
عصمت شاهين الدوسكي
التقدم أم الانهيار....؟
«حَقًّا الدُّوَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَسْتَثْمِرُ الْعَقْلَ الْوَاعِيَ، وَالدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ تَسْتَثْمِرُ فِي التُّرَابِ ».
«لِمَاذَا لَا تَسْتَفِيدُ الدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ الْمُنْهَارَةُ اقْتِصَادِيًّا مِنْ أَسَالِيبِ وَطُرُقِ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟
لِمَاذَا تَبْقَى فِي حَالَةِ انْهِيَارٍ وَبِإِمْكَانِهَا أَنْ تَتَقَدَّمَ؟»
كُنْتُ أَمْشِي فِي حَدِيقَةِ الْمَدِينَةِ الرَّسْمِيَّةِ أَتَأَمَّلُ الْأَشْجَارَ الَّتِي تَهُزُّهَا رِيَاحُ الْخَرِيفِ وَتَقَعُ بَعْضُ أَوْرَاقِهَا الَّتِي أَدَّتْ وَاجِبَهَا الطَّبِيعِيَّ وَارْتَضَتْ بِنِهَايَتِهَا وَسَلَّمَتْ رَايَتَهَا الضَّمِيرِيَّةَ لِأَغْصَانٍ أُخْرَى لِتَفْتَحَ الْمَجَالَ لِأَوْرَاقٍ جَدِيدَةٍ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ رَأَيْتُ وُجُوهَ النَّاسِ مِنْهَا صَامِتَةٌ كَئِيبَةٌ مَكْنُونَةُ الْحُزْنِ كَأَنَّهَا تَلُمُّ جِرَاحَاتِ الزَّمَنِ وَوُجُوهٌ عَلَيْهَا ابْتِسَامَاتٌ خَجُولَةٌ كَأَنَّهَا تَنْزَحُ بَعْضَ الْأَثْقَالِ عَنْ كَاهِلِهَا، وَأَصْوَاتٌ هُنَا وَهُنَاكَ وَإِذَا بِي أَسْمَعُ طِفْلًا تَقْرِيبًا فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ يَقُولُ لِأَبِيهِ وَيَسْأَلُ: بَابَا لِمَاذَا لَا نَكُونُ مِثْلَ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.. كُلُّ شَيْءٍ مُتَوَفِّرٌ أَرَى نَاسًا مُتْعَبِينَ هُنَا..؟ وَبِفِطْرَةِ الطِّفْلِ وَإِحْسَاسِهِ الْمُرْهَفِ تَأَلَّمَ مِنْ رُؤْيَةِ نَاسٍ مُتْعَبِينَ، لَا أَعْلَمُ مَاذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْأَبُ لِأَنَّهُمْ ابْتَعَدُوا عَنِّي، السُّؤَالُ طُرِحَ لَكِنْ أَيْنَ الْجَوَابُ..؟
الْجَوَابُ عِنْدَكَ وَعِنْدَهُ وَعِنْدَهَا حَسَبَ الرُّؤْيَةِ وَالْوَعْيِ لَكِنْ جَوَابِي فِي هَذَا الْبَيَانِ قَدْ يُرْضِيكَ أَوْ لَا يُرْضِيكَ لَكِنْ مِنْ حَقِّي أَرُدُّ عَلَى هَذَا الطِّفْلِ لِيَكُونَ بَيَانًا شَامِلًا لِلْجَمِيعِ.
لَوْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ لِمَاذَا الدُّوَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِثْلُ كُورِيَا الْجَنُوبِيَّةِ وَالْيَابَانِ وَسِنْغَافُورَةَ وَالسُّوِيدِ وَالنَّمْسَا وَالصِّينِ مُتَقَدِّمَةٌ دَائِمًا..؟
فِي رُؤْيَتِي أَهَمُّ مَا تَرْتَكِزُ عَلَيْهِ الدُّوَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ « التَّعْلِيمُ – الْمُعَلِّمُ ». هُنَاكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ مَكَانَةِ « الْمُعَلِّمِ وَالتَّعْلِيمِ » يَقُولُ الرَّسُولُ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ ». وَقَالَ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِتَلَامِيذِهِ: « أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لِأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ». وَيَقُولُ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدُ شَوْقِي فِي مَطْلَعِ قَصِيدَتِهِ فِي مَدْحِ الْمُعَلِّمِ: « قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا – كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا».
إِذَا استهلالا الْمُعَلِّمُ مُهِمٌّ فِي الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَرَاتِبُهُ يُعَادِلُ رَاتِبَ " وَزِيرِ دَوْلَةٍ " تَقْدِيرًا وَاحْتِرَامًا لِمَكَانَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، ولِعَدَمِ لُجُوئِهِ لِطُرُقِ التَّدْرِيسِ الْأُخْرَى الْأَهْلِيَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَيُؤْخَذُ التِّلْمِيذُ مُنْذُ سَنَوَاتِهِ الْأُولَى بِاخْتِيَارِ الِاخْتِصَاصِ الْمُلَائِمِ لَهُ إِنْ كَانَ مَيْلُهُ لِلْمُسْتَشْفَيَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَوْ مَيْلُهُ لِلْمُكَعَّبَاتِ وَالْعِمَارَاتِ وَالْقُصُورِ وَالْبُيُوتِ أَوْ تَصْلِيحِ السَّيَّارَاتِ الْمِيكَانِيكِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمِهَنِ الْمُهِمَّةِ، فَيُعْرَفُ هَدَفُ الطَّالِبِ مُنْذُ الصِّغَرِ وَلَيْسَ هُنَاكَ امْتِحَانٌ بِقَدْرِ مَا هُنَاكَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِتَقْدِيرِ الْكَفَاءَةِ، الْفَرْقُ هُنَا لَيْسَ الْمَالَ بَلْ نِظَامٌ تَفْكِيرِيٌّ وَوَعْيٌ كَامِلٌ، وَإِذَا وَضَعْنَا خُطُوطَ وَرُؤًى التَّقَدُّمِ وَالِانْهِيَارِ عَلَى طَاوِلَةِ الْفِكْرِ، نَرَى الدُّوَلَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَصْنَعُ وَتُصَدِّرُ «مَكَائِنَ تِكْنُلُوجِيَا أَدْوِيَةً سَيَّارَاتٍ وَاقْتِصَادُهَا يَعْتَمِدُ عَلَى « الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَقْلِ »، كَذَلِكَ تَهْتَمُّ « بِالْمُعَلِّمِ وَالطَّالِبِ » كَنَوْعٍ مِنَ الِاسْتِثْمَارِ يُوَجِّهُونَ الطَّالِبَ كَيْفَ يُفَكِّرُ وَيَخْتَرِعُ.وَفِي هَذِهِ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْقَانُونُ وَالنِّظَامُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، الْوَزِيرُ وَالْمُوَاطِنُ، الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاسِيَةٌ، الْفَسَادُ قَلِيلٌ وَيُحَاسَبُ مُبَاشَرَةً، لَا وَاسِطَاتٌ وَلَا تَأْثِيرُ مَنَاصِبَ، وَلَا دَارِي عَلَيَّا وَأُدَارِيكَ، وَمِنْ أَسَالِيبِ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَهْتَمُّ كَثِيرًا « بِالْإِنْسَانِ » تُقَدِّمُ وَتُوَفِّرُ لَهُ الصِّحَّةَ الْمَجَّانِيَّةَ وَتُحَافِظُ عَلَى كَرَامَتِهِ وَالْعَيْشِ الْكَرِيمِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ وَالْوَقْتِ وَالْمَكْتَبَاتِ لِلِاطِّلَاعِ وَالْإِبْدَاعِ، وَتُسَخِّرُ التِّكْنُلُوجِيَا مِثْلَ السُّوشَلْ مِيدْيَا لِلتَّعْلِيمِ وَالتِّجَارَةِ وَالتَّسْوِيقِ وَالْعَمَلِ عَلَى التَّصْدِيرِ، وَأَبْسَطُ مِثَالٍ الدُّوَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَشْتَرِي مِنَ الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ الْحَدِيدَ أَوِ الْمَادَّةَ الَّتِي يُصْنَعُ مِنْهَا الْمَبايْلُ بِـ«10» دُولَارَاتٍ وَتَصْنَعُ الْمَبايْلَ وَتَبِيعُهُ لِلدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ بِـ«1000 دُولَارٍ»، أَيْضًا الدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ تَبِيعُ مَوَادَّ خَامًّا مِثْلَ « النَّفْطِ » أَوِ الْفُوسْفَاتِ أَوْ مَحَاصِيلَ زِرَاعِيَّةً وَتَرْجِعُ تَسْتَوْرِدُ الْمُنْتَجَ الْمُصَنَّعَ بِأَضْعَافِ سِعْرِ الْبَيْعِ الْخَامِّ، التَّعْلِيمُ فِي الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ مُجَرَّدُ تَلْقِينٍ وَحِفْظٍ هَمُّهُمُ الطَّالِبُ يَنْجَحُ بِالِامْتِحَانَاتِ فَقَطْ،
أَمَّا الْقَانُونُ فِي الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ فَهُوَ « مَرِنٌ بَسِيطٌ » يَتَغَيَّرُ كَيْفَمَا يَشَاءُ، يُطَبَّقُ عَلَى الْفَقِيرِ وَالضَّعِيفِ فَقَطْ، فَالْفَسَادُ هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ لِلْفَقْرِ. وَبِلَا شَكٍّ الْإِنْسَانُ فِي الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ هُوَ يَخْدِمُ الدَّوْلَةَ وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقِفُ ويُضَيِّعُ وَقْتَهُ بَيْنَ طَوَابِيرَ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْبَانْزِيخَانَاتِ وَالْبَحْثِ عَنْ قَنَانِي « أُسْطُوَانَةِ » الْغَازِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَتَحَمُّلِ أَزْمَةِ الْكَهْرَبَاءِ وَالْمَاءِ وَتَسْدِيدِ إِيجَارِ الْبَيْتِ وَالْبَحْثِ عَنْ لُقْمَةِ الْعَيْشِ، أَمَّا التِّكْنُلُوجِيَا فِي الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ فَأَغْلَبُ اسْتِخْدَامِهَا فِي التَّرْفِيهِ وَاللَّعِبِ بِطُرُقٍ سَلْبِيَّةٍ وَمُرَاهَنَاتٍ فُقَاعِيَّةٍ وَضَيَاعِ الْوَقْتِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ بِلَا فَائِدَةٍ بِلَا اسْتِثْمَارٍ وَبِلَا تَقَدُّمٍ.حَقًّا الدُّوَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَسْتَثْمِرُ وَتُسَخِّرُ الْعَقْلَ الْوَاعِيَ وَالدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ تَسْتَثْمِرُ فِي التُّرَابِ وَالْحَجَرِ. وَفِي ضَوْءِ مَا ذَكَرْنَاهُ يَتَجَلَّى سُؤَالٌ:وَالسُّؤَالُ هُنَا: لِمَاذَا لَا تَسْتَفِيدُ الدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ الْمُنْهَارَةُ اقْتِصَادِيًّا حَتَّى الَّتِي تَتَوَفَّرُ فِي أَرَاضِيهَا النَّفْطُ وَالذَّهَبُ وَالْأَلْمَاسُ مِنْ أَسَالِيبِ وَطُرُقِ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ..؟ لِمَاذَا تَبْقَى فِي حَالَةِ انْهِيَارٍ وَبِإِمْكَانِهَا أَنْ تَتَقَدَّمَ....؟

775 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع