
د. عصام البرّام
أيّ تربية نريد في مجتمع متغير ثقافيًا؟
لم يعد السؤال التربوي في عالمنا العربي سؤالا تقنيا يتعلق بالمناهج والامتحانات وأساليب التقويم فحسب بل أصبح سؤالا وجوديا يمس صورة الإنسان الذي نريد تكوينه في ظل تحولات ثقافية عميقة ومتسارعة. فنحن نعيش زمنا تتداخل فيه المرجعيات وتتقاطع فيه الهويات وتتجاور فيه أنماط عيش وقيم كانت تبدو إلى وقت قريب متباعدة أو متناقضة. في هذا السياق لم تعد المدرسة مجرد فضاء لنقل المعارف بل أضحت ساحة تتفاعل فيها تيارات فكرية وإعلامية ورقمية تعيد تشكيل وعي الناشئة بطرق لم تعهدها الأجيال السابقة. لذلك فإن أي حديث عن التربية اليوم ينبغي أن ينطلق من فهم هذا التحول الثقافي لا من الحنين إلى نماذج ماضية لم تعد قادرة على الاستجابة لتعقيدات الحاضر.
لقد كان النموذج التربوي التقليدي في مجتمعاتنا يقوم إلى حد بعيد على فكرة الضبط والامتثال وترسيخ منظومة قيم شبه ثابتة تنقل من جيل إلى جيل بوصفها حقائق مكتملة. غير أن الانفتاح الإعلامي وثورة الاتصال وتنامي دور المنصات الرقمية جعلت الطفل والمراهق يتعرضان منذ سن مبكرة لخطابات متعددة ومتناقضة أحيانا حول الهوية والدين والجندر والنجاح وأنماط الحياة. ولم يعد في مقدور الأسرة أو المدرسة احتكار مصادر المعرفة أو التحكم في مسارات التأثير. من هنا يصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من تربية تقوم على الحفظ والتلقين إلى تربية تؤسس على الفهم والنقد والقدرة على الاختيار الواعي.
إن المجتمع المتغير ثقافيا لا يعني بالضرورة مجتمعا فاقدا للثوابت بل يعني مجتمعا يعيد التفاوض حولها باستمرار. وهذا يفرض على التربية أن تكون جسرا بين الأصالة والتجديد لا ساحة صراع بينهما. فليس المطلوب إلغاء التراث أو القطيعة معه وإنما قراءته قراءة تاريخية نقدية تسمح باستخلاص قيمه الإنسانية الكبرى مثل العدالة والتضامن والكرامة وربطها بسياقات معاصرة. التربية التي نريد هي تلك التي تمنح المتعلم أدوات فهم ماضيه من دون أن تسجنه فيه وتفتح أمامه آفاق المستقبل من دون أن تقتلع جذوره.
وفي مجتمع تتعدد فيه الانتماءات الفرعية وتتقاطع فيه التأثيرات المحلية والعالمية تصبح مسألة الهوية في قلب المشروع التربوي. فالشاب الذي يتابع محتوى عالميا ويتفاعل بلغات مختلفة ويعيش في بيئة اجتماعية متغيرة يحتاج إلى إطار مرن للهوية يسمح له بالتفاعل الإيجابي مع الآخر من دون شعور بالتهديد أو الذوبان. التربية هنا مطالبة بتعزيز قيم الحوار والتسامح وقبول الاختلاف لا بوصفها شعارات بل كممارسات يومية داخل الفصل الدراسي وفي الأنشطة المدرسية. عندما يتعلم الطفل كيف يصغي لوجهة نظر مخالفة وكيف يناقشها بالحجة لا بالانفعال فإنه يكتسب مهارة مواطنية أساسية في مجتمع تعددي.
ومن أهم سمات التحول الثقافي الراهن صعود الثقافة الرقمية بما تحمله من فرص ومخاطر. فالفضاء الافتراضي أتاح إمكانات هائلة للتعلم الذاتي والوصول إلى مصادر المعرفة لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية وثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة. لذلك فإن التربية المنشودة يجب أن تدمج التربية الإعلامية والرقمية في صلب مناهجها بحيث يتعلم المتعلم كيف يتحقق من المصادر وكيف يحلل الرسائل المبطنة في الصور والإعلانات وكيف يدير حضوره الرقمي بوعي ومسؤولية. إن الأمية اليوم لم تعد أمية قراءة وكتابة فقط بل أصبحت أيضا أمية رقمية ونقدية.
كما أن المجتمع المتغير ثقافيا يشهد تحولات في بنية الأسرة وأدوارها. فقد دخلت المرأة بقوة إلى سوق العمل وتغيرت أنماط التنشئة وقلت المساحات المشتركة بين أفراد العائلة بفعل إيقاع الحياة السريع. وهذا يفرض على المدرسة أن تضطلع بدور تكميلي لا تعويضي، أي أن تتعاون مع الأسرة في بناء شخصية متوازنة لا أن تحل محلها. التربية التي نريد هي شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني تقوم على وضوح الأهداف وتكامل الأدوار. فالقيم لا تُغرس بالمواعظ فقط بل بالقدوة والممارسة اليومية.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في صياغة الرؤية التربوية. فالعالم يشهد تحولا نحو اقتصاد المعرفة والمهارات العالية، ما يعني أن الاكتفاء بتخريج حفظة معلومات لم يعد مجديا. نحن بحاجة إلى تربية تنمي مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي والابتكار. غير أن التركيز على المهارات لا ينبغي أن يكون على حساب البعد الأخلاقي والإنساني. فالمجتمع المتغير يحتاج إلى كفاءات مهنية لكنه يحتاج أيضا إلى ضمير حي يوجه هذه الكفاءات نحو خدمة الصالح العام. من هنا فإن إدماج التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والعمل التطوعي يصبح جزءا لا يتجزأ من المشروع التربوي.
ثم إن سؤال اللغة يطرح نفسه بقوة في سياق التغير الثقافي. فالازدواجية اللغوية أو التعدد اللغوي في كثير من البلدان العربية يخلق تحديات وفرصا في آن واحد. التربية التي نريدها هي تلك التي تعزز إتقان اللغة الأم بوصفها حاملة للهوية والثقافة وفي الوقت نفسه تفتح المجال لتعلم لغات أجنبية بوصفها أدوات تواصل وانفتاح على العالم. إن الصراع المصطنع بين اللغات لا يخدم المتعلم بل يربكه، بينما يمكن تحويل التعدد اللغوي إلى ثراء معرفي وثقافي إذا أُحسن تدبيره.
وفي خضم هذه التحولات تبقى مسألة العدالة التربوية مركزية. فالمجتمع المتغير قد يعمق الفوارق بين من يملك الوصول إلى تعليم جيد وتقنيات حديثة ومن يفتقر إلى ذلك. لذلك فإن أي رؤية تربوية مستقبلية ينبغي أن تضع في أولوياتها تقليص الفجوات بين المناطق الحضرية والريفية وبين المدارس العمومية والخاصة. فالتربية ليست امتيازا لفئة بل حقا أساسيا يحدد مسار التنمية برمتها. وإذا لم نضمن تكافؤ الفرص فإن الحديث عن التغيير الثقافي سيظل حديثا عن انقسام ثقافي أيضا.
إن التربية التي نريد في مجتمع متغير ثقافيا هي تربية إنسانية في جوهرها، ترى في المتعلم ذاتا قادرة على التفكير والاختيار لا وعاء فارغا يُملأ بالمعلومات. هي تربية تعترف بالتعدد وتدير الاختلاف بدل أن تخشاه، وتربط بين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية. وهي أيضا تربية تتجدد باستمرار، تخضع للتقييم والمراجعة، ولا تعتبر مناهجها نصوصا مقدسة بل مشاريع قابلة للتطوير.
من هنا، لا يمكن فصل سؤال التربية عن سؤال المشروع المجتمعي الأشمل. فالتربية مرآة لطموحاتنا الجماعية وصورتنا عن المستقبل. وإذا كنا نريد مجتمعا متماسكا ومنفتحا في آن واحد، معتزا بهويته وقادرا على التفاعل مع العالم، فإن الطريق يمر عبر مدرسة تعلّم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، كيف يتحاورون لا كيف يقصون، وكيف يبنون عالما أكثر عدلا وإنسانية في ظل تغير ثقافي لا مفر منه بل يمكن تحويله إلى فرصة للنهوض والتجدد.

1443 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع