الدعوة إلى المظاهرات وشرط القيادة

د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي

الدعوة إلى المظاهرات وشرط القيادة

لم تعد المقابر حكرًا على الأموات في بلادي، فكل الأحياء في العراق صاروا أمواتًا ينتظرون دورهم في كفن الغدر والاعتقال أو سياط الجوع.
من رحم هذا الموت الممنهج، ومن عمق الوجع المتأصل في عروق دجلة والفرات، تنهض إرادة شعب أتقن صياغة الحياة من قلب الفناء.

لقـد روى العراقيـون تـراب أرضهـم بالدمـاء قاطبـة، وزلزلـت ثوراتهـم عـروش الطغاة منذ الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي حتى يوم الناس هذا، لكـن الحقيقـة العاريـة التـي يجـب أن نعلنهـا بـلا خجل أو مـواربة هـي أن تندفـع الجمـاهير إلـى الشـوارع بـلا قيـادة موحـدة، فـإن ذلك انتحـار جمـاعي يقـدّم دماء الشـهداء قـرباناً لبقـاء القتلة كما حصل في ثورة تشرين العظيمة.

إن العفوية في مواجهة رصاص الغدر الإيراني وأذنابه ليست إلا تبديدًا وزهقًا للأرواح، فالحراك بلا رأس يتحول إلى وليمة سائغة يركب موجتها الانتهازيون، وتسرقها قوى الظلام والعمالة.
وهناك أمثلة وشواهد كثيرة في العالم عبر التاريخ على فشل الثورات بلا قيادة، كالثورة الإيرانية عام 1979، عندما خرج الشعب الإيراني بمختلف أطيافه الليبرالية واليسارية والقومية والعمالية ضد استبداد الشاه.
ولكن غياب قيادة موحدة وتنسيقية لهذه النخب سمح لتيار الخميني المتطرف (وبدعم غربي، خصوصًا من قبل أمريكا وفرنسا) باختطاف الثورة، وتجيير نصر الجماهير لصالحه، وإقامة نظام ثيوقراطي قمعي فاق في ظلمه عهد الشاه، ليتخلص لاحقًا من كل الشركاء الذين صنعوا الثورة.
وكذلك الثورة الفرنسية (مرحلة اليعاقبة عام 1793)، وقد بدأت كحراك شعبي عارم للمطالبة بالحرية والعدالة وانتشال المجتمع من غائلة الجوع، لكن غياب قيادة رشيدة متفق عليها في بعض مراحلها أفسح المجال لتيارات متطرفة (بقيادة روبسبير) لركوب الموجة، وإدخال فرنسا في نفق «عهد الإرهاب» والمقاصل، مما أحبط آمال الشعب لسنوات طويلة بعدها.
ولنا شاهدٌ معاصرٌ، عشناه جميعًا، وهي ثورات "الربيع العربي" (نموذج مصر وتونس 2011 واليمن، باستثناء سوريا التي تحررت على أيدي أبنائها بعد أن دفعت أثمانًا باهظة لن تُنسى لقرون قادمة)، وكلنا نتذكر جيدًا كيف انطلقت المظاهرات الشبابية بشكل شعبوي وشبه عفوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ودون قيادات بارزة.
هذا الغياب للقيادة الموحدة جعل الثورات لقمة سائغة ابتُلِعت بسهولة من أطراف لا تمثل آمال وتطلعات الجماهير، ففي مصر ركبت جماعات (الإخوان المسلمين) المنظمة جداً الموجة للوصول إلى الحكم، وأدخلت مصر في أتون كوارث لا تزال ترزح تحت تأثيراتها المتشعبة، وفي تونس تشتتت جهود القوى المدنية، مما فتح الباب لاحقاً لتدخلات ومحاور خارجية (إقليمية ودولية) وجهت مسار الأحداث بما يخدم مصالحها، ونصّبت قوى لا علاقة لها بأهداف الميادين الأصلية.
أما اليمن، فيكفينا شاهدًا هيمنةُ إيران عليها من خلال الحوثيين والانقسامات والصراعات البينية.
هكذا تفجّر "الربيع العربي" عفوياً، فتحولت الميادين المنسية إلى صفقات تُدار في الغرف المغلقة، ونصبت حكاماً لا صلة لهم بوجع الناس.
التاريخ لا يرحم العفوية، والقرآن الكريم حسمها كقانون إلهي ثابت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
إن ضرورة الثورة في العراق اليوم ليست خيار المترفين، بل هي فريضة وطنية ووجودية يفرضها واقع كارثي مرير، واقع يئن تحت وطأة منظومة الفساد وتغوّل الميليشيات الإرهابية التي خيّم ليلها المظلم على سماء العراق، وخنق حاضر شعبه، وسرق مستقبل أبنائه، وحوّلت بلداً بنصف موازنات الأمة العربية إلى ساحة للجوع الممنهج، وأرصفة تضيق بصرخات الخريجين والشباب المعطلين عن الحياة.

الثورة هي السبيل الوحيد لإنقاذ مئات الآلاف من المعتقلين المغيبين في دهاليز السجون المظلمة، الذين يُعدَمون ويُغتالون ويموتون جوعاً تحت وطأة تعذيب فاق إجرام سابور ذي الأكتاف، في ظل صمت محلي وإقليمي ودولي مخزٍ، وعالم تجاهل مأساتهم وكأنهم لا بواكي لهم.

لقد أصبحت الثورة ضرورة قصوى لقطع أذرع التبعية، واستعادة الهوية المنهوبة، ليكون العراق للعراقيين، وليس لحثالات الأرض وميليشيات إيران وتدخلات كل من هب ودب.

إن كسر هذه الحلقة المفرغة يحتاج اليوم إلى تلاحم تاريخي فريد، يقوده عنفوان الشباب الواعي، الوطني، والمقاوم، وفي مقدمتهم شباب البعث المناضلون وحرائر العراق الأبيّات الذين تمثلوا المبدأ العظيم للرئيس الشهيد القائد صدام حسين: "إن القيادة الحقيقية هي التي تتقدم الصفوف في التضحية وتتأخر في المغنم"، فصار شعارهم الأسمى: "أول من يضحي وآخر من يستفيد"، ليكون صمام أمان أخلاقي يطهر الثورة من لوثة الكراسي والمناصب.
هذه الاندفاعة الجماهيرية الشجاعة تحتاج إلى سند من الحكمة ورجاحة السياسة، وهنا تبرز الأهمية القصوى للالتفاف حول القامات الوطنية السامقة ورجالات الدولة الأحرار الشرفاء الذين أثبتت الأيام عظيم وفائهم وعمق تجربتهم ونزاهتهم، أمثال الدكتور ناجي صبري الحديثي ومحمد مهدي صالح ومحمود ذياب الأحمد وسمير الشيخلي والدكتورة هدى صالح مهدي عماش، بشموخها وبسالتها، وغيرهم من الوطنيين المخلصين، وهم كُثُرْ.

إن دمج حيوية الميدان بخبرة هذه النخب وعلاقاتها الدولية الرصينة هو الكفيل بصياغة قيادة وطنية موحدة ومشتركة تولد من رحم ساحات الكرامة، لا تلهث خلف السلطة بل تفرضها مواقف الشرف والشجاعة.
وهذا الميدان ياحميدان؟!!...

إن تنظيم الصفوف، ورسم مسارات المواجهة، ووضع الغايات والأهداف السياسية الواضحة المسنودة بالخبرة، هو البوصلة الوحيدة التي ستطرد ساسة الصدفة والتبعية، وتقطع دابر المحتل وأعوانه، ليعود العراق عظيماً، وتتحول دماء شهدائه الأبرار من دمعة حزن إلى فجر خلاص.
بناءً على كل ما تقدم، فإن شرط القيادة هو الضمانة الوحيدة لنجاح الثورة وجني ثمارها، ونحن هنا كعراقيين نضع كل من يتصدى لشرف القيادة، مهما كان اسمه أو عنوانه ومكانته، أمام واجب الوطنية والنزاهة والتضحية والشجاعة العربية والانتماء الحقيقي المطلق، وبعد اليوم لا عذر لمعتذر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

868 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع