
قاسم محمد داود
سقوط الشاه ومجيء الخميني: الثورة الإيرانية بين الانهيار الداخلي وحسابات الحرب الباردة
لم يكن سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي في شباط/فبراير 1979 حدثاً منفصلاً عن صراع القوى الكبرى، كما أنه لم يكن، في المقابل، نتيجة مؤامرة خارجية بسيطة يمكن اختزالها في القول إن الغرب قرر إسقاط الشاه وإيصال آية الله الخميني إلى السلطة. كانت الحقيقة أكثر تعقيداً: نظام قوي ظاهرياً انهار من الداخل، وقوى خارجية عجزت أو لم ترغب في إنقاذه بأي ثمن، ثم وجدت نفسها أمام نظام جديد معادٍ لها، لكنه لم يتحول إلى قوة تابعة للاتحاد السوفيتي. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الثورة الإيرانية من زاويتين متداخلتين: أسباب سقوط النظام من الداخل، والحسابات الدولية التي أحاطت بهذا السقوط، ثم أعادت تشكيل المنطقة بعد انتصار الثورة.
الشاه الذي بدا أقوى مما كان
في سبعينيات القرن العشرين، كانت إيران تبدو واحدة من أقوى دول المنطقة. فقد مكنت عائدات النفط الضخمة الشاه من بناء جيش كبير وتحديث مؤسسات الدولة وإطلاق مشاريع صناعية وعمرانية واسعة. وكانت إيران، في الوقت نفسه، الركيزة الأساسية للاستراتيجية الأمريكية في الخليج.
لكن القوة المادية لم تكن تعني بالضرورة استقراراً سياسياً. فقد اتجهت السلطة البهلوية إلى تركيز القرار السياسي في يد الشاه، وأضعفت تدريجياً الأحزاب والمؤسسات التي كان يمكن أن تستوعب المعارضة. وفي الوقت نفسه، خلقت سرعة التحديث الاقتصادي والاجتماعي فجوة بين قطاعات واسعة من المجتمع وبين الدولة الحديثة التي كان الشاه يحاول بناءها.
كان الشاه يريد أن يصنع إيران حديثة وقوية، لكنه لم ينجح في خلق توافق اجتماعي واسع حول مشروعه. وهنا تكتسب شهادة السفير البريطاني أنطوني بارسونز أهمية خاصة. فقد كان سفيراً لبريطانيا في طهران بين عام 1974 وسقوط الشاه، وشهد الأحداث من داخل القصر والسفارة والشارع، ثم نشر عام 1984 كتابه The Pride and the Fall: Iran, 1974–1979، الذي سجل فيه مراحل انهيار النظام وتقييماته التي كان يرفعها إلى حكومته. والأهم أن تجربة بارسونز تكشف مشكلة كانت تعاني منها أجهزة الدولة الغربية نفسها: لقد أخطأت في تقدير مدى هشاشة نظام بدا لها مستقراً وقادراً على البقاء.
من الاحتجاج إلى الثورة
خلال عام 1978، تحولت المعارضة من احتجاجات متفرقة إلى حركة جماهيرية واسعة. وكان الخميني، الذي عاش في المنفى، قادراً على تقديم خطاب يجمع بين الدين والسياسة والوعد بإسقاط النظام.
ولم تكن الثورة إسلامية خالصة منذ بدايتها؛ فقد شاركت فيها تيارات قومية وليبرالية ويسارية ودينية وطلابية، إلى جانب قطاعات من البازار. وكان هذا التنوع أحد مصادر قوتها في مواجهة الشاه. غير أن الخميني امتلك ما لم تمتلكه معظم القوى الأخرى: شبكة دينية واجتماعية واسعة، وخطاباً قادراً على تحويل الاحتجاج إلى تعبئة شعبية مستمرة.
وعندما غادر الشاه إيران في كانون الثاني/يناير 1979، لم يكن النظام قد انهار عسكرياً بعد، لكنه كان قد فقد جوهر قدرته السياسية على الحكم. ثم عاد الخميني إلى طهران في الأول من شباط/فبراير، وسقطت حكومة شهبور بختيار بعد أيام، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً في تاريخ إيران.
لماذا لم ينقذ الجيش الشاه؟
كان الجيش الإيراني كبيراً ومسلحاً بصورة حديثة، وكان بإمكانه، من الناحية النظرية، استخدام القوة لقمع الثورة. لكن المسألة لم تكن مسألة قدرة عسكرية فقط، بل كانت أيضاً مسألة إرادة سياسية واستعداد للقتال ضد قطاعات واسعة من المجتمع.
ومع اتساع الإضرابات والمظاهرات، بدأت قطاعات من الجيش تفقد القدرة على تنفيذ الأوامر بصورة متماسكة، بينما أصبح خطر انقسام القوات المسلحة أو تحول الصراع إلى حرب أهلية أكثر واقعية. لذلك فإن القول إن الجيش «كان يستطيع إنقاذ الشاه ولم يفعل» يحتاج إلى شيء من التعديل. كان يستطيع إطلاق النار، لكنه لم يكن يستطيع ضمان أن يؤدي ذلك إلى استعادة النظام، بدلاً من تفجير حرب أهلية وانقسام داخل القوات المسلحة. وهنا ينبغي أيضاً الحذر من الرواية التي تقول إن واشنطن أمرت الجيش ببساطة بعدم التدخل. فالأدلة المتاحة أكثر تعقيداً من ذلك. وتظهر تقارير السفارة الأمريكية ومذكرات السفير ويليام سوليفان أن الأمريكيين كانوا يحاولون فهم وضع الجيش وإمكاناته السياسية، ولم تكن سيطرتهم عليه مطلقة.
ماذا أراد الغرب؟
هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في القصة. هل أرادت الولايات المتحدة وبريطانيا سقوط الشاه؟ لا توجد، في الأدلة المشار إليها في هذه الرواية، وثيقة تثبت وجود خطة غربية متكاملة لإسقاط الشاه وإيصال الخميني إلى السلطة.
لكن السؤال الأدق هو: هل كان الغرب، في المرحلة الأخيرة، مستعداً لقبول سقوط الشاه لأنه لم يعد يرى إمكانية واقعية لإنقاذه من دون مخاطر أكبر؟
هذا الاحتمال يستحق النظر، لأن الولايات المتحدة كانت أمام خيارات شديدة الصعوبة. فدعم الشاه بالقوة قد يؤدي إلى حمام دم وحرب أهلية، وربما يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية خطيرة، بينما ترك النظام ينهار يعني فقدان أهم حليف أمريكي في الخليج. لذلك لم يكن الاختيار بالضرورة بين «إنقاذ الشاه» و«إيصال الخميني»، بل بين مجموعة من المخاطر المتنافسة. والأهم أن واشنطن لم تكن تعرف بصورة يقينية ما الذي سيأتي بعد الشاه. فقد كان هناك أكثر من احتمال: الفوضى، والانقسام السياسي، وصعود اليسار، أو قيام نظام إسلامي لا يمكن التنبؤ بمساره. ومن الصعب، في ضوء ذلك، اختزال الموقف الغربي في خطة واضحة ومسبقة.
الخميني وحزب توده: رهان قصير الأمد
تظهر هنا مفارقة تاريخية مهمة. فلم يكن الخميني، في الأشهر الأولى للثورة، يقف في مواجهة كل القوى اليسارية. بل إن حزب توده الشيوعي، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بالاتحاد السوفيتي، أعلن دعمه للثورة وللخميني. ففي اجتماع لقيادة الحزب في لايبزيغ في كانون الثاني/يناير 1979، قبل سقوط الشاه مباشرة، أعلن الحزب دعمه للثورة والقيادة الخمينية. وفي 13 شباط/فبراير 1979، أكد نور الدين كيانوري، السكرتير الأول للحزب، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الألمانية الشرقية (ADN)، استعداد الحزب لدعم الحكومة الجديدة. كما وثقت صحيفة نيويورك تايمز هذا الموقف في تقريريها الصادرين في 14 شباط/فبراير و6 كانون الأول/ديسمبر 1979. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، كانت تقديرات المخابرات الأمريكية تشير إلى أن السوفييت سيواصلون، في تلك المرحلة، دعم الخميني تكتيكياً، وأن حزب توده سيستمر في سياسة «الجبهة الشعبية» المؤيدة له.
هذه الحقيقة تقلب الصورة المبسطة رأساً على عقب. فالخميني لم يكن منذ اليوم الأول «حاجزاً غربياً ضد الشيوعية»، كما أنه لم يكن مجرد أداة سوفيتية. كان مشروعاً مستقلاً حاول السوفييت الاستفادة منه، وحاولت القوى اليسارية الإيرانية العمل من داخله، بينما كانت الولايات المتحدة تنظر إليه باعتباره خطراً ومشكلة في آن واحد.
أفغانستان تغيّر قواعد اللعبة
ثم جاءت تطورات أفغانستان لتضيف بعداً جديداً إلى الحسابات الدولية. في نيسان/أبريل 1978 وصل الشيوعيون إلى السلطة في أفغانستان، وفي كانون الأول/ديسمبر 1979 تدخل الاتحاد السوفيتي عسكرياً بصورة مباشرة. وفي الوقت نفسه، كانت إيران قد خرجت من النظام الذي كان يمثل أهم ركائز النفوذ الغربي في المنطقة. هنا أدركت واشنطن أن الخريطة الاستراتيجية قد تغيرت بالكامل.
تكشف مذكرة زبيغنيو بريجنسكي في 26 كانون الأول/ديسمبر 1979، أي بعد يوم واحد من بدء التدخل السوفيتي، حجم القلق الأمريكي. فقد وصف الوضع بأنه أزمة إقليمية تشمل إيران وأفغانستان وباكستان، وحذر من أن اضطراب إيران أدى إلى انهيار توازن القوى في جنوب غرب آسيا، وأن الوجود السوفيتي في أفغانستان يمكن أن يقرب موسكو من الخليج. وفي وثائق أخرى من تلك الفترة، يظهر بوضوح أن إدارة كارتر بدأت تنظر إلى الأزمة الإيرانية والتدخل السوفيتي في أفغانستان باعتبارهما جزءاً من أزمة استراتيجية أوسع في المنطقة. وفي كانون الثاني/يناير 1980 أخذ هذا التفكير شكله الأشهر في مبدأ كارتر، الذي أعلنه الرئيس في خطاب حالة الاتحاد في 23 كانون الثاني/يناير، وأكد فيه أن أمن الخليج يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة. وهنا أصبحت إيران، رغم عدائها للولايات المتحدة، مهمة من زاوية أخرى. لم يعد المهم بالنسبة إلى واشنطن فقط من يحكم طهران، وإنما أيضاً ألا تتحول إيران إلى جزء من المدار السوفيتي. لكن هل كان الخميني هو الخيار الغربي لمواجهة السوفييت؟
هنا ينبغي التوقف. لا توجد أدلة كافية للقول إن واشنطن أو لندن قررتا مسبقاً: «نريد الخميني لأنه سيواجه الاتحاد السوفيتي». بل إن الوقائع اللاحقة تشير إلى العكس؛ فالولايات المتحدة دخلت في صراع متزايد مع النظام الجديد، وبلغ العداء ذروته مع احتلال السفارة الأمريكية وأزمة الرهائن.
لكن يمكن صياغة استنتاج أكثر تحفظاً وأقرب إلى المنطق الجيوسياسي: عندما أصبح سقوط الشاه أمراً واقعاً، لم يكن البديل الوحيد هو الخميني. كان هناك أيضاً خطر الفوضى والانقسام وصعود اليسار، واحتمال زيادة النفوذ السوفيتي. وبذلك أصبح بقاء إيران خارج المدار السوفيتي هدفاً استراتيجياً قد يتقدم على مسألة بقاء الشاه نفسه. وهذا فرق جوهري بين القول إن الغرب «صنع الثورة»، وبين القول إن القوى الغربية أعادت ترتيب أولوياتها عندما أصبحت الثورة واقعاً يصعب عكسه.
المفارقة التاريخية
المفارقة الكبرى أن الثورة التي أسقطت أهم حليف أمريكي في الخليج لم تتحول إلى انتصار سوفيتي. فالخميني كان معادياً للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه رفض التبعية السوفيتية، بينما انتهى الأمر بالنظام الجديد لاحقاً إلى مواجهة القوى اليسارية داخل إيران، ومنها حزب توده الذي كان قد ساعد في البداية على دعم الثورة.
وتكشف المصادر التاريخية أن الحزب، الذي راهن على إمكانية التحالف مع النظام الجديد، تعرض لاحقاً للقمع والاعتقال، وانتهى وجوده السياسي الفعلي داخل إيران.
وهكذا وجد الاتحاد السوفيتي نفسه أمام نظام إسلامي ثوري لا يريده الغرب، لكنه أيضاً لم يتحول إلى نظام تابع لموسكو. بعبارة أخرى، لم تكن الثورة الإيرانية انتصاراً أمريكياً ولا سوفيتياً؛ كانت، في جوهرها، نتيجة قوة سياسية واجتماعية إيرانية مستقلة أعادت رسم المنطقة بطريقة لم تكن القوى الكبرى قادرة على التحكم الكامل بها.
بين المؤامرة والحساب الجيوسياسي
من السهل، بعد مرور عقود، أن ننظر إلى الأحداث باعتبارها سلسلة مرتبة مسبقاً: سقط الشاه، جاء الخميني، دخل السوفييت أفغانستان، ثم أصبح الإسلام السياسي سداً في وجه الشيوعية. لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
فالوثائق الأمريكية، بما فيها مذكرة بريجنسكي المؤرخة في 26 كانون الأول/ديسمبر 1979، لا تثبت أن واشنطن خططت لوصول الخميني إلى السلطة. لكنها تكشف شيئاً مهماً: أن الولايات المتحدة، بعد سقوط الشاه والتدخل السوفيتي في أفغانستان، أصبحت تنظر إلى إيران باعتبارها جزءاً من صراع استراتيجي أوسع على مستقبل الخليج وجنوب غرب آسيا. ومن هنا يمكن طرح السؤال من دون القفز إلى إجابة قطعية: هل كان تساهل الغرب مع انهيار نظام الشاه نتيجة عجز سياسي وفشل في التقدير؟ أم أن بعض دوائر القرار الغربي رأت أن محاولة إنقاذ نظام يحتضر قد تكون أخطر من التعامل مع نظام إسلامي معادٍ للغرب، ما دام هذا النظام لن يقع في المدار السوفيتي؟
لا تكفي الأدلة المتاحة لإثبات وجود مؤامرة غربية لإيصال الخميني إلى السلطة. لكنها تكفي لإظهار أن سقوط الشاه وقع في لحظة كانت فيها الحسابات الأمريكية تنتقل من حماية نظام بعينه إلى حماية موقع استراتيجي أوسع يشمل إيران والخليج ومصادر الطاقة ومنع اتساع النفوذ السوفيتي. وهنا تكمن المفارقة الأهم في ثورة 1979. أراد الخميني إسقاط نظام الشاه وإنهاء النفوذ الأمريكي، وأراد السوفييت الاستفادة من انهيار أحد أهم حلفاء واشنطن، بينما كانت الولايات المتحدة تحاول منع تحول انهيار إيران إلى مكسب استراتيجي لموسكو. وفي النهاية خرج الجميع من الثورة بنتيجة لم تكن مطابقة تماماً لحساباتهم. سقط الشاه، ووصل الخميني إلى طهران، وانهارت العلاقة الأمريكية الإيرانية، لكن إيران لم تصبح سوفيتية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الثورة الإسلامية نفسها إحدى القوى التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط طوال العقود التالية. وربما يكمن التفسير الأكثر اتزاناً لسقوط الشاه في الجمع بين العاملين: ثورة إيرانية حقيقية نشأت من أزمات داخلية عميقة، ثم دخلت، بعد انتصارها، في لعبة الحرب الباردة، وحاولت القوى الكبرى توظيف نتائجها لمصالحها، لكنها لم تستطع التحكم الكامل بمسارها.

1028 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع