الأمن الوطني كبديل عن الأمن المستورد .. ما هو المطلوب ؟

طارق الهاشمي

الأمن الوطني كبديل عن الأمن المستورد.. ما هو المطلوب ؟

اختتم منتدى الأمن العالمي بالدوحة أعماله وسط نقاشات واسعة تناولت التحالفات الدولية والتهديدات السيبرانية والطائرات المسيّرة ومستقبل الأمن الدولي. ورغم أهمية هذه الملفات، فإن الرسالة الأكثر عمقاً التي يمكن استخلاصها من المنتدى لا تتعلق بالتكنولوجيا العسكرية أو توازنات القوى الدولية بقدر ما تتعلق بمستقبل الأمن الخليجي نفسه.

لقد عاش الخليج العربي لعقود طويلة في ظل معادلة أمنية اعتمدت بدرجات متفاوتة على الحماية الخارجية والشراكات الدولية الكبرى. وكانت هذه المعادلة مفهومة في سياقها التاريخي والسياسي. غير أن التحولات الجارية في النظام الدولي، و تبدل أولويات القوى الكبرى، وتزايد الدعوات إلى تحمّل الحلفاء مسؤوليات أكبر في حماية أمنهم، كلها مؤشرات تدفع دول المنطقة إلى استشراف المستقبل و التفكير جديا في اطار مرحلة جديدة عنوانها:

«الاعتماد على الذات أمنياً من خلال تعزيز القدرات الوطنية والإقليمية.»

بمعنى البديل عن التحالفات الراهنة، تحالفات إقليمية وتدابير وطنية. وفي مقالي هذا انوي الحديث عن تلك التدابير فحسب.

إن الانتقال من الأمن المستورد إلى الأمن الوطني، واقصد به الامن الخليجي الموحد، لا يعني فقط زيادة الإنفاق العسكري أو تطوير منظومات الدفاع الجوي أو شراء أحدث التقنيات او حتى تصنيعها محلياً، فهذه العناصر، على أهميتها، هي أدوات، تحتاجها المنظومة الأمنية و لكنها ليست كل المنظومة.

فالدول تستطيع استيراد السلاح، لكنها لا تستطيع استيراد الانتماء الوطني. وتستطيع شراء أنظمة الإنذار المبكر، لكنها لا تستطيع شراء ثقة المواطن. ولهذا فإن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة يتمثل في بناء الأمن الوطني الخليجي بمعناه الشامل، القائم على تلاحم الدول الخليجية ومجتمعاتها قبل أي شيء آخر.

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحروب لا تنحصر بالقتال على الحدود، بل أصبحت تدور أيضاً داخل الفضاء الإلكتروني، وفي ساحات الإعلام، و ومجالات الفكر والثقافة و التربية و غيرها. وأصبحت المجتمعات نفسها هدفاً مباشراً لمحاولات الاختراق والاستقطاب والتأثير. ومن هنا فإن الجبهة الداخلية لم تعد مجرد عنصر مساعد للأمن، بل أصبحت أحد مكوناته الأساسية.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية لطالما رافقت الفكر الأمني في المنطقة العربية، وهي النظر إلى المجتمع باعتباره عبئاً أمنياً أو مصدراً محتملاً للمخاطر. بينما تفرض المرحلة الجديدة مقاربة مختلفة تماماً، تقوم على اعتبار المواطن شريكاً في صناعة الأمن وحمايته.

فالدولة التي تطمح إلى الاعتماد على نفسها لا يمكنها أن تحقيق ذلك من خلال المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدها، بل هي بحاجة ايضاً إلى تحويل المجتمع إلى عمق استراتيجي حقيقي. وهذا لن يتحقق إلا عبر بناء الثقة وتعزيز المواطنة وترسيخ العدالة وتوسيع مساحة المشاركة وتطوير شعور عام بأن الدولة تمثل جميع أبنائها وتحمي مصالحهم على قدم المساواة.

إن العلاقة المتينة بين الدولة ومواطنيها لم تعد قضية اجتماعية أو سياسية او اقتصادية فحسب، بل أصبحت قضية أمن قومي بامتياز. فالمواطن الواثق بدولته والمدافع عن استقرارها يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاختراق الخارجي، بينما تمثل الفجوات الاجتماعية أو الفكرية أو النفسية نقاط نفاذ تسعى القوى المعادية إلى استغلالها.

ولعل ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية يؤكد أن النفوذ الخارجي قد لا يتحقق بالضرورة بالدبابة أو الصاروخ والمسيرة، وإنما ينطلق من الفكرة والهوية والولاء العابر للحدود. وقد نجحت مشاريع إقليمية هدامة في استثمار ثغرات مجتمعية لبناء دوائر تأثير وولاءات تتقاطع و مفهوم الدولة الوطنية، الأمر الذي يفرض على الدول العربية والخليجية مشتركاً معالجة هذه التحديات من جذورها الفكرية والثقافية والتربوية، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الأمنية.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى صياغة مفهوم جديد للأمن الوطني يقوم على خمسة مرتكزات مترابطة:

*قوة عسكرية عصرية قادرة على الردع.

*وهوية وطنية جامعة.

*وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.

*ومناعة فكرية ضد الاختراقات الخارجية.

*وتكامل إقليمي يعزز القدرات الذاتية لدول المنطقة.

إن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من مناقشات الأمن العالمي اليوم هو أن « عصر المقايضة «الامن مقابل النفط «، حبث كان الأمن يُشترى من الخارج يقترب من نهايته تدريجياً، بينما يبرز عصر جديد يصبح فيه الامن نتاج وطني خالص، والإنسان الوطني الواعي هو الأصل الاستراتيجي الأهم لأي دولة.

فالأمن الحقيقي لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ داخل المجتمع نفسه. وكلما ازدادت الثقة بين الدولة وشعبها، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات الخارجية، مهما كانت طبيعتها أو مصدرها او خطورتها.

وبذلك فإن مستقبل الخليج لن يتحدد فقط بما يمتلكه من قوة صلبة: طائرات وصواريخ ومنظومات دفاع متقدمة وصناعات حربية عصرية، بل أيضاً بمدى نجاحه في توظيف القوة الناعمة: أي بناء عقد وطني جديد يجعل المواطن الخليجي شريكاً في الأمن لا مجرد مستفيد منه، و تتحول فيه الشعوب إلى ركيزة أمنية حقيقية. وعندها فقط يكتمل الانتقال من الأمن المستورد إلى الأمن الوطني.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

897 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع