العراق بعد الأميركي: من دولة صدام إلى "خان جغان" الملالي؟

جلال چرمگا

العراق بعد الأميركي: من دولة صدام إلى "خان جغان" الملالي؟

خلص الأميركي من العراق.

وهیچی ومثل ما سمعنا في 30 أيلول 2026، أنطوت آخر صفحة من الوجود العسكري الأميركي المباشر في البلاد، بعد أكثر من عقدين من الحروب والتحالفات والقواعد والانسحابات والعودة من جديد. بغداد تريد أن تسميها مرحلة السيادة، والفصائل الموالية لإيران تريد أن تسميها انتصارا، والأميركيون يريدون أن يضعوا خلفهم واحدة من أطول مغامراتهم العسكرية في المنطقة.
بس العراقي من حقه يسأل سؤالا أبسط من كل هاي الشعارات:
بعد ما طلع الأميركي، العراق صار فعلا سيد نفسه؟ لو صار الباب مفتوح أكثر أمام إيران؟
لأن المشكلة بالعراق مو بس بالأميركي.
والمشكلة هم مو بإيران وحدها.
المشكلة الأكبر هي أن العراق، من بعد سقوط صدام حسين، فقد شيئا أساسيا اسمه الدولة صاحبة القرار.
ومن ذاك اليوم، صار العراق يشبه، بكل مرارة، خان جغان.
كل واحد يدخل من باب.
كل واحد عنده مصلحة.
كل واحد عنده جماعة.
كل واحد عنده سلاح أو نفوذ أو حزب أو مشروع.
والعراقي بالنهاية واقف بالنص، يتفرج على بلده وهي تتحول من دولة يفترض أن تقرر مصيرها بنفسها إلى ساحة مفتوحة تتصارع فيها مشاريع الآخرين.
کل الحچي اللي ثرموه أبراس الناس بخصوص العراق خلص من دکتاتورية صدام حسين وراح العراقيين ينعمون بالديمقراطية والحرية ودولة مٶسسات، لکن ما قبض العراقي غير الحچي وياريت بس الحچي الله وکيلکم قبض الأسوأ.

وهذه هي الحقيقة اللي لازم تنقال بصراحة.
إسقاط صدام أسقط النظام، لكنه ما بنى دولة مكتملة السيادة.
ومن هنا بدأ "خان جغان" العراقي.
الأميركي دخل.
الإيراني دخل.
الأحزاب دخلت.
الميليشيات دخلت.
تركيا دخلت من بوابة الأمن والمياه وحزب العمال الكردستاني.
ودول الخليج دخلت من بوابة السياسة والاقتصاد.
وحتى داعش دخل من باب انهيار الدولة وتفكك مؤسساتها الأمنية.
وبين كل هذه الأبواب، ضاع باب واحد:
باب العراق.
واليوم، بعد خروج الأميركي، المفروض نسأل: هل راح ينسد هذا الباب وتبدأ الدولة العراقية فعلا؟ لو راح تنفتح أبواب "الخان" أكثر؟
القلق مو جاي من فراغ.
الفصائل القريبة من إيران احتفلت بخروج الأميركي باعتباره انتصار، وبعضها شاف أنه لا يعتبر نفسه ملزم بجدول حكومي لنزع السلاح. والحكومة العراقية نفسها اضطرت إلى تأجيل موعد نزع سلاح الفصائل إلى حزيران 2027 بعدما رفضت جماعات قوية مرتبطة بإيران تسليم أسلحتها بالشكل الذي طلبته بغداد.
وهنا، بالله عليكم، شنو معنى السيادة؟
إذا طلعت قوة أجنبية من البلد، وبقيت قوة مسلحة عراقية تگدر تقول للحكومة:
هذا القرار ما يعجبنا.
أو:
هذا السلاح ما نسلمه.
أو:
إحنا مو ملزمين بالموعد اللي حددته الدولة.
فالمشكلة مو بالأميركي اللي طلع.
المشكلة بالسلاح اللي بقى.
لأن الدولة إذا ما تملك قرار السلاح، فشلون راح تملك قرار الحرب والسلم؟
وشلون راح تحدد سياستها الخارجية؟
وشلون راح تمنع العراق من أن يتحول إلى ساحة لتصفية حسابات إيران مع أميركا أو إسرائيل أو دول المنطقة؟
وهذا مو سؤال نظري.
العراق سبق أن دفع ثمن تحوله إلى ساحة صراع.
والأخطر أن بعض الضربات الإقليمية الأخيرة انطلقت من الأراضي العراقية، فيما كانت الحكومة تواجه صعوبة في إثبات قدرتها على ضبط جميع الفصائل المسلحة.
يعني المسألة وصلت إلى مرحلة خطيرة:
العراق ممكن يدخل حربا ما اختارها.
وهذا أخطر شيء ممكن يصير لأي دولة.
لأن الحرب إذا قررتها بغداد، الشعب يعرف منو المسؤول.
أما إذا قررتها جهة ثانية، ونفذت من الأراضي العراقية، والعراق هو اللي يدفع الثمن، فهنا الدولة تصير مجرد عنوان على الخريطة.
وهنا يرجع "خان جغان" مرة ثانية.
إيران تريد العراق حليفا استراتيجيا.
أميركا تريد منه ألا يتحول إلى قاعدة للخصوم.
تركيا تريد أمن حدودها.
دول الخليج تريد ألا تتحول أراضيه إلى منصة تهديد.
والعراقي يريد شيئا بسيطا جدا:
أريد بلدي إلي.
مايريد يصير ممر.
ولا يريد أن يصير مخزن للسلاح.
ولا يريد أن يصير ساحة حرب.
ولا يريد أن يصير خط دفاع عن إيران.
ولا يريد أن يكون منصة للرد على واشنطن.
ولا يريد أن يكون ورقة بيد أي دولة.
يريد دولة تگول لإيران: أنت جارة، وأهلا وسهلا، بس هاي حدودنا.
وتقول لأميركا: أنت حليف أو شريك، بس هذا بلدنا.
وتقول للفصائل: هذا سلاح دولة، مو سلاح حزب.
وتقول للجميع:
العراق مو خان جغان بعد اليوم.
لكن المشكلة أن الطريق لهذا الكلام مو سهل.
لأن العراق بعده يعتمد بصورة هائلة على النفط، ونحو 90 بالمئة من إيرادات الدولة مرتبطة به، فيما تبقى آليات إدارة عائداته بالدولار مرتبطة بالنظام المالي الأميركي عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وهذا يعني أن خروج القوات الأميركية مايعني يعني خروج النفوذ الأميركي الاقتصادي بالكامل.
وهنا المفارقة العراقية الجديدة:
الأميركي خرج عسكريا، لكنه ما اختفى من المعادلة الاقتصادية.
وإيران موجودة سياسيا وأمنيا، لكنها ما تملك وحدها مفاتيح الاقتصاد العراقي.
والفصائل تملك السلاح، لكنها تحتاج إلى الدولة ومواردها.
والدولة تريد فرض سلطتها، لكنها تواجه قوى أقوى منها في بعض الملفات.
يعني العراق اليوم أمام معادلة معقدة جدا.
لا هو تابع لأميركا.
ولا هو تابع رسميا لإيران.
لكن الخطر أن يتحول من دولة مستقلة إلى ساحة نفوذ متصارع عليها.
وهذا هو الفرق بين السيادة على الورق والسيادة الحقيقية.
السيادة مو أن نرفع العلم العراقي ونحتفل بيوم خروج الأميركي.
السيادة أن يكون قرار الحرب والسلم عراقيا.
السيادة أن يكون السلاح عراقيا.
السيادة أن تكون الحدود عراقية.
السيادة أن تكون السياسة الخارجية عراقية.
والسيادة قبل كل شيء أن تعرف كل دولة مجاورة أن العراق دولة، مو خان جغان.
وهنا تحديدا يقع الامتحان الحقيقي بعد خروج الأميركي.
الأميركي خلص مهمته وغادر.
وداعا.
لكن منو راح يملأ الفراغ؟
إذا ملأته الدولة العراقية، فهذه بداية جديدة فعلا.
أما إذا ملأته الميليشيات، وإذا بقي القرار موزعا بين مراكز قوة مرتبطة بهذا الطرف أو ذاك، وإذا صار العراق مرة ثانية ساحة لتصفية صراعات المنطقة، فكل الكلام عن "السيادة" راح يبقى مجرد احتفال رسمي.
لأن السيادة مو خروج جندي أجنبي فقط.
السيادة هي ألا يحتاج العراق إلى جندي أجنبي حتى يحمي نفسه من نفوذ دولة أخرى.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الاحتفالات.
العراق بعد سقوط صدام صار "خان جغان" لأن الدولة تراجعت، والآخرين تقدموا.
واليوم، بعد خروج الأميركي، أمام العراق فرصة حتى يثبت أن التاريخ ما راح يعيد نفسه.
إما أن تعود الدولة إلى مكانها الطبيعي، ويصير السلاح بيدها، والقرار بيدها، والعلاقات الخارجية بيدها...
أو يبقى العراق مفتوح الأبواب، كلما خرج منه طرف دخل طرف آخر.
وساعتها، لا يكون الأميركي قد خرج فعلا من العراق.
ولا يكون الإيراني قد دخل وحده.
بل يكون العراق نفسه قد بقي غائبا عن العراق.
وهذه، قبل أي شيء آخر، هي المأساة اللي لازم أن تنتهي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

687 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع