قراءة في الأزمة الهيكلية للخطوط الجوية العراقية الإدارة بالأزمات أم إدارة الأصول؟

فارس الجواري

قراءة في الأزمة الهيكلية للخطوط الجوية العراقية الإدارة بالأزمات أم إدارة الأصول؟

إن ما تعيشه الخطوط الجوية العراقية اليوم لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة لظروف استثنائية أو متغيرات طارئة بل هو حصيلة تراكمات إدارية امتدت لسنوات غلب فيها أسلوب إدارة الأزمات اليومية على حساب بناء مؤسسة قادرة على التخطيط الاستراتيجي وإدارة أصولها بكفاءة. فشركات الطيران لا تُقاس فقط بعدد طائراتها أو وجهاتها وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين السلامة التشغيلية والاستدامة المالية وحسن استثمار الموارد البشرية والمادية وهو ما يشكل الأساس الحقيقي لنجاح أي ناقل وطني.

ومن منظور اقتصادي وإداري، فإن الأزمة الحالية يمكن قراءتها من خلال ثلاثة محاور مترابطة تعكس حجم الاختلال في منظومة الإدارة واتخاذ القرار.
أول هذه المحاور يتمثل في اختلال هيكلة العقود فالعقود التي يفترض أن تحقق شراكات تحقق المنفعة للطرفين تحولت، في كثير من الحالات إلى عقود تفتقر إلى مبدأ توازن المصالح الاقتصادية. ويبرز ذلك بوضوح في بعض عقود الخدمات الأرضية التي تذهب فيها نسبة كبيرة من الإيرادات إلى المستثمر، بينما يتحمل الناقل الوطني الجزء الأكبر من الالتزامات التشغيلية والمخاطر الأمر الذي يضعف قدرة الشركة على تكوين فوائض مالية يمكن إعادة استثمارها في تحديث الأسطول أو تطوير البنية التحتية أو تدريب الكوادر.
ويزداد هذا الخلل وضوحاً مع استمرار الاعتماد على التعاقدات الخارجية في مجالات كان من الممكن توطينها داخل الشركة منذ سنوات وفي مقدمتها التدريب الفني وورش الصيانة. فتعطيل المركز التدريبي وورش الصيانة المحلية لأكثر من أحد عشر عاماً لا يمثل مجرد توقف لمرافق إنتاجية بل يعني استمرار نزيف مالي عبر إرسال الكوادر إلى الخارج واستيراد خدمات كان بالإمكان توفيرها محلياً بكفاءة أقل كلفة وأكثر استدامة، فضلاً عن ضياع فرصة بناء خبرات وطنية قادرة على دعم قطاع الطيران العراقي.

أما المحور الثاني فيتعلق بإخفاق استراتيجيات الامتثال التنظيمي فاستمرار الحظر الأوروبي على الخطوط الجوية العراقية للسنة الحادية عشرة يشير إلى وجود خلل في إدارة ملف السلامة والامتثال للمعايير الدولية ومن أبرز المؤشرات على ذلك استمرار الاعتماد على الجهات الاستشارية ذاتها منذ عام 2016 دون تحقيق النتيجة الأساسية المتمثلة برفع الحظر. ورغم الإعلان في أكثر من مناسبة عن نسب إنجاز مرتفعة، فإن الواقع العملي لا يزال يؤكد بقاء المعوقات الأساسية دون معالجة نهائية إن نجاح أي استشاري لا يقاسبعدد التقارير أو الاجتماعات وإنما بالنتائج القابلة للقياس، وفي مقدمتها استيفاء متطلبات الجهات الرقابية الدولية واستعادة الثقة التشغيلية. لذلك فإن استمرار الحظر بعدسنوات طويلة يفرض مراجعة شاملة لجدوى هذه التعاقدات وآليات الرقابة عليها، ومدى تحقيقها للقيمة المضافة لأن استمرار الإنفاق دون نتائج ملموسة يندرج ضمن ما يمكن وصفه بالاستنزاف الاستشاري وهو نمط يستنزف الموارد دون أن ينقل المؤسسة من مرحلة المراجعة إلى مرحلة الاعتماد الكامل.

أما المحور الثالث فهو سوء إدارة الأصول الرأسمالية ويعد من أخطر التحديات التي تواجه الشركة فالأصل الرأسمالي في قطاع الطيران هو مصدر للإيرادات متى ما كان في الخدمة لكنه يتحول إلى عبء مالي عندما يتوقف عن التشغيل لفترات طويلة وتمثل طائرات الإيرباص A220 مثالاً واضحاً على هذا الواقع إذ إن استمرار توقفها عن العمل أدى إلى خسائر مالية كبيرة تشمل أقساط تأمين مرتفعة وتكاليف صيانة الطائرات الرابعة وفقدان الإيرادات التشغيلية فضلاً عن انخفاض القيمة الاقتصادية للأصل مع مرور الزمن لتصل التقديرات إلى نحو 250 مليون دولار من الخسائر المباشرة وغير المباشرة.
ولا تقتصر آثار هذا التوقف على الجانب المالي فحسب بل تمتد إلى رأس المال البشري إذ يؤدي غياب التشغيل المنتظم إلى تراجع المهارات العملية للطيارين والمهندسين وأطقم الضيافة والفنيين الأمر الذي يفرض لاحقاً برامج إعادة تأهيل وتدريب مكلفة لاستعادة الكفاءة التشغيلية وفي صناعة تعتمد على الخبرة المتراكمة والممارسة اليومية فإن خسارة الكفاءة البشرية لا تقل خطورة عن خسارة الأصول المادية.

إن التجارب العالمية تؤكد أن شركات الطيران الناجحة لا تعتمدعلى ردود الأفعال المؤقتة بل على إدارة استراتيجية للأصول وتخطيط مالي طويل الأمد وحوكمة تعاقدية تضمن حماية المال العام وتعظيم العائد الاقتصادي ومن هنا فإن أي محاولة لإنقاذ الخطوط الجوية العراقية لن تنجح إذا اقتصرت على معالجة الأعراض دون معالجة جذور الأزمة.
إن المطلوب اليوم هو إعادة هيكلة شاملة للعقود بما يحقق العدالة الاقتصادية ويحمي مصالح الناقل الوطني، وإعادة تفعيل الأصول المعطلة وفي مقدمتها المركز التدريبي وورش الصيانة والطائرات المتوقفة مع تبني سياسة تقوم على بناء القدرات الوطنية بدلاً من الاعتماد المستمر على الوسطاء والاستشاريين. كما أن الالتزام الحقيقي بمعايير ICAO وIATA يجب أن يتحول من مجرد شعار إلى برنامج عمل يرتبط بمؤشرات أداء قابلة للقياس والمحاسبة.إن مستقبل الخطوط الجوية العراقية لن يُصنع بإدارة الأزمات، وإنما بإدارة الأصول ولن يتحقق التعافي إلا من خلال إصلاح مؤسسي شامل يعيد بناء الثقة، ويعزز الكفاءة ويضع الناقل الوطني على مسار المنافسة الإقليمية والدولية وفق أسس مهنية واقتصادية راسخة.

009647711674086

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

996 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع