
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

السياحة الصيفية وقصة مغامِرَين عراقيين
العطلة الصيفية فترة استراحة واستجمام ومرحلة انتقالية بين السنوات الدراسية، وفي معظم بلدان العالم تعني العطلة الصيفية للطلاب والمعلمين فضاءً من الراحة، السفر، ومكافأة الذات بعد عام دراسي شاق وسنة دراسية حافلة.
لقد كان العراقيون يستغلون العطلة الصيفية للاستجمام والذهاب إلى المصايف والسياحة والهروب من الأجواء الصيف اللاهبة في شهري تموز وآب. وفي الموصل كان لحمّام العليل خصوصيتها الخاصة ولها موقعها الخاص وقد تركت بصماتها في التراث العراقي في الأغنية الشهيرة التي تقول:
صاح القطار قومي انزلي .... كن وصلنا حمّام علي
دطلع على تل السبت .... معاي هرجي وكم بنت
نغني ونفغح كل وقت ... وارجع واقول ادللي
أذكر أثناء دراستي في إنكلترا في الثمانينيات ذهبتُ بصحبة صديق العمر أ.د. بديع علي أحمد؛ رئيس جامعة الحدباء حاليا، إلى الصديق العزيز الدكتور (طاهر حسن إسماعيل) المقيم في فرنسا وقمنا برحلة العمر، حيث جبنا سويسرا من شمالها إلى جنوبها، ثم انتقلنا إلى جنوب فرنسا حتى وصلنا إلى حدود إيطاليا.
من أشهر الشخصيات العراقية في مجال السياحة، هو السائح العراقي الشهير يونس بحري (1900 - 1979) الذي جاب معظم بلدان آسيا وأفريقيا وأروبا، وقد نشرنا عنه كتابنا الموسوم (يونس بحري.. سندباد القرن العشرين) سنة 2022.
ففي أواخر العام 1923 غادر يونس بحري العراق في رحلة حول العالم، لزيارة عدد من الدول الأوروبية والآسيوية ولم يكن معه سوى الشيء القليل من المال. وانطلق من بغداد نحو إيران ومنها إلى أفغانستان والهند وصولا إلى الشرق الأقصى والملايو وإندونيسيا، ثم مرَّ بالصين واليابان. ثم عاد إلى العالم العربي ووصل إلى مصر التي وثَّق علاقاته بأدباءها ومثقفيها وكتب في صحافتها.. ثم عاد إلى العراق باسم (السائح العراقي) في العام 1925.
بعدها غادر يونس بحري إلى الكويت ومنها إلى السعودية، حيث اخترق الاحساء ونجد والحجاز وعسير والربع الخالي حتى وصل إلى اليمن والتقى بالإمام يحيى بن حميد الدين زعيم اليمن، ومن هناك عبر البحر الأحمر نحو أفريقيا واخترق أرتيريا والحبشة ( أثيوبيا حاليا ) والسودان الشرقي ومن ثم السودان الغربي وعَبَر الصحراء الكبرى، ووصل بعد 48 يوما إلى جبال الأطلس، ووجد نفسه في المغرب. فزار فاس ومكناس ومراكش وكازابلانكا (الدار البيضاء حاليا) والرباط وطنجة، ومن هناك عبر إلى أوروبا نحو إسبانيا ووصل فرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وأبحر إلى إنكلترا.
وعند إبحاره إلى إنكلترا كان هناك مسابقة لعبور بحر ألمانش سباحة، فدخل يونس بحري تلك المسابقة وتقدم حاملا العلم العراقي لدخول المسابقة قبيل ساعات معدودة من بدئها من دون تحضير سابق أو تدريب. فعبر البحر بتفوق وفاز بالمركز الأول مسجلاً سابقة لا مثيل لها في التاريخ الرياضي العراقي، فأُطلق عليه تسمية (يونس البحري) ومنح جواز سفر دبلوماسياً ألمانيا.
ثم قفل راجعا إلى العراق وكتبت الصحافة العراقية مغامراته الجغرافية، عاد مثقفا بلغات ومعلومات واسعة. ثم غادر العراق مرة اخرى في العام 1929، والتقى بفتاة هولندية اسمها (جولي فان در فين) (julie van der veen) في مدينة نيس الفرنسية، وقد تزوج منها، ولكنها لم ترد السفر الكثير وأرادت الاستقرار فبقيت في بلدها.
في الأجيال اللاحقة شاع بين العراقيين السفر بالسيارات الشخصية إلى تركيا وبعض البلدان الأوربية، ولا زال البعض يتجهون بسياراتهم الشخصية للاستمتاع بأجواء تركيا بعيدا عن أجواء الصيف اللاهبة.
وتشير الإحصائيات الرسمية أن العراق يتصدر البلدان العربية في عدد الزائرين لتركيا، وأن عدد الزائرين العراقيين الى تركيا في هذا العام بلغ 96,069 زائراً في حزيران 2026، مقابل 100,892 زائراً في الشهر ذاته من عام 2025، بانخفاض نسبته 4.78%، فيما بلغت حصة العراقيين 1.73% من إجمالي الزائرين. كما أن هناك عوائل عراقية لازالت تفضل السفر بسياراتهم الشخصية على غرار من كان سائدا من قبل.

الأستاذ الدكتور محمد جياد النُعيمي:
الأستاذ الدكتور محمد جياد النُعيمي شخصية فريدة متعددة المواهب، ولد في الموصل سنة 1952 في محلة السجن (الكلوات) في الموصل، المجاورة لسجن الموصل القديم. درس الابتدائية في مدرسة الرافدين، ودرس المتوسطة في متوسطة الحكمة في محلة الدندان، أما دراسته الإعدادية فكانت في الإعدادية الشرقية.
دخل محمد جياد كلية الطب في الموصل، ومع هوايته للعلم كانت له اهتمامات متشعبة في مجال الدراجات الهوائية والسباحة، فضلا عن اهتمامات أدبية؛ كالنشر في مجلة (الجامعة) التي كانت تصدرها جامعة الموصل.
تعين الدكتور محمد جياد النعيمي، بعد التخرج، معيدا في الجامعة المستنصرية، وبعدها اُرسل إلى بريطانيا لنيل الدكتوراه في علم طب وظائف الأعضاء. رجع بعدها إلى الجامعة المستنصرية رغم الإغراءات المادية بالبقاء في بريطانيا، حيث فضّل خدمة الوطن. ثم عمل أيضا أستاذا في علم وظائف الأعضاء بكلية (الغد الحولية) بنجران في سعودية، وهو حاليا استشاري طب وظائف الأعضاء في جامعة النور الأهلية.
من الذين سكنوا محلة الكلوات أيضا، عائلة توفيق عبد الرحمن الخليفة (خليفاوي) الذي كان موظفا في محطة قطار الموصل، وهو والد (عبد الرحمن توفيق).
و(عبد الرحمن توفيق) هو طبيب جراح أخصائي درس في الإعدادية الشرقية وسافر بعد تخرجه من كلية طب الموصل إلى دولة الإمارات عام 1980 للعمل والدراسة، ثم رجع إلى الموصل في العام 1992، وعمل ستة سنوات في مستشفى الزهراوي في الموصل، ثم غادر إلى اليمن وما زال يمارس عمله اخصائي جراحه عامة.
سكن عبد الرحمن توفيق في محلة السجن وجاور محمد جياد النعيمي في محلة الكلوات المجاورة ودرس معه في الإعدادية الشرقية ومارس كلاهما رياضة السباحة وركوب الدراجات الهوائية وارتبطا بصداقة قوية أثمرت عن مغامرات مثيرة.
لقد كان عبد الرحمن توفيق ومحمد جياد شابان مغامران قاما خلال العطلة الصيفية في العام 1973 برحلة على الدراجات الهوائية إلى تركيا وسوريا ولبنان، وقد نشرت جريدة الثورة وجريدة تركية أخبار تلك الرحلة الشبابية المثيرة.
وفي السنة التالية 1974، وخلال العطلة الصيفية أيضا، سافر المغامران عبد الرحمن توفيق ومحمد جياد إلى سويسرا وتسلقا جبال الألب.
وهكذا قضى الطالبان عبد الرحمن توفيق ومحمد جياد فترة الدراسة في كلية الطب بين الدراسة والرياضة والسفرات والمغامرات، وكانا يمارسان أنواع الرياضات، منها اشتراكهما في بطولة الموصل للدراجات، وفي دورات سباق التنس في الكلية الطبية، وفي بطولات الشطرنج في الكلية وحصلهما على مراكز متقدمة في كل هذه الرياضات.
كما قام الاثنان في أثناء دراستهما الجامعية بالسفر إلى أوربا وتجولا فيها مشيا على الأقدام تارة وبالسيارات تارة؛ فيما يُعرف في أوربا باسم (hich hiking).
لقد قيل (في قلوب الشباب يكمن سرّ الطموح) و (حين يمتلك الإنسان طموحاً في مرحلة الشباب، يكون قادراً على إزاحة الجبال بعزيمته).
https://www.youtube.com/watch?v=AhOZVcMSaXw
أمنياتنا القلبية الخالصة للدكتورين الفاضلين عبد الرحمن توفيق ومحمد جياد النعيمي بالتوفيق الدائم ودوام العافية.

550 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع