
براهيم فاضل الناصري
خبرٌ من لندن... وصدى من نصفِ قرن
طالعت خبر رحيل الروائية العراقية الرائدة سميرة المانع في لندن، فمرَّ الخبر في ظاهره خبراً من أخبار الفقد التي صارت تتعاقب على أعمارنا، لكنه في باطنه كان أشبه بمفتاحٍ صغير فتح باباً قديماً في الذاكرة ظل موارباً لعقود طويلة. فما إن قرأت ضمن خبر النعي أنها زوجة الشاعر والمترجم العراقي الكبير صلاح نيازي حتى وجدتني أعود، على غير موعد، إلى زمن بعيد، إلى عام 1978 تحديداً، يوم كانت الحياة أكثر اتساعاً، وكانت الكتب تُكتشف كما تُكتشف القارات الجديدة.
رحلت سميرة المانع، رحمها الله، لكن اسمها أيقظ في داخلي أسماءً أخرى، وأصواتاً أخرى، ووجوهاً مقمرة غابت منذ زمن. أيقظ ذلك الشغف الأول بالشعر الحديث، حين بدأ يتفتح في نفسي وأنا طالب في المرحلة المتوسطة، متأثراً بأستاذ اللغة العربية الأستاذ سعد العكاش الذي لم يكن يكتفي بتدريس النصوص المقررة، بل كان يحثنا على اقتناء دواوين ومجموعات الشعر وخاصة الحديث وقراءتها، إيماناً منه بأن اللغة لا تنمو في القواعد وحدها، بل في مصاحبة الجمال والإقامة بين الكلمات المضيئة.
كان ذلك المعلم يدفعنا نحو الكتاب كما يدفع البستاني غرسه نحو الشمس. ومنذ ذلك الحين أخذت أجمع ما تقع عليه عيني من دواوين الشعر الحر وروائعه، فتعرفت إلى أصوات عراقية كانت يومئذ تشكل ملامح الحداثة الشعرية في العراق؛ كأصوات فوزي السعد، وآمال الزهاوي، وفاضل العزاوي، وشاكر عاشور، وحسب الشيخ وزاهر الجيزاني، وغيرهم من شعراء جيلٍ كان يكتب بروح مختلفة ويبحث عن لغة جديدة للعالم.
وأذكر جيداً أن من بين أوائل المجموعات الشعرية التي اقتنيتها آنذاك كانت المجموعة «نحن» لصلاح نيازي. كان الديوان بالنسبة إلى الفتى الذي كنته نافذةً على أفق آخر، وعلامةً من علامات الاكتشاف الأولى. ولم أكن أتخيل أن اسم صاحب ذلك الديوان سيعود بعد ما يقرب من نصف قرن، لا عبر قصيدة جديدة، بل عبر خبر رحيل شريكة حياته.
هكذا تفعل الأخبار أحياناً؛ فهي لا تخبرنا عن الراحلين وحدهم، بل تخبرنا أيضاً عما رحل في داخلنا من سنوات وأمكنة وأشخاص. وما وفاة سميرة المانع بالنسبة لي إلا لحظة استذكار مزدوجة؛ استذكار لكاتبة عراقية رائدة تركت بصمتها في السرد والثقافة، واستذكار لمرحلة كاملة من العمر كانت الكتب فيها تشبه الأصدقاء، وكانت الدواوين تُقتنى بشغف المكتشف الأول.
لقد غادرت سميرة المانع عالمنا، لكنها تركت وراءها أثراً أدبياً وإنسانياً يستحق التقدير، كما ترك خبر رحيلها في نفسي صدىً آخر، صدى تلك الأيام البعيدة التي كنت أعود فيها من المكتبة حاملاً ديواناً جديداً كما لو أنني أحمل كنزاً ثميناً. ولعل أجمل ما يفعله الراحلون أنهم يذكروننا بأن أعمارنا ليست سنوات فحسب، بل مكتبات من الذكريات، وأن بعض الأسماء تظل قادرة، حتى بعد رحيل أصحابها، على أن تعيد إلينا ما ظننا أن الزمن قد أخذه إلى الأبد.
رحم الله سميرة المانع، ورحم جيلاً من المبدعين العراقيين الذين رافقوا أحلامنا الأولى، وتركوا في أرواحنا من الكلمات ما يجعل الغياب أقل قسوة، والذاكرة أكثر وفاءً.

833 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع