
د.سعد العبيدي
قرأ المشهد مبكرًا
قرأ المشهد بعد أسابيع من سقوط بغداد. حزم أمتعته وعاد من ألمانيا، بعد أن ترك وراءه قضية رشوة كادت تطيح به وهو ضابط مرور في منتصف التسعينيات. أنكر سبب هروبه، وقدّم نفسه معارضًا للنظام، فعاد إلى الخدمة برتبة نقيب. لم يحتج إلى كثير من الوقت ليدرك أن العراق الجديد لا يفتح أبواب الصعود لمن يتقن مهنته، وإنما لمن يحسن الوقوف عند أبواب رجال الدين، والأحزاب، وأصحاب السلاح. وما إن استقر هذا اليقين في نفسه، حتى أعاد تشكيل هويته بما يلائم قواعد اللعبة؛ بدّل لقبه، ثم مذهبه، وصار وجهًا مألوفًا في مقر الحزب، حتى غدا واحدًا منهم، وأخذت الترقيات تتوالى عليه باسم المظلومية.
وفي صباح عادي، يوقظه رنين الهاتف. يأتيه الصوت من المقر هادئًا: "مبارك... صدر الأمر، أصبحت مديرًا عامًا للمرور." يغلق الهاتف، يرتدي بدلته على عجل، ويغادر البيت بخطوات الواثق أن الأبواب التي تفتح مرة، لن تعود إلى الإغلاق.
تبدأ السنوات التالية في كتابة سيرتها على نحو مختلف. تتراكم الملفات فوق مكتبه كما تتراكم الشبهات. وكلما أُغلق ملف، فُتح آخر أكثر ثقلًا. لم تعد الهمسات تكفي، فتغدو اتهامات، ثم تتحول إلى دعاوى أمام القضاء. يصدر الحكم الأول: خمس سنوات سجن. يعقبه حكمان آخران، عشرة أعوام لكل واحد منهما، حتى يبدو مجموع الأحكام أطول من المسيرة التي أوصلته إلى المنصب.
لكن الأحكام كانت أبطأ منه. وقبل أن تجد طريقها إلى التنفيذ، كان قد وصل القاهرة هاربًا. هناك، يطوي سنواته بين أروقة الجامعة وشارع الهرم، ويجعل العدالة وسيادة القانون موضوعًا لأطروحة الدكتوراه. وبينما يناقشها في الجامعة، كانت في بلده تُكتب نهاية أخرى لقضاياه. يصدر العفو، فتسقط الأحكام قبل أن ترى أبواب السجن. يعود بعدها إلى البلاد، كأن السنوات التي قضاها هاربًا لم تكن سوى بعثة دراسية.
يتجه من المطار إلى مقر الحزب، يدخل الغرفة التي يعرف أن الأبواب تُفتح منها. تُجرى مكالمة قصيرة، تُذكر فيها شهادته الجديدة، ويُغلق الهاتف على وعد لا يحتاج إلى انتظار طويل. يمضي ليلته الأولى مستريحًا من عناء العودة، وفي الصباح يجد أمر إعادته إلى الخدمة بانتظاره، ومعه منصب عميد كلية الشرطة؛ مكافأة تليق بلقب «الدكتور» أكثر مما تليق بسيرته.
تمضي أشهر قليلة، ويرن هاتف آخر في مكتب أعلى، فينتقل إلى معاون وكيل شؤون الشرطة، كما لو أن المناصب درجات مصعد كهربائي لا تحتاج سوى إلى إصبع يعرف الرقم الصحيح. وحين يحل موسم الترقيات، يضع الوزير اعتراضه. يقلب الأوراق أمامه، ثم يقول إن المنصب الذي يشغله لا يسمح بترقيته إلى فريق، وإن رتبة اللواء هي آخر ما تبيحه الضوابط.
يبتسم الرجل. ابتسامة الواثق أن القوانين تُكتب للآخرين. يترك مكتب الوزير، ويتجه إلى مقر الحزب، ومنه إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء، ليخرج برتبة فريق، بعدما أُزيحت الضوابط من طريقه بقرار واحد.
ولا تمضي أشهر أخرى حتى يعود إلى كرسي مدير المرور العام، كأن الأحكام، والهروب، لم تكن سوى استراحة قصيرة في سيرته الوظيفية. هناك يبدأ إبداعه الحقيقي. لا ينشغل بتقليل الحوادث، وإنما بتعظيم الغرامات. يأمر بزرع الكاميرات في كل مكان، حتى تغدو الطرق تقيس المخالفات بالأمتار قبل أن تقيسها بالأفعال. تقفز الجباية إلى مئات المليارات من الدنانير كل شهر، غير أن الطريق إلى خزينة الدولة لا يبدو مستقيمًا كما تبدو الكاميرات مصطفة فوق أعمدة الشوارع. ثم يظهر مستثمر يحمل مشروعًا جديدًا. خمس مجمعات مرورية تبنى جاهزة، وخمسون هاتفًا حديثًا تُسلَّم كل عام، مقابل خمسة وثلاثين ألف دينار من كل معاملة مرورية. رقم صغير يمر على المراجع دون أن يلتفت إليه، لكنه، حين يتكرر مع ملايين المعاملات، يتحول إلى نهر من الأموال، تتفرع مجاريه قبل أن يبلغ مصبه الطبيعي. وبينما تتوزع تلك المجاري في اتجاهات شتى، كانت نشرات الأخبار تتحدث كل مساء عن مصاعب تأمين الرواتب، وعن خزائن أنهكها العجز. عندها يكتمل المشهد الذي قرأه الرجل منذ البداية؛ فالدولة التي يصبح فيها الولاء طريقًا إلى المنصب، لا تعاقب الفساد، وإنما تعيد تدويره، ليعود إليها في كل مرة بمنصب أعلى، ونفوذ أوسع.

675 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع