الغرف المظلمة .. حين يكون الفساد وجها للنفاق

 ا.د.طالب عويد الخزرجي

الغرف المظلمة.. حين يكون الفساد وجها للنفاق

قبل ظهور الإنترنت وتقنياته، كانت مهنة التصوير الفوتوغرافي من المهن الرئيسة في العراق، حتى إن بعض المصورين ذاع صيتهم إلى حد جعلهم معروفين لدى كبار المسؤولين ورجالات الدولة، ومنهم المصور أرشاك، المعروف بتصوير الرؤساء. ولم تكن براعة المصور تقتصر على مهارته في التقاط الصورة وفنياتها، بل كانت تمتد إلى ما يجري في غرفته المظلمة darkroom، حيث تُغسل الأفلام وتُحمَّض وتُطبع الصور، ثم تُجرى عليها الرتوش اللازمة لتحسين مظهرها أو إخفاء بعض عيوبها. وسُمّيت هذه الغرفة بالمظلمة لأن معالجة الأفلام التقليدية كانت تتطلب ظروف إضاءة خاصة، بحسب مراحل العمل ونوع المواد المستخدمة، فلا يدخلها عادة إلا المصور أو من يعمل معه. ومع مرور الزمن، غادرت عبارة الغرف المظلمة مجال التصوير لتجد لها مكاناً في عالم السياسة، تعبيراً عن الصفقات والتفاهمات التي تُعقد بعيداً عن الأنظار، وعن قرارات تُصاغ في الخفاء، بينما يُعلَن للناس شيء آخر. وقبل شيوع هذا التعبير، كانت كواليس المسرح استعارة شائعة لما يدور خلف الستار، فما يظهر على خشبة المسرح ليس بالضرورة مطابقاً لما يُدبَّر وراءها. ثم شاع تعبير من تحت الطاولة، في إشارة إلى الصفقات السرية والمساومات التي لا يراد لها أن تُرى أو تُعرف. والطاولة هنا تستدعي صورة المقامرين الذين قد يتظاهرون بالتنافس والعداء، فيما تجمعهم في الخفاء مصالح مشتركة وتفاهمات لا يعلم بها الآخرون. وهكذا قد يتحول الخصام المعلن إلى ستار يخفي التوافق على اقتسام المصالح والمغانم.أما في خطابنا الشعبي المعاصر، فقد عادت عبارة (من جوّه العبّاية) لتُستخدم في وصف ما يُمارَس في الخفاء تحت غطاء الدين أو العشيرة أو المكانة الاجتماعية. وليس المقصود بالعباءة في ذاتها، ولا بمن يرتديها من الرجال أو النساء، وإنما المقصود اتخاذ الرموز الدينية والاجتماعية ستاراً لإخفاء أفعال تتناقض مع القيم التي يُفترض أن تمثلها تلك الرموز.وعلى اختلاف هذه التعبيرات، فإنها تلتقي عند معنى واحد، إخفاء الحقيقة، وإظهار خلافها، واستعمال الظاهر المقبول غطاءا لممارسات لا تُعلن على حقيقتها. وقد تختصر العامية العراقية هذه المفارقة بقولها(ما خفي كان أعظم)، أو( بالسرّ غيرهم بالعلن ). وحين تصبح الأقوال واجهةً تخالفها الأفعال، والمبادئ المعلنة وسيلةً لتحقيق المصالح الخاصة، فإننا نكون أمام صورة واضحة من صور النفاق العملي. وللنفاق في المنظور الإسلامي خطورته البالغة، فقد حذّر القرآن الكريم من المنافقين وبيّن صفاتهم وعاقبة أمرهم في سور عدة، منها سورة المنافقون وسورة التوبة وسورة النساء وسورة الأحزاب، فضلاً عن آيات أخرى تناولت أحوالهم ومواقفهم . كما حذّرت أحاديث نبوية شريفة من صفات ترتبط بالنفاق، منها الكذب وإخلاف الوعد والخيانة والفجور في الخصومة. وتعبّر عاميتنا عن ازدواجية السلوك بقولها، ذو وجهين، وجه لك ووجه عليك بآنٍ واحد. غير أن من الضروري التمييز بين النفاق الاعتقادي، الذي يتصل بإظهار الإيمان وإبطان خلافه، والنفاق العملي الذي يتمثل في سلوكيات كالكذب والخيانة وإخلاف الوعد. فليس كل فساد أو رشوة دليلاً بمفرده على النفاق الاعتقادي، وإن كان اجتماع هذه الممارسات مع الخداع والتظاهر بالصلاح يكشف تناقضاً أخلاقياً خطيراً.وحين تتفشى الرشوة والفساد وتُستباح الأمانة، وتصبح القيم ستاراً للمصالح، لا يعود الضرر مقتصراً على فرد أو مؤسسة، بل يمتد إلى ثقة الناس بعضهم ببعض، وإلى هيبة القانون، وكفاءة مؤسسات الدولة، ومستقبل المجتمع والوطن. فالنفاق يهدم الثقة من الداخل، والفساد يستنزف الموارد والحقوق من الخارج، وقد يتعاضدان حتى تصبح معالجتهما أكثر صعوبة.إن أخطر ما في الغرف المظلمة ليس الظلام نفسه، بل ما يُراد له أن يبقى مستوراً فيها، وأخطر ما في كواليس السياسة ليس ما يجري خلف الستار فحسب، بل أن يتحول الستار إلى وسيلة لخداع الناس، وأن يصبح ما يُقال في العلن نقيضاً لما يُفعل في الخفاء. عندها لا يكون الفساد مجرد تجاوز للقانون، بل انهياراً في منظومة القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه وللوطن كرامته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

888 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع