السيادة لا تضمحل بقدر ما يتغيّر شكلها وأدوات ممارستها

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان

5 تشرين الاول 2026

السيادة لا تضمحل بقدر ما يتغيّر شكلها وأدوات ممارستها

١. المعنى القانوني : السياده تعني سلطة الدولة المستقلة على إقليمها وسكانها، مع إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون خضوعها لتاثير دولة أخرى، وتمتعها بالمساواة القانونية مع سائر الدول وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، واحترام الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية وعدم استخدام القوة ضد دولة أخرى. أما اليوم أصبحت السيادة التقليدية، أكثر تقييداً وتشابكاً بفعل العولمة والأسواق العالمية والتكنولوجيا والفضاء السيبراني ..دراسات البنگ الدولي تصف التحول بأنه تفكيك تدريجي للعلاقة التقليدية بين السيادة والإقليم وقوة الدولة، وانتقال بعض مراكز السلطة إلى مستويات متعددة.

٢. البديل : ليس إلغاء الدولة أو السيادة، وإنما الانتقال من
( السيادة المنعزلة إلى السيادة الفاعلة والمتشابكة ) أي أن الدولة القوية اليوم لا تقول فقط ( هذه أرضي ولا يتدخل أحد فيها ) بل تستطيع أيضاً أن تتحكم في مفاتيح قوتها داخل شبكة عالمية معقدة وفق الاشكال إدناه :
أ . السيادة السياسية: تعني قرار وطني مستقل.
ب . السيادة العسكرية: تمثل القدرة على حماية الحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية.
ج. السيادة الاقتصادية: امتلاك القدرة على تمويل القرار الوطني وعدم الارتهان لمصدر خارجي واحد.
د. سيادة الطاقة : التحكم في مصادرها ومسارات تصديرها.
ه. السيادة الغذائية والمائية: عدم تحول الغذاء والماء إلى أدوات ضغط.
و. السيادة التكنولوجية: امتلاك البيانات والاتصالات والفضاء السيبراني والتقنيات الحيوية.
ز. السيادة المعلوماتية: القدرة على حماية المجال المعرفي والإعلامي من التأثير الخارجي.
ح. السيادة الدبلوماسية: القدرة على بناء التحالفات والشراكات دون فقدان القرار الوطني.

٣. المفارقة المهمة: الدولة التي تملك مقومات السيادة تستطيع أن تمارسها دون أن تعزل نفسها عن العالم؛ أما الدولة التي تفتقد تلك الأدوات فقد تبقى ذات سيادة قانونية، لكنها تصبح محدودة السيادة عملياً. وهذا يفسر لماذا أصبح مفهوم ( الاستقلال الاستراتيجي أو القدرة على الفعل الاستراتيجي ) أكثر أهمية من مجرد إعلان الاستقلال. فالقانون الدولي ما زال يحمي السيادة، لكن القدرة الواقعية على ممارستها أصبحت موزعة بين عوامل داخلية وخارجية.

٤. سيادة العراق : يحتاج قدرة على التعامل مع العالم. وغير منعزله عنه، مثلاً السيادة الجوية لم تكن مجرد رفع العلم العراقي فوق المجال الجوي؛ وإنما امتلاك ادواتها مثل ( الإنذار المبكر، السيطرة الجوية، الطائرات الاعتراضية، الدفاع الجوي، والاستطلاع، الاتصلات والقيادة والسيطرة ) هذه المتطلبات تجعل القرار العراقي في الجو قابلاً للتنفيذ. وعليه يمكنني القول ان السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد سوراً حول الدولة، بل أصبحت قدرة الدولة على أن تقول نعم أو لا، على ان تملك أدوات تنفيذ ما تقول.

٥. هل السيادة تضمحل أم تغيّر شكلها: لم تعد السيادة في عالم اليوم تعني فقط أن تكون للدولة حدودٌ معترف بها، وعلمٌ يرفرف فوق أرضها، وحكومةٌ تدير شؤونها.السيادة القانونية ما زالت قائمة، ولكن السيادة الفعلية أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على حماية قرارها وتنفيذه.فالدولة التي لا تملك أمنها الغذائي والاقتصادي، ولا تتحكم بمصادر طاقتها ومساراتها، ولا تحمي فضاءها السيبراني ومعلوماتها، ولا تستطيع حماية أجوائها ومياهها وحدودها، قد تكون ذات سيادة على الورق، لكنها تواجه قيوداً حقيقية على ممارسة قرارها.ولهذا فإن البديل ليس إلغاء السيادة، وإنما الانتقال من ( سيادة الإقليم ) إلى سيادة القدرة التي تحمي ( القرار ، الارادة ، الارض والسماء والماء .،المستقبل، العقل الوطني ) وبشكل مختصر ان السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد سوراً حول الدولة، بل أصبحت قدرة الدولة على أن تقول ( نعم أو لا ) وأن تمتلك أدوات تنفيذ ما تقول. هذا يقودنا الى ان ( السيادة لم تموت وإنما مفهوم السيادة العاجزة قد مات ) الدولة التي تملك القدرة تستطيع أن تنفتح على العالم دون أن تفقد قرارها، أما الدولة التي تفقد أدوات القوة، فقد تحتفظ بالسيادة في النص، وتفقد جزءاً منها في الواقع. وحين تصمت البنادق ويتكلم العقل، تظهر الحقيقة ( السيادة قرار… والقدرة هي التي تحمي القرار ).
٦. السيادة هي السلطة العليا : أما التحالفات ليس بديلاً عنها ابل أصبحت في عالم اليوم إحدى أدوات حمايتها وممارستها. الدولة التي لا تستطيع دائماً تحقيق أمنها وقوتها منفردة، ولذلك تدخل في تحالفات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، لكنها تفعل ذلك وهي ( تحتفظ من حيث المبدأ بقرارها السيادي ). مع الاخذ بعين الاعتبار ان التحالف الذي يزيد قدرة الدولة على حماية قرارها يعزز السيادة، أما التحالف الذي يجعل قرار الدولة مرتهناً بإرادة الحليف يضعف استقلالها.
لذلك يمكن اختصار المعادلة ( السيادة تعني استقلال القرار.
أما القدرة إمكانية تنفيذ القرار.التحالف مضاعف للقدرة، وليس بديلاً عن السيادة )… السيادة الحديثة لا تعني ( العزلة عن العالم، وإنما القدرة على الدخول في العالم دون الذوبان فيه ).

٧. السيادة في القانون الدولي : هي السلطة العليا والمستقلة للدولة على إقليمها وسكانها، واختصاصها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون خضوعها لسلطة دولة أخرى، تمتعها بالمساواة القانونية مع سائر الدول والتزامها بقواعد القانون الدولي.تقوم على عناصر أساسية هي ( الاقليم ، الشعب ، الاستقلال،المساواة ، عدم التدخل ، الالتزام بالقانون الدولي )

٨. الخلاصة : السيادة قانونياً تعني استقلال الدولة وعلو اختصاصها داخل إقليمها، ومساواتها بالدول الأخرى، وعدم خضوع قرارها لسلطة أجنبية.أما التحالفات والمعاهدات فلا تلغي السيادة بذاتها؛ لأن الدولة تستطيع، بإرادتها ، أن تقبل التزامات دولية. لكن السؤال القانوني والسياسي الاهم ( هل دخلت الدولة الالتزام بإرادتها الحرة، وهل بقي لها مجال حقيقي لممارسة قرارها المستقل ) .

٩. العراق بعد الجلاء الأمريكي : هل أمتلك السيادة أو إصبح أقرب إلى السيادة السياسية والعسكرية، لكنه لم يكتمل بعد وفق المعنى الشامل. فالجلاء ينهي وجوداً عسكرياً أجنبياً، لكنه لا يصنع وحده دولة مكتملة السيادة. الحل برأيي المتواضع ليس البحث عن بديل أجنبي، بل في تحويل الجلاء من حدث سياسي إلى مشروع لبناء القدرة الوطنية وفق المتطلبات أدناه :

أ. السيادة الجوية أولاً : امتلاك قدرة جوية وطنية متكاملة ( مقاتلات، إنذار مبكر، دفاع جوي، استطلاع، مسيّرات، قيادة وسيطرة واستخبارات ) الدولة التي لا تستطيع معرفة ما يدخل أجواءها ولا تستطيع منعه، تبقى سيادتها الجوية ناقصة.

ب. قوات مسلحة قادرة على تامين الردع لا مجرد الدفاع.

ج. قرار سياسي مستقل : يمنع تحول العراق الى ساحة صراع اقليمي .

د.تحصين الجبهة الداخلية : لا يمكن بناء سيادة خارجية مع دولة ضعيفة من الداخل. من خلال ( مكافحة الفساد، ضبط السلاح، إصلاح المؤسسات، وتوحيد القرار الأمني هي جزء من الأمن القومي وليس شأناً إدارياً فقط ).

ه.تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة : مشروع طريق التنمية، الموانئ، السكك الحديدية، والطاقة يمكن أن تجعل العراق دولة يصعب تجاوزها إقليمياً ودولياً. لان من يملك طرق التجارة يملك جزءاً من القرار السياسي.

و. اقتصاد قوي : السيادة التي تعتمد كلياً على مورد واحد تبقى معرضة للضغط. المطلوب تنويع الاقتصاد، والصناعة الدفاعية، والطاقة، والزراعة، والنقل.

١٠. العراق اليوم أمام لحظة انتقالية : خرجت القوات الأجنبية، لكن السؤال الأهم ليس ( من خرج ) بل ماذا يمتلك العراق من قوة بعد الجلاء الامريكي . وكما ورد اعلاه ان السيادة ليس فراغاً تتركه القوات الأجنبية فقط ، وإنما قدرة تملأ بها الدولة ذلك الفراغ ..ليكون الشعار والهدف ( من الجلاء إلى بناء القدرة الوطنيه المستقلة ) لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يخرج الأجنبي من الأرض، ولا يخرج العراق من دائرة الاعتماد عليه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1249 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع