اليك يا عبدالرحمن.

حاتم جعفر

اليك يا عبدالرحمن.

(ملاحظة مهمة. هذا المقال عبارة عن بضعة صفحات من رواية سأشرع بطباعتها لاحقاً. إرتأتيت نشرها بالتوافق مع مرور الذكرى السابعة لإنتفاضة تشرين المباركة، والتي سطَّر ملامحها وإستشهد فيها خيرة أبناء شعبنا العراقي البطل، واننا على العهد باقون وعلى ذات الخطى سائرون).

لم يمَضِ على إطلاق سراح عبدالرحمن من السجن الاّ بضعة أيام. لكنه وعلى الرغم من ذلك وما إن وصل مسامعه بأنَّ هناك تجمعاً معارضا لنظام الحكم، سيبدأ بالتظاهر بعد أقلٌ من ساعتين من الآن، وإذا به يلتحق بهم فوراً وبمعيته شقيقته التي أبت أن تتركه وحيداً، غير مبالٍ بما سيترتب على ذلك من نتائج. وبهذا القرار سيضرب الرجل عرض الحائط كل ما يسمى بالتعهدات والإلتزامات التي كان قد قطعها على نفسه لأجهزة الأمن، والتي تقضي بإمتناعه عن ممارسة العمل السياسي وبأي شكل من الأشكال.
وفور إنطلاق المسيرة أو التظاهرة وإذا برجال الأمن السريين ينقضون عليه وبسرعة فائقة وخاطفة، ليقتادوه الى جهة مجهولة. وبذا ستتوقف أو ربما ستنتهي قصة ذلك الرجل المسمى عبدالرحمن وَلِيُفقد أثره مرة أخرى، ولتدخل بعدها شقيقته من جديد في حملة البحث المضني عنه، وليسجل التأريخ وبحروف من ذهب ونور، سيرة ذلك الرجل العطرة.
وبعد أن عادت شقيقته مساء ذلك اليوم الى البيت وحيدة حزينة لا تعرف كي تداوي جرحها النازف إثر إعتقال شقيقها، فقد عثرت على رسالة مكتوبة بخط يد أخيها، وفي مكان بارز من البيت، حتى بدا وكأنه قد تعمَّد وضعها هناك لجذب إنتباهها اليها. موجهة الى صديقه الطيب والعتيد والمغترب دون إرادته، الأستاذ ناظم. وبعد إعادة قراءتها ولمرات عديدة، فقد تبين لها ومن خلالها وكأنه على معرفة وفطنة بما سيحصل له وما سيكون مصيره ومصير البلاد. أمّأ لو سألتم عن فحواها فهذا نصّها:

لا أمن ولا أمان في وطنٍ مزقته الذئاب الحاكمة، فهي لم تتوانَ عن إنتهاج أبشع وأشنع أساليب البطش بحق الشعب وبكراهية مفرطة ومن دون أن تضع لها حدودا. كل ذلك أجل فرض سطوتها وهيمنتها على مقدرات البلاد. أما وكنتَ يا صديقي قد إخترتَ الغربة ملاذاً ومستقراً لكَ الى حين فلا بأس من ذلك، ولكن عليك أن تتذكّرَ وبإستمرار وليتذكر أيضاً معك الآخرون من أخوتنا ممن غادرونا نحو المجهول ولذات الأسباب والدوافع، بأنَّ لكم أخوة هنا، كنتم قد فارقتموهم مُكرهين وهم كما تعرفون ُعزَّلٌ الاّ من القيم النبيلة، ليواجهوا بها مصيرهم وبصدور عارية ونوايا طيبة صادقة. حاملين على أكفهم وأكتافهم تلك المبادئ التي جُبلوا عليها، متصدين لأعتى أشكال أنظمة الحكم وأشدها قسوة وجبروتا. وها هم يبتهلون صباح مساء، راجين لكم والى حين، البقاء والنأي عمّا يلاقونه من ظروف لم يسبق لبلادنا بلاد الخير والمحبة أن شهدت لها مثيلاً. بعيدين عن الذل والمهانة، أعزاء كرماء. لكن وأرجو أن تتذكروا ذلك جيداً ومن شقيق لشقيق: عليكم أن لا تديروا بظهوركم لهم طوال الدهر.
أخي وصديقي الأستاذ ناظم، ربما لم أوفق أو لم أكن دقيقاً في إختيار وإستخدام بعض الكلمات والتعابير، غير أنَّ ما نكابده ونعاني منه لهو أشدٌ مرارة وأكثر ألماً مما خطَّته يدي. وأخيرا سنبقى بإنتظاركم من أجل العمل سوية والخلاص من حكم الطغاة وما ألحقوه ببلادنا من خراب ودمار وما سببوه لشعبنا من كوارث ومآسٍّ.

لك ولأخوتي الأخرين المقيمين في بلاد الغربة، كل الحب والتقدير.

المرسل أخوك عبدالرحمن.
ولكي لا تنسى فأنا أرسلها لك من هنا من مدينتنا التي نُحب.
وبتأريخ ــ ــ ــ ــ ــ ــ .

الرسالة أعلاه كانت ملفتة للإنتباه حقاً لذا تستدعي التوقف عنده والتعليق عليها. فالمرسل هنا أي عبدالرحمن، وعلى الرغم من إزاحة وإسقاط النظام السابق وتغييره بنظام حكم آخر، فسيتم إغتياله على يد حفنة من السفلة، وفي ظل السلطة الجديدة والتي إدعت بتمثيلها للشعب والدفاع عن مصالحه. قيل في حينها وفي تخريجة على ما يبدو لحفظ ماء الوجه إن كان لها وجهاً ناصعاً، بأنَّ عملية الإغتيال هذه قد تمَّت على يد فرقة خاصة مارقة، كانت قد تسللت من خلف الحدود.
وبالعودة من جديد الى فحوى الرسالة فإنَّ عبدالرحمن لم يُشر ولم يضع تأريخا محددا لكتابة رسالته التي هي موضع حديثنا. وعلى أرجح الظن فقد كان متعمدا ذلك، فربما أراد أن يقول فيها ما كان يتوقعه ويحذّر منه، من أنَّ بلادنا وإذا لم تحدث ثورة أو يحصل تغييراً جذرياً يطيح بمنظومة الحكم، فسيبقى يأنٌ تحت سطوة أنظمة فاسدة، ستتعاقب على حكمه، لا تجيد سوى البطش بمعارضيها، متبعة في ذلك أساليب تتراوح بين التخلف والضلالة، حتى وإن تسترت ببعض الشعارات وما ستحاول تسويقه من إدعاءات. والأنكى من ذلك وما يُخشى منه أن تستقوي هذه الأنظمة وعلى مختلف أشكالها بدول وقوى خارجية، ملبية ومستجيبة لرغباتها ومن دون قيد أو شرط. منسجمة مع سياساتها وبدعاوٍ وذرائع شتى. وسيتم كل ذلك على حساب مصالح الشعب والوطن وتأريخه ومستقبله، لقاء حمايتها وبقاءها على عرش السلطة.


السويد ـــ مالمو

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

981 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع