مونت كارلو:تتجنب دول الخليج القيام بأي رد عسكري مباشر على إيران رغم اتساع هجماتها في الأيام الأخيرة بعد وصول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران إلى حافة الانهيار.
وعادت الضربات الإيرانية لتطال معظم الدول الخليجية في يوليو، وتركزت الهجمات خلال الأسابيع الماضية على الكويت والبحرين، وامتدت مؤخرا إلى قطر وسلطنة عمان والإمارات، حتى أنها وصلت إلى خارج منطقة الخليج وتحديدا إلى الأردن وسوريا.
وكانت العمليات العسكرية الكبرى توقفت في أبريل الماضي بعد مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، لكن الأخيرة عادت وهاجمت السفن في مضيق هرمز لترد الولايات المتحدة بموجة من الضربات العسكرية، قابلها الحرس الثوري باستهداف دول الخليج بحجة أنها تستضيف قوات أميركية.
وخلال الفترة من 28 فبراير إلى 17 مايو 2026، أطلقت إيران أكثر من 6,700 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه دول الخليج، حسب تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي.
ويشير التقرير إلى أن الإمارات كانت الهدف لما يقرب من نصف الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال تلك الفترة.
أما في شهر يوليو وحده، فقد تعرضت كل من الكويت والبحرين لست لسلسة من الهجمات، فيما سجلت قطر ثلاثة حوادث، والإمارات حادثين رئيسيين، وتعرضت سلطنة عمان لموجة هجمات مباشرة إلى جانب هجمات بحرية في مياهها، بينما شهدت السعودية حادثا بحريا واحدا.
ومع كل هذه الهجمات السابقة والمتجددة، لم تخرج دول الخليج عن نطاق الإدانة والاحتفاظ بحق الرد والدفاع عن النفس، مع استمرار تعرض أراضيها أو مصالحها لضربات متكررة.
فلماذا لا ترد دول الخليج على إيران عسكريا؟ وهل تمتلك القدرة على الرد في المقام الأول أم أن استجابتها ستبقى محصورة في إطار الدفاع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟
يقول العميد في الجيش العماني سعيد الحجري لـ “الحرة” إن هناك “فجوة حقيقية” في الجانب الهجومي في الخليج، إذ لا تمتلك دول الخليج عمقا استراتيجيا يوازي الترسانة الإيرانية من الصواريخ والطائرات المسيرة، باستثناء قدرات محدودة لدى السعودية والإمارات.
ورغم أن هذه الدول تمتلك مقاتلات “إف-15″ و”إف-16″ و”يوروفايتر” التي توفر القدرة التقنية على تنفيذ هجمات، إلا أن استخدامها ضد إيران يعني انتقال دول الخليج من موقع الدولة المستهدَفة إلى طرف شريك في الحرب، وهو “قرار سيادي بالغ الحساسية” لم تقدم عليه أي دولة خليجية حتى الآن.
كما يؤكد الحجري عدم قدرة أي دولة خليجية على الرد بالمستوى نفسه أو تحييد الترسانة الإيرانية بمعزل عن الدعم الأميركي، معتبرا أن الردع الخليجي الحالي هو “ردع استعارة لا ردع امتلاك” وهو ما يفسر الفارق بين حدة الخطاب وضبط الفعل، حسب تعبيره.
وفيما يتعلق بالقدرات الدفاعية لدول الخليج فإنها تحقق فاعلية جزئية، إذ تعتمد على منظومات باتريوت وثاد المدعومة بالمظلة الأميركية المشتركة، والتي تعترض نسبة من التهديدات فقط.
وقد كشفت الإصابات التي سجلت في قطر والبحرين والكويت والأردن وجود ثغرات دفاعية حقيقية، من بينها إخفاقات في تمييز الصديق من العدو، كما حدث في حادثة النيران الصديقة التي أسقطت في مارس الماضي مقاتلتين أميركيتين في الكويت.
ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري السعودي العميد الطيار المتقاعد فيصل الحمد، أن خيارات الرد العسكري الخليجي تبدأ بالدفاع النشط عبر منظومات الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وقد يمتد الرد إلى العمليات السيبرانية والتشويش لتعطيل الطائرات المسيرة وشبكات القيادة والسيطرة، ثم إلى استهداف الأذرع الإيرانية في المنطقة، وصولا إلى عمليات عسكرية أوسع بالتعاون مع الولايات المتحدة أو ضمن حملة خليجية مشتركة تستخدم الطائرات المقاتلة والمسيرة.
لكن الحمد رجح أن أي رد سيكون “متدرجا لا اندفاعا نحو حرب شاملة”، مشيرا إلى أن دول مجلس التعاون ما تزال متمسكة بسياسة “الصبر الاستراتيجي”، وتفضل الدفاع النشط وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة، ما يجعل دخول دول الخليج في الحرب أمرا مستبعدا في المرحلة الحالية.
ومنذ بداية الحرب، كشفت وكالة بلومبرغ، نقلا عن أشخاص مطلعين على المناقشات أن الإمارات سعت إلى إقناع السعودية وقطر بالانضمام إلى رد عسكري منسق ضد إيران، عقب الهجمات التي استهدفت دول الخليج، إلا أن هذه المساعي لم تحظ بتوافق، مع تمسك دول أخرى بعدم الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
وقد تنتقل دول الخليج، إذا استمرت الهجمات، إلى مرحلة الردع الجماعي عبر إجراءات أمنية مشتركة أو مراجعة شاملة للعلاقات السياسية والأمنية مع إيران، بهدف رفع كلفة استهداف دول الخليج ومنع تكرار الاعتداءات، لا توسيع دائرة الصراع، حسب الخبير الاستراتيجي والأمني خالد الصلال.
وفي ظل الظروف الحالية يتجه النقاش الخليجي نحو تكامل دفاع جوي فعلي، وإنشاء “ناتو خليجي” بقيادة سعودية، وتنويع الشراكات الأمنية مع دول مثل تركيا وباكستان، إلى جانب الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية.
إلا أن هذه الخيارات، حسب الحجري، ما تزال مطروحة للنقاش أكثر من كونها مشاريع قابلة للتنفيذ على المدى القريب.

2320 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع