
أ. د. سعد ناجي جواد
ما هكذا تُوردُ الإبلُ يا سيادة رئيس وزراء العراق
الأمثال العربية تحمل معاني جميلة، وهي كما يقال تُضرَب ولا تُقاس، ولكنها تبقى ذات دلالة وتأثير عميقين عندما تُضرب في الوقت المناسب. من هذه الأمثال تذكرت اليوم المثل المصري الشهير (قالوا للحرامي احلف قال جاءك الفرج).
وما ذكرني بهذا المثل هو فيديو قصير تم تداوله على وسائل التواصل ظهر فيه السيد رئيس وزراء العراق علي الزيدي وهو يطلب من وزراءه، قبل بدء اول جلسة لحكومته الجديدة – التي اكتملت بعد جهد جهيد- البقاء واقفين وترديد قسم مطول بعده وأيديهم على المصحف الشريف، اُثَبِتُهُ كما جاء على لسان السيد الزيدي: “اُقسًم بالله العلي العظيم ان لا أعمل لحزب او طائفة او قومية او عشيرة على حساب العراق، ولا افرط بحق من حقوق العراقيين لأي جهة في الداخل او الخارج، والتزم الدستور والقانون ولا أجامل احد على حساب مصلحة المواطن، ولا امد يدي على المال العام ولا اسكت على من ينتهك حرمتها، ولا اقبل اي هدية او منفعة مالية او عينية بسبب منصبي، ولا استغل موقعي لنفسي او لأهلي او لمن يعنيني امره، فان خنت هذا القسم فالله خصمي، والشعب والقانون حكمي، والله على ما اقول شهيد”.
طبعا هذا القَسم الاضافي هو قَسمٌ ثاني بعد ذلك الذي أداه الوزراء في البرلمان حين جرى تكليفهم بمناصبهم الوزارية.
هناك عدة ملاحظات لابد وان تسجل على هذه الممارسة المُستحدثة:
ـ أولا: ان جميع الوزراء الذين اختارهم السيد الزيدي هم من مرشحي الاحزاب والتكتلات وان ولائهم يظل لتلك الجهات، ومن غير المعقول ان يقوموا بالتخلي عن من رشحهم. ثم ان السيد رئيس الوزراء يعرف قبل غيره ان قسما من الوزراء كانوا قد اجبروا مسبقا من قبل قادة الكتل الذين رشحوهم على حلف يمين غليظة على القران الكريم ايضا على يكونوا في خدمة من رشحهم، ووثقوا ذلك بالصوت والصورة! فيكف يعتقد السيد رئيس الوزراء بان هذه النماذج ستلتزم بما أقسمت عليه؟ واي قسم سيبرون به؟ القَسم الذي أدوه أمامه ام ذلك الذي أدوه امام رئيس الكتلة الذي رشحهم؟
ـ ثانيا: وبمفهوم المخالفة القانوني المعروف، فان ما جرى يُثبت ان رئيس الوزراء يعلم، بل ويعترف مسبقا وبصورة غير مباشرة، ان كل الامور التي طلب من الوزراء الجدد التعهد بها وأيديهم على المصحف الشريف موجودة فيهم، وانه عاجز عن ردعهم بالقانون، واراد او حاول ان يردعهم بتخويفهم من عقاب الهي. وبالفعل فلقد قال لهم بعد ان فرغ من ترديد اليمين، انه الان رفع الامر من محكمة الارض إلى محكمة السماء وإلى حكم الله تعالى. وبالتأكيد هو يعلم جيدا ان هذا العقاب الإلهي لم يردع الكثيرين منهم في السابق. ويعلم اكثر ان اصحاب العمائم دأبوا على تبرير سرقاتهم بأساليب مختلفة وفتاوى مُختَلقَة، واصلا ان غالبيتهم تؤكد ان اي قَسم يمكن ان يُحنث بكفارة. (في تجربة شخصية قام احد العمال الذين يعملون في متجر والدي بالحلف على قران في المكتب، ببراءته من سرقة ارتكبها، وكان يدعي انه سيد وجده رسول الله، وبعد ايام جاءني صديق له وطلب مني المصحف لكي يقرأ فيه، قلت له تفضل، اخذ المصحف وهم بالخروج، قلت له اين انت ذاهب، اقرأ فيه هنا فان احتاجه بعد كل صلاة، قال لا دكتور لا اريد ان اقرأ فيه، لكن السيد (العامل الذي يعمل عندنا) اضطر إلى حلف يمين كاذب على هذا المصحف، ونصحه احد المعممين ان يأتي بالمصحف ويزنه في ميزان بأوراق نقدية يقوم بتوزيعها على الفقراء وبذلك يكون في حل من اليمين الذي حلفه)، وهذا المبدأ مازال ساريا عند بعضهم. ولا ننس ان الكثير منهم اعتبروا ولا يزالوا يعتبرون ان ما يجنوه من السحت الحرام هو ليس سرقة وإنما (اخذ مال مجهول المالك)، فكيف يريد بهذا القسم البسيط ان ينهاهم عن هذا التصرف المُشين؟
ـ ثالثا: كان الأجدر بالسيد رئيس الوزراء، بدل من الطلب من أعضاء حكومته حلف يمين غير ملزم، ان لا يختار أصلا الاشخاص الذين ثبت بما لا يقبل الشك انهم اغتنوا من سرقة المال العام بعد ان كانوا معدمين، او اولئك الذين جعلوا وزاراتهم ومواردها في خدمة احزابهم وأنفسهم وعوائلهم، او على الاقل اولئك الذين توجد عليهم ملفات فساد كبيرة وواضحة ولا تحتاج سوى اصدار امر قضائي بحبسهم، وهناك عدد غير قليل منهم في الوزارة الحالية، بل ونواب لرئيس الوزراء.
ـ رابعا: ان السيد رئيس الوزراء لم يلاحظ ان بعض الوزراء لم يرددوا القسم بعده، وآخرين لم يضعوا يدهم على كتاب الله الذي أمامهم أصلا، وإنما وضعوا راس اصبع واحد، او رفعوا أيديهم فوق المصحف، (وهذا أسلوب اتبعه قبلهم احد نواب رئيس الوزراء من الاكراد عندما كان يؤدي اليمين الدستورية الذي ينص على الحفاظ على وحدة البلاد!)، الامر المؤسف حقا ان هذه النماذج لا تعلم او تدرك ان العبرة هي ليست بوضع اليد على المصحف وإنما بالتعهد الذي يردّدونه علنا والذي يُفترض ان يخاطب ضمائرهم ونفوسهم. ثم من قال ان اليمين يمكن ان يردع من ينوي السرقة والخيانة؟ القران الكريم نفسه اعطانا نموذجا على الذين كانوا يحلفون بأغلظ الإيمان كذبا ونفاقا: “وأقسموا بالله جهد أيمانهم” وكانوا كاذبين، وهذا الأمر حصل مع رسول الله ﷺ، فكيف يتوقع السيد الزيدي ان هولاء سيبرون بقسمهم له.
لقد وعدنا السيد رئيس الوزراء منذ تسنم منصبه في مايس/مايو الماضي ان يحارب الفساد، وقال انه مستعد ان يضحي بنفسه من اجل هذا الهدف، وشن حملة (او صولة) افرحت العراقيين في وقتها، تم بموجبها إلقاء القبض على بعض الفاسدين، وتوقف الأمر عند ذلك الحد. ولحد الان، وبعد مرور اكثر من أربعة اشهر لم نشهد اية محاكمة علنية او صدور اي احكام بحق الذين القي القبض عليهم. لا بل ان ما هو أدهى وأمر فلقد اشيع، مع قدر كبير من الصحة، ان بعض الوزراء الذين تم اختيارهم في الوزارة الحالية تم ترشيحهم من قادة كتل سياسية هم رهن الاعتقال بتهم فساد كبيرة! أضف إلى ذلك ان السيد رئيس الوزراء اصطحب معه وزيرا فاسدا في زيارته للولايات المتحدة، كانت الامم المتحدة قد ادانت تصرفه وعاقبت مجموعة من موظفيها بسبب حالة الفساد التي شارك فيها وسجلت على الوزارة التي كان يشغلها في عام 2014.
وأخيرًا يا سيادة رئيس الوزراء مع كل الاحترام للمنصب الذي تشغله، ان الفساد لا يحارب بحلف الأيمَان حتى وان كانت غليظة، ولكن بالردع وتنفيذ القانون. وان من يحلف بأغلظ الإيمان إنما يعطي دليل على كذبه. وكما قال شاعرنا العربي الكبير ابو الطيب المتنبي :
عُقبى اليَمينِ عَلى عُقبى الوَغى نَدَمُ
ماذا يَزيدُكَ في إِقدامِكَ القَسَمُ
وَفي اليَمينِ عَلى ما أَنتَ واعِدُهُ
ما دَلَّ أَنَّكَ في الميعادِ مُتَّهَمُ
او كما قال شاعرنا الكبير ابو العلاء المعري في نصحه لمن يصرون على حلف اليمين:
لا تَحلِفَنَّ عَلى صِدقٍ وَلا كِذبٍ
فَإِن أَبَيتَ فَعَدِّ الحَلفَ بِاللَهِ
(اي اترك ذكر الله في يمينك)

947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع