ذاكرة الفن الكوردي في صوت عصمت هورو وحسن خليل

الأستاذ الدكتور قاسم المندلاوي

ذاكرة الفن الكوردي في صوت عصمت هورو وحسن خليل

ليست عفرين أرض الزيتون والجبال والقرى الجميلة فحسب ، بل هي أيضًا أرض غنية بالتراث والفلكلور والموسيقى والغناء ، أنجبت عبر عقود أسماءً فنية أسهمت في حفظ الأغنية الكوردية ونقلها من جيل إلى آخر

وفي الذاكرة الفنية لعفرين ، تبرز أسماء كثيرة تستحق أن تُروى سيرتها وأن تُحفظ أعمالها من النسيان ، ومن بين هذه الأسماء الفنان الراحل ( عصمت هورو ) و الفنان ( حسن خليل ) الفنانان ترك كل منهما بصمته الخاصة في مسيرة الفن والموسيقى الكوردية .

إن الحديث عنهما ليس مجرد استذكار لسيرتين فنيتين ، بل هو محاولة لتوثيق جزء من الذاكرة الثقافية والفنية لمنطقة عفرين ، وتكريم أصوات وألحان رافقت أجيالًا من أبناء المنطقة والمهتمين بالفن الكوردي

عصمت هورو .. البزق الذي حمل صوت عفرين

وُلد الفنان الراحل عصمت هورو عام 1958 في قرية ( ترمشكي ) التابعة لمنطقة عفرين . نشأ في ظروف بسيطة ، وعمل في مهنة الخياطة ، حيث امتلك محلًا خاصًا به ، إلا أن العمل من أجل تأمين لقمة العيش لم يستطع أن يطفئ شغفه بالموسيقى .

فمنذ سن الثانية عشرة بدأ مشواره الفني بالعزف على آلة البزق ، في زمن لم تكن فيه الموسيقى تحظى بالاهتمام الكافي ، ولم تكن الظروف الاجتماعية والمادية مهيأة بسهولة أمام الراغبين في احتراف الفن .

انتقل مع عائلته إلى مدينة حلب ، وهناك بدأت مرحلة جديدة في حياته الفنية . وفي عام 1970 اشترى له والده آلة البزق ، فكانت تلك الآلة رفيقة دربه وأداة التعبير عن موهبته وشغفه بالموسيقى . أخذ يتعلم العزف والمقامات ، ويطور قدراته الفنية تدريجيًا .

وكان لسكنه في أحد الأحياء التي يقطنها الأرمن أثر خاص في حياته ، إذ تعلم اللغة الأرمنية ، وأصبحت حفلاته مساحة يلتقي فيها الأرمن والكورد ، في صورة جميلة تعكس قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود واللغات والهويات الضيقة .

من حلب إلى لبنان .. رحلة مع كبار الفنانين

شارك عصمت هورو في حفلات إلى جانب عدد من الفنانين المعروفين ، ومن بينهم نوري إسكندر كما التقى في لبنان بفنانين كورد بارزين ، أمثال سعيد يوسف ، ومحمد شيخو ، ومحمد عزيز ، وشارك معهم في حفلات أقيمت في المدن والأرياف .

كما تعاون وشارك فنيًا مع عدد من الفنانين الكورد ، ومنهم جميل هورو ، وعبد الرحمن أحمد ، وعدنان دلبرين ، وجيكر رش ، وعلي تجو وغيرهم .

ورغم انشغاله بمهنة الخياطة وصعوبة الحياة ومتطلبات المعيشة ، ظل الفن حاضرًا في حياته . كان يعزف ألحانًا لمطربين كورد ، أمثال محمد عارف جزراوي ، وتحسين طه ، وجميل هورو ، كما كان يشارك في الأعراس والحفلات عازفًا على آلة البزق .

ومع مرور السنوات ، لم يعد الفن مجرد هواية إلى جانب المهنة ، بل أصبح جزءًا أساسيًا من حياته ووجدانه ، ولعل إحدى العبارات التي تلخص فلسفته الفنية قوله :

( الفن حب ، وإذا لم تحب الفن فلا تستطيع أن تتقنه ) .

وهي عبارة تختصر تجربة فنان عاش الموسيقى بشغف ، ولم يتعامل معها بوصفها مهنة فحسب ، وإنما بوصفها حبًا ورسالة ووسيلة للتعبير .

حضور خارج الوطن

تجاوز نشاط عصمت هورو حدود سوريا ، فأحيا حفلات في اليونان وروسيا وإيران ويريفان في أرمينيا ولبنان وأوكرانيا ، ليصل صوته وعزفه إلى جمهور واسع من محبي الفن الكوردي .

ومن اغانيه ( دلو بسه ) و ( جه شيرينه ) و ( أبزناته ) و ( كه جه بيزه توكيه ) و غيرها من الاعمال التي بقيت حاضرة في الذاكرة الفنية ، ومن أشهر أغان الذي يعد ( دلو باسه ) ومن ابرز الاعمال المميزة في مسيرته الفنية ، ما تركه أرشيفه الفني التسجيل الذي أنجز في اليونان عام 1989، إلى جانب ألبوم .

وفي التاسع من آب/ عام 2010 ، غاب عصمت هورو عن عالمنا ، ودُفن في مقبرة ( زيارة حنان ) الواقعة في كفر جنة ، على طريق عفرين – حلب

رحل الفنان ، لكن صوته وألحانه وعزفه بقيت شاهدة على مرحلة من تاريخ الأغنية والموسيقى الكوردية ،

ولعل من المؤسف أن فنانًا قدم هذا العطاء لم ينل من التكريم ما يتناسب مع مكانته وإسهامه ، شأنه شأن عدد من الفنانين الكورد الذين رحلوا دون أن يحظوا بما يستحقونه من احتفاء وتقدير .

رحم الله عصمت هورو ، وجعل فنه وإرثه الموسيقي شاهدًا على زمن جميل من ذاكرة عفرين

 

حسن خليل .. حين يلتقي الفكر بالفن

الفنان حسن خليل : فهو صوت آخر من أصوات عفرين ، جمع في تجربته بين الغناء والموسيقى والثقافة والعمل النقابي والاهتمام بالشأن العام .

ولد عام 1969 في قرية ( كاوندة ) بمنطقة عفرين ، ونشأ في عائلة فلاحية فقيرة . أكمل دراسته الابتدائية حتى الصف الخامس في قريته ، ثم انتقل إلى مدينة حلب لمتابعة تعليمه ، فالتحق بالمعهد المتوسط الهندسي للخطوط الحديدية ، وتخرج عام 1989 ، ثم عين في مؤسسة الخطوط الحديدية ، لكن الحياة المهنية لم تمنعه من مواصلة اهتمامه بالثقافة و الفكر و الفن ..

من القراءة إلى الأغنية

في شبابه انتسب حسن خليل إلى اتحاد الشباب الديمقراطي ، وهي منظمة رديفة للحزب الشيوعي السوري ، ويذكر أن تلك المرحلة أسهمت في ترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية لديه ، وفي تعزيز اهتمامه بقضايا الشعوب المضطهدة والجماهير الكادحة .

وكانت القراءة جزءًا مهمًا من حياته ، فبدأ بقراءة الروايات العالمية ، ثم اتجه إلى الكتب الماركسية ومؤلفات لينين ، وتابع الصحافة الرسمية ، وخاصة جريدة تشرين ، إلى جانب الصحافة الحزبية وبعض الدوريات التي كانت تصدر عن الأحزاب الكوردية ،

وبعد مشاركته في دورة لتعلم اللغة الكوردية مع مجموعة من الرفاق ، بدأ بقراءة ما تيسر له من الكتب الكوردية ، ولا سيما الدواوين الشعرية ، ومن بينها دواوين الشاعر جكرخوين وغيره ،

وهكذا تداخلت الثقافة مع الفن في تجربته ، وأصبح الغناء بالنسبة إليه امتدادًا لعالم أوسع من القراءة والفكر والوعي .

يقول حسن خليل إنه منذ صغره كان مولعًا بالاستماع إلى الموسيقى والأغاني ، وتأثر بعدد من كبار الفنانين الكورد ، ومنهم شفان برور ، وكلستان ، ومحمد شيخو، وفقيه تيرا، وعيسى برواري، وجميل هورو وغيرهم

كما تأثر بعدد من عمالقة الفن العربي ، وفي مقدمتهم عبد الحليم حافظ، وفيروز ، ومرسيل خليفة ، وزياد الرحباني وغيرهم .

وهذا التنوع في مصادر انعكس لاحقا على تجربته الفنية واسلوبه في الغناء .

وفي نهاية الثمانينيات و بطلب من كادرها الفني انضم إلى فرقة ( كوما نوجين ) ، وهناك تعلم أصول الغناء ، وبدأت موهبته بالتطور بصورة أكثر وضوحًا ، كما شارك في ألبومين للفرقة .

وفي عام 2005 أصدر ألبومًا غنائيًا بشكل منفرد ، ليبدأ مرحلة جديدة في مسيرته الفنية الخاصة .

وشارك في أغنية ( تيريج عفرين ) كما اصدر( فيديو كليب ) عدد 2 إضافة الى مشاركته في عشرات المهرجانات الجماهيرية والفعاليات في المناسبات الوطنية والعمالية ،

وشملت مشاركاته مدنًا ومناطق عدة ، منها حلب وعفرين وكوباني ودمشق وإدلب واللاذقية وحماة كما شارك في مهرجان عيد نوروز عامي 1989 و 1990 في حلب ومهرجان السنوي لعيد صحيفة ( نضال الشعب ) في ملعب تشرين بدمشق .

الفن ذاكرة لا تموت

إن مسيرة الفنانين عصمت هورو وحسن خليل تمثل جانبًا من الحضور الفني والثقافي لعفرين ، وتكشف عن أجيال من الفنانين الذين حملوا الأغنية الكوردية ، وحافظوا على الفلكلور، وأسهموا في إغناء الذاكرة الموسيقية .

فالفن ليس مجرد أغانٍ تُسمع ثم تُنسى ، إنه ذاكرة الشعوب ، وحكاية المكان ، وصوت الإنسان في أفراحه وأحزانه ، وهو الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر ويحفظ للأجيال القادمة شيئًا من ملامح حياتها وتراثها .

ومن هنا تأتي أهمية توثيق سير الفنانين ، وخاصة أولئك الذين قدموا عطاءهم في ظروف صعبة ، بعيدًا عن الأضواء والتكريم الذي يستحقونه .

رحم الله الفنان عصمت هورو .. وأطال الله في عمر الفنان حسن خليل ، ومنحه المزيد من الصحة والعطاء والإبداع .

ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء الفنانين هو أن نحفظ أسماءهم وأعمالهم ، وأن نروي قصصهم للأجيال القادمة ، لأن الأغنية التي تحفظ ذاكرة شعب لا تموت ، والفنان الذي يخدم ثقافة شعبه يبقى حيًا في وجدان ذلك الشعب .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

816 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع