فيلم اضرار جانبية لدحض الانكار الصهيوني

ولاء سعيد السامرائي

فيلم اضرار جانبية لدحض الانكار الصهيوني

اذا كان 7 أكتوبر زلزالا عسكريا هز دولة الاحتلال الصهيوني ومؤسساتها العسكرية والأمنية وأجهزة استخباراتها واحزابها السياسية ومجتمعها، فان ترددات هذا الزلزال وما اثاره من تضامن عالمي ما تزال تتعاقب عالميا وفي كل المجالات وبالأخص في الغرب، من الولايات المتحدة الى اوربا، ومن بين آخر هذه الترددات فيلم " نازا "للصحفيين الإسرائيليين يوفال ابراهام وراشيل سور، الذي حضي بتصفيق ووقوف من الجمهور لمدة خمس وعشرين دقيقة وحصوله على ارفع جائزة لمهرجان فينيسيا وهي جائزة لجنة التحكيم الخاصة ليكون الفيلم الفائز الثاني بعد فيلم هند جبر في العام الماضي الذي يحظى بهذا التكريم والاستقبال. أثار هذا الفيلم الوثائقي ، موجة غضب واسعة في الشارع الإسرائيلي الذي اعتبر مخرجيه خونة يستحقون الموت، كما تجمع غاضبين من الفيلم امام سكن والديهما للتنديد بهما، فيما طالب وزير الثقافة بسحب جنسيتهم واجتمع رئيس الأركان ايال زامير بأعضاء الوحدة 8200 ليذكرهم بسرية عملهم وخطورة تسريب المعلومات للصحافة والاعلام.، انتج فيلم نازا من تحقيقات صحفية بطلب من جريدة الغارديان البريطانية وموقع مجلة +972 ، حيث سجلت ليلا بعيدا عن الأنظار ومن على سطوح البيوت شهادات 24 من العسكريين وضباط المخابرات الإسرائيليين بضمنهم عسكريين من الوحدة 8200 وهم يتحدثون بتفاصيل عن آليات وتنفيذ الضربات الجوية وقصف الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين خلال الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر 2023.
تتحدث هذه الشهادات عن كيفية استخدام جيش الاحتلال الفاشي لنظام للذكاء الاصطناعي يسمى Lavender وهو نظام للاستهداف طوره الجيش الإسرائيلي لتحديد الأهداف واستخدام الاف المعطيات والمعلومات المأخوذة من الهواتف النقالة. ويكفي هذا النظام رؤية جملة " بابا في البيت" على هاتف طفل كي يبدأ القصف الهمجي والتدمير لأحياء غزة ومبانيها، تحت اسم عملية " اين بابا". يعلق الصحفي ومخرج الفيلم بأنهم أرادوا بفلمهم هذا فضح عمل نظام كامل، وليس مجموعة من الافراد، فضح نظام يستهدف أساسا المدنيين، ويقول بأنهم وجدوا احيانا موافقات على قتل ما يزيد على 500 مدني مما يسمى بالأضرار الجانبية NAZA التي اطلق اسم الفيلم عليها من اجل اغتيال شخص معين واحد، بل يقول ان القصف الجماعي يتكرر حتى دون ان يكون هناك هدف معين او شخص مطلوب من الجيش الإسرائيلي، ليدمر القصف المستمر قرى كاملة ابيدت فيها احياء بكل من فيها. فيما يؤكد مسؤول عسكري من بين المجموعة انه كان هناك مجازر قتل شامل على مستوى صناعي" ، بينما تدعي سردية حكومة الاحتلال ومجرمي حربها في الداخل وفي الخارج بانها "تبذل جهدها لتفادي موت المدنيين" وتتهم في دعايتها وتصريحات حكومتها المقاومة باستخدام هؤلاء دروعا بشريه.
كما يتضمن الفيلم شهادات لضباط عن مجازر في مناطق يعتبرها الاحتلال ممنوعة مثل مناطق قريبة من المساعدات الإنسانية، "وهذه المناطق يقول الضابط، مجهولة من السكان لأنه لا يتم الإعلان عنها وعليهم ان يعرفوها بأنفسهم". ويدحض الفيلم سرديات الاحتلال وادعاءاته الكاذبة عبر تضمين الفيلم صورا من الأرشيف توثق كيف راقبت دولة الاحتلال، الفلسطينيين بشكل شامل قبل 7 أكتوبر 2023.
يقول يوفال ابراهام مخرج الفيلم، نحن لم نتحاور مع العسكريين باعتبارها الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما فعلته إسرائيل في غزة. ان أي شخص رأى الدمار على ارضها وسمع الغزاويين، او صدق كلام القادة الإسرائيليين، قد فهم هذه الحقيقة منذ سنوات، انما قمنا بإنتاج هذا الفيلم لسبب بسيط: كنا واعيين انه مع شهادات الضباط والجنود الذين محوا غزة، فانه سيصعب على العسكريين المسؤولين عن المراقبة ومن قام بحساب اعداد الأبرياء الذين سيقتلون في كل شقة ومسكن، الذين لم يكفوا عن اعطاء الضوء الأخضر لقصف عائلات بأكملها، انكارهم اقتراف هذه الجرائم بعد هذه الشهادات الموثقة، ان هذا الانكار ما يزال يسمح باستمرار هذه الجرائم الى اليوم.
أحد الضباط الذين تم استجوابهم يقول " بانه كان واعيا كليا بانه وفي لحظة إعطاء الأوامر بالقصف، كان هناك عوائل مشغولة في مساكنها، رجل يتحدث مع زوجته، صوت برنامج من التلفزيون، صلاة، أصوات بكاء طفل، وان الهدف من هذا هو التدمير". ما يفضحه هذا الوثائقي أيضا هو ان نظام الإبادة الذي تفضحه الشهادات مؤسس على فكرة ان ليس هناك اضرار جانبية في غزة، وهو ما سيسمح ربما على فقد مصداقية من ينفي ذلك من الإسرائيليين، من يشكك ومن يستمر في العيش بشكل مريح في المناطق الرمادية حيث يعرف ويتجاهل ما يدور على بعد 60 كيلوا مترا من تل ابيب.
يحلل الفيلم الوثائقي هذا نظاما ويوثق أوامر وسياسات وأنواع من طرق العمل المعتاد وليس حالات استثنائية، فالشهادات تُجمع على ان المجازر بحق الفلسطينيين المدنيين في غزة لم تكن "نتيجة مأساوية" لحرب ضد حماس، كما تحب السردية الإسرائيلية تقديمها. بل انها أفعال معدة مسبقا، محسوبة ومناقشة. ولهذا فان الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الانسان والأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين قد استخدموا مصطلح الإبادة لتسمية ما جرى.
فيلم نازا وثيقة ثمينة من الأدلة من داخل المنظومة الرسمية التي تتراكم والتي تضاف الى الملفات القانونية والإجراءات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، انه اسهام جديد ومؤثر يدخل الى معركة الاعلام والقانون والتوثيق، اذ ان شهادات الفيلم ستجر الى طرح جملة من الأسئلة تتعلق بالمسؤولية القانونية التي تحتاجها المحاكم الدولية لتعرف كيف حدث كل هذا ومن هو الذي اتخذ القرار وما هي المعلومات التي كانت متاحة. ان التهرب من كل هذه الأسئلة هو الذي دفع مجرم الحرب نتنياهو لدفع الولايات المتحدة للتدخل بشكل مباشر ليس للضغط على الجنائية الدولية فحسب كما تم فعله سابقا بل للعمل على تفكيك المحكمة بالكامل وهو ما يجري امام اعين العالم، ابتدأ مع اتهام رئيس المحكمة كريم خان بالتحرش الجنسي والضغط على الدول الأعضاء والتلويح بعقوبات للانسحاب من عضويتها واليوم يتباهى ترامب ووزير خارجيته القريب من مجرم الحرب نتنياهو بإجراءاتهم المقوضّة للمحكمة الدولية بخطابه امام مجلس الأمم المتحدة الذي انعقد في نيويورك، مستخدما تبريرات لا علاقة لها بالواقع تبرئ ساحة دولة الكيان الصهيوني ومجرمي حربها وعلى رأسهم رئيس الوزراء نتنياهو.
ان من أخطر ما يصيبه فيلم نازا بمقتل هو موضوع أساسي من مواضيع الدعاية الصهيونية الذي ينفخ به باستمرار حول العالم في السردية الصهيونية الا وهو عبارة "الجيش الأكثر أخلاقية"، ففي اشد أيام القصف والتدمير على غزة، تبجح برنار هنري ليفي، المدافع الشرس عن دولة الاحتلال في فرنسا واحد اهم اقطاب اللوبي، في لقاء تلفزيوني من إخراجه، بقوله انه ذهب وقضى أياما مع هذا الجيش ووجد انه الجيش الأكثر أخلاقية، في محاولة جديدة منه لتبيض صفحة فاشية هذا الجيش امام الرأي العام الفرنسي الذي لا يحترم هذه الشخصية ويتذكر ان ليفي ذهب يوما وصعد على دبابة من الدبابات التي دكت مدينة جنين في الانتفاضة الثانية.
عرض الفيلم اليوم مجانا على الانترنت بقرار من المخرجيين ونجاح صالات عرض كثيرة خاصة في فرنسا بتجاوز مبضع الرقابة والضغوط الصهيونية المتزايدة سينقل الفيلم الى الذاكرة العامة، الى ذاكرة العالم والرأي العام العالمي التي ستؤسس حتما لمزيد من المواقف والنقاشات في مجالات السياسة بين الأحزاب وفي الاعلام والصحافة المكتوبة والمشهد الثقافي العالمي يتعزز ويترسخ فيها الحق الفلسطيني، انه بذرة جديدة في فضاء التضامن العالمي الذي لم ينقطع، بل ان العالم يشهد على اتساع هذا التضامن أكثر وأكثر رغم الضغوط الهائلة للماكنة الامريكية والفرنسية والألمانية للوقوف امام التضامن الذي تشهده مجتمعاتهم والذي لم يتوقف في فضاء الفن والسينما والغناء وما حدث أخيرا في قضية استبعاد المغني الأمريكي ماكليمور بسبب موقفه الداعم للشعب الفلسطيني ولحرية فلسطين، من جولة المغني الايرلندي إيد شيران ومطالبة الشعب الايرلندي بمنع بث اغانيه عقابا لموقفه هذا، لأكبر دليل على ان التضامن هو زلزال له تردداته التي وفي كل يوم تولد حول العالم مواقف تضامن جديدة ومؤثرة مع الشعب الفلسطيني ومع غزة منها أخيرا تنظيم المغني ماكليمور حفلة واسعة لدعم فلسطين اليوم تم بيع كل بطاقاتها، بل ان تظاهرات الطلاب التي تشهدها فرنسا اليوم للمطالبة بتحسين أوضاع التعليم وعلى غير المتوقع تزينت بالأعلام الفلسطينية ، مواقف انتشرت حول العالم وتردد صداها في كل القارات حولت هذا التضامن ضد الظلم والقمع والاستعمار الى شعار اشمل للتحرر الإنساني من اجل العدالة والمساواة ولتصبح فلسطين هي قضية عالم اليوم وقضية اجياله الشابة.
باريس في 3/9/2026


  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1282 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع