمثله الروح، وعالم الأرض التي تمثله النفس ينتقل فيها ما هو طاهر إلى أصله، وتبقى النفس في عالم الأرض عمومًا، ولذلك وصفت النفس بأنها أمارة بالسوء، ولم توصف الروح بذلك، لذا يمكن للإنسان أن يدرّب أو يهذّب نفسه للأعمال الخيرة بدلاً من الأعمال الشّريرة.
وذكر أبن كثير في تفسيره وقال: ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر. وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء . وقال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارًا أو خمرًا، ولا يقال له: " ماء " حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس: " روح " إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح: نفس إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن، والله أعلم .
لقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة والظاهرية : إلى أنَّ الروح تُنفخ في الجنين بعد مئة وعشرين يوماً أو بعد الأربعين الثالثة الواردة في حديث عبد الله بن مسعود قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أحدَكُم يُجمَعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّهِ أربعينَ يوماً ثمَّ يَكونُ في ذلك عَلقةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يَكونُ مضغةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يرسلُ الملَكُ فينفخُ فيهِ الرُّوحَ ويؤمرُ بأربعٍ، كلِماتٍ: بكَتبِ رزقِهُ وأجلِهُ وعملهُ وشقيٌّ أو سعيد) . وجه الاستدلال: دلَّ الحديث الشَّريف على أنَّ مُدة كل مرحلةٍ من مراحل خَلق الجنين الثلاثة (نُطفة، عَلَقة، مُضغَة) هي أربعون يوماً، فيكون نفخُ الروح بعد تمام المرحلة الثالثة أي بعد مرور مئة وعشرين يوماً.
والله ولي التّوفيق 21.06.2007

























































































