ويأتيك سيادة النائب بكواليس"قسم الشرف"وما لم تقرأه الكاميرات؟

صباح البغدادي

ويأتيك سيادة النائب بكواليس"قسم الشرف"وما لم تقرأه الكاميرات؟

(*) ربما لم يكن "قسم الشرف" أهم ما حدث في ذلك اليوم (1) بل إن الأهم كان انتقال الولاء المعلن للوزير، ولو نظرياً، من الجهة الحزبية او الولائية التي جاءت به إلى الدولة التي أقسم على خدمتها.

لن تمر الصور التي التقطتها كاميرات مجلس الوزراء لحكومة ‎السيد "علي الزيدي" مرور الكرام، لا محلياً ولا عربياً ولا حتى على مستوى التحليل الدولي. فالمشهد الذي أريد له أن يكون إعلاناً أخلاقياً جماعياً لوحدة الحكومة والتزامها بقيم النزاهة والشفافية والحيادية والحفاظ على المال العام من السرقة ، تحوّل في نظر كثير من وسائل الاعلام الإخبارية إلى مادة دسمة وخصبة للتأويل والتحليل، بل وإلى مساحة مفتوحة على مصراعيها للنقد الجريء والذي اقترب أحياناً من حدود السخرية السياسية. فقد انشغل المتابعون ليس فقط بنص "قسم الشرف" وما تضمنه من تعهدات صارمة، بل أيضاً بتحليل معمق بلغة الجسد التي رافقت أداءه؛ إذ بدت على بعض الوزراء علامات الفتور أو عدم التفاعل الكامل مع كلمات القسم، فيما أثارت تصرفات أخرى، حقيقية كانت أم متخيلة في نظر الجمهور، سيلاً من التعليقات والتفسيرات التي اجتاحت وسائل الإعلام الاخبارية والصحافة والاهم التعليقات في جميع منصات التواصل الاجتماعي.

ولو قُدّر لنا أن نسأل أحد السادة "النواب" المطلعين على كواليس ذلك الحدث الاستثنائي وعن حقيقة ما جرى خلف الأبواب المغلقة، فقد يأتينا جواب سياسي لا يخلو من الجرأة مفاده :" أن رئيس الوزراء لم يكن يرى في تعدد مراكز القرار داخل السلطة التنفيذية ومن خلال فرض نواب عليه ووضعه امام الامر الواقع وإلا فأن التهديد المبطن الذي وصل مسامعه بالتصويت على اقالته سيكون أمر حتمي في مجلس النواب ولا مفر منه وهو ما اعتقده السيد الزيدي بانه أمراً لن يكون ولا هو منسجماً مع فلسفة المنصب الذي يشغله، وأنه كان يدرك منذ اليوم الأول حساسية وجود شخصيات نافذة وأصحاب أوزان سياسية كبيرة داخل محيط الحكومة "ويضيف السيد النائب مشكورآ ، في معرض تعليقه على الأسئلة التي طرحناها بشأن كواليس هذا الحدث الاستثنائي بأن ‎:" السيد الزيدي كان يدرك منذ اللحظة الأولى حجم التحديات التي تنتظره داخل السلطة التنفيذية، وأنه لم يُخفِ أمام عدد من مستشاريه المقربين حجم الضغوط التي تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها السياسية. وينقل عن هؤلاء المستشارين أن السيد الزيدي كان يردد بأن يوماً واحداً في منصب رئيس مجلس الوزراء يعادل سنة كاملة من العمل المتواصل الذي اعتاد عليه في مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي والشركة الوطنية القابضة وجامعة الشعب، ومعهد عشتار الطبي والاهم مجموعة شركة الأويس التجارية والتي تضم تحت إدارتها 15 شركة متنوعة النشاطات " ويضيف سيادة النائب وبلغة المثل الشعبي الدراج والذي يعرفه الجميع : " ربما تصورت بعض مراكز النفوذ أنها ذاهبة إلى وليمة سياسية تتعشى فيها برئيس الوزراء ، فإذا بها تجد نفسها وقد أصبحت هي نفسها على مائدة فطور النزاهة والوظيفية والمساءلة الأخلاقية أمام الرأي العام "ويعكس هذا الوصف، بحسب رواية السيد النائب ، وإدراكاً لحجم الفارق بين منطق الإدارة في القطاع الخاص ومنطق إدارة الدولة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والحزبية والتوافقية مع الصلاحيات الدستورية والتنفيذية. وكما يكشف لنا عن حالة من الاستياء المكتوم تجاه بعض الترتيبات السياسية التي فُرضت بحكم التوازنات القائمة، ولا سيما ما يتعلق بوجود نواب لرئيس الوزراء يمتلكون ثقلاً سياسياً وشبكات نفوذ خاصة بهم داخل المشهد العام.

ومن هذا المنطلق، فان الاعتقاد بأن "قسم الشرف" لم يكن مجرد مبادرة أخلاقية أو رسالة دعائية موجهة إلى الرأي العام، بل محاولة مبكرة لإعادة ترسيم حدود السلطة التنفيذية وإعادة التأكيد على أن مركز القرار الحكومي يجب أن يبقى منسجماً مع المسؤولية الدستورية التي يتحملها رئيس الوزراء أمام الشعب والبرلمان. فإن مشهد "قسم الشرف" فتح الباب أمام تساؤلات سياسية مشروعة حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومراكز النفوذ الحزبي، وحول ما إذا كانت الخطوة تمثل مجرد تعهد أخلاقي عابر أم أنها كانت أول إشارة رمزية إلى صراع أوسع حول من يملك حق توجيه القرار الحكومي في السنوات المقبلة , ومن هذا المنطلق، لم يكن القسم مجرد مناسبة أخلاقية بقدر ما كان محاولة ذكية لإحراج الجميع ــ القيادات الحزبية المشاركة بالحكم والذي فرضت على السيد الزيدي نوابه ووزرائه ومن دون ان يكون له سلطة حقيقية باحقية اختيار الافضل منهم ــ أمام الرأي العام، ووضع الوزراء ونواب رئيس الوزراء وسائر أركان الحكومة أمام التزام علني موثق بالصوت والصورة. فبدل أن تبقى العلاقة بين الوزير وحاضنته الحزبية السياسية شأناً يجري تداوله خلف الكواليس، جرى نقلها إلى ساحة المراقبة الشعبية المباشرة.

غير أن المفارقة التي ربما لم تكن في حسابات أصحاب هذه المبادرة تكمن في أن الحدث لم يُقرأ من زاوية واحدة. فبينما رأى فيه البعض خطوة جريئة لإعادة الاعتبار لقيم الدولة فوق الاعتبارات الحزبية، رأى فيه آخرون مشهداً كشف حجم التباين داخل الفريق الحكومي نفسه. وهكذا جاءت رياح التأويلات السياسية والإعلامية بما لا تشتهي سفن أصحاب المبادرة، ليتحول القسم من رسالة أرادت توحيد الصورة إلى حدث أثار أسئلة أكثر مما قدم أجوبة، وفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود نفوذ الأحزاب ومكاتبها الاقتصادية ، ومستقبل العلاقة بين الحكومة ومراكز القوى التي ساهمت في تشكيلها.

ولعل أكثر ما أثار الاهتمام لم يكن القسم بحد ذاته، بل ما كشفه من تناقض بين النص المثالي المعلن وبين الواقع السياسي المعقد الذي ما زال العراقيون يحاولون فهمه وقراءته بين السطور. ففي نهاية المطاف، لا يحاكم الرأي العام الحكومات على ما تقوله في لحظات الاحتفال، وإنما على ما تفعله بعد انطفاء الكاميرات.

لم نتوقف في هذه القراءة عند ظاهر الحدث المتمثل بترديد الوزراء لقسم الشرف، لأن الوقوف عند ظاهر الأشياء في السياسة كثيراً ما يقود إلى استنتاجات قد تبدو مشوشة ، بل حاولنا الذهاب إلى ما هو أبعد من الكلمات المعلنة والصور الرسمية والخطابات المنمقة لنطرح سؤالاً أكثر عمقاً وإثارة للجدل: لماذا احتاجت حكومة أدت اليمين الدستورية أصلاً، وهو اليمين الملزم قانونياً ودستورياً، إلى قسم شرف إضافي أمام عدسات الكاميرات والرأي العام؟ وهل كان الأمر مجرد تأكيد رمزي على قيم النزاهة والشفافية، أم أن وراء المشهد رسائل سياسية تتجاوز بكثير حدود النص المعلن؟ لان هذا التساؤل لا يبدو غريباً إذا ما أدركنا أن الصراع الحقيقي في الأنظمة السياسية لا يدور دائماً حول المناصب والعناوين الوظيفية بقدر ما يدور حول النفوذ والموارد والمصالح الاقتصادية والامتيازات المرتبطة بتلك المناصب. فالكرسي في كثير من الأحيان ليس هو الهدف النهائي، وإنما ما يمنحه من قدرة على التأثير وتوجيه القرار والتحكم بمفاصل النفوذ ومصادر القوة الاقتصادية والإدارية.

ومن هنا تكتسب قراءة المشهد أهميتها، ليس من خلال النص الذي تمت قراءته بصوت مرتفع فحسب، وإنما من خلال لغة الجسد والصور والرموز والإشارات الصامتة التي رافقت عملية ترديد القسم. ففي عالم السياسة لا تتحدث الكلمات وحدها، بل تتحدث أيضاً الأعين والنظرات وتعابير الوجوه وحركات الأيدي ومظاهر التفاعل أو اللامبالاة. وأحياناً تكشف ثانية واحدة تلتقطها الكاميرا ما تعجز عنه عشرات البيانات الرسمية والخطب الرنانة ؟ لان شهدناه خلال أداء القسم أثار أسئلة لا تقل أهمية عن القسم نفسه. فبين ابتسامات بدت للكثيرين في غير موضعها، ووجوه حائرة، ونظرات متبادلة، ومظاهر فتور في التفاعل مع كلمات القسم، وربما وضع الأيدي على الأوراق والملفات أكثر من التركيز على المصحف الشريف الذي وُضع رمزاً لثقل المسؤولية وعظمة التعهد، برزت صورة دفعت شريحة واسعة من المتابعين إلى إعادة التفكير في حقيقة العلاقة بين النصوص التي تُتلى والالتزامات التي تُنفذ على أرض الواقع. ولعل أخطر ما كشفه هذا المشهد أنه أعاد إلى الواجهة شكوكاً تراكمت في الوعي العراقي طوال أكثر من عقدين من الزمن. فقد ظل المواطن العراقي يسمع وعوداً وتعهدات وشعارات عن خدمة الشعب وحماية المال العام ومحاربة الفساد وترسيخ مبادئ النزاهة، لكن الفجوة بين الخطاب والممارسة بقيت واسعة في نظر جزء كبير من الرأي العام. ولهذا لم يكن غريباً أن ينشغل الناس هذه المرة بكيفية أداء القسم أكثر من انشغالهم بنص القسم ذاته , ولذا فالحقيقة التي كانت تُتداول لسنوات طويلة خلف الأبواب المغلقة وعلى هامش المجالس السياسية وجلسات النقاش الخاصة، خرجت فجأة إلى العلن أمام عدسات الكاميرات. وما كان يُقال همساً أصبح مادة بصرية شاهدة أمام ملايين المشاهدين داخل العراق وخارجه. ولهذا لم يتعامل الإعلام العراقي والعربي مع الحدث بوصفه مناسبة بروتوكولية عابرة، بل تناولته بالتحليل والتشريح والنقد، بل وبشيء من السخرية السياسية الحادة في بعض الأحيان , والسبب في ذلك بسيط؛ فالسياسة ليست نصوصاً تُقرأ من أوراق معدة سلفاً، وليست خطباً محفوظة تُلقى أمام المنصات الرسمية فقط، وإنما هي أيضاً صور ورسائل وإشارات ورموز. وأحياناً تكون صورة واحدة قادرة على إشعال جدل سياسي وإعلامي أوسع من عشرات الخطب والمؤتمرات والبيانات الرسمية مجتمعة. لذلك لم يكن الحدث الحقيقي في ذلك اليوم هو الكلمات التي قيلت، بل الطريقة التي قيلت بها، والوجوه التي رددتها، والانطباعات التي تركتها لدى جمهور لم يعد يكتفي بالاستماع إلى الوعود، بل أصبح يدقق في أدق التفاصيل بحثاً عن الفرق بين الالتزام الحقيقي والالتزام البروتوكولي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1) https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/qosqsah/73629-2026-10-23-06-31-50.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

934 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع