بين البداية والنهاية: أسئلة قديمة في زمن العلم والذكاء الاصطناعي

عماد آل جلال

بين البداية والنهاية:أسئلة قديمة في زمن العلم والذكاء الاصطناعي

منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء، لم يكف عن طرح سؤالين يبدوان بسيطين في ظاهرهما وعصيين على الحسم في جوهرهما: كيف تبدأ الأشياء؟ وكيف تنتهي؟ وبين السؤالين تشكلت الفلسفات، ونشأت الأديان، وتطورت العلوم، واستمر العقل البشري في محاولاته لفهم موقعه داخل هذا الكون الواسع.

حين نقول إن لكل شيء بداية، فإننا نعبر عن خبرة يومية تبدو بديهية، فالحياة تبدأ بولادة، والرحلة تبدأ بخطوة، والفكرة تبدأ بخاطرة، والدولة تبدأ بمشروع سياسي أو حدث تاريخي. لكن هذه البديهية سرعان ما تتعرض للاهتزاز عندما نتساءل: هل للبداية نفسها بداية؟ وهل يمكن أن توجد أشياء بلا بداية؟

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تناول هذه المعضلة بوصفها واحدة من أعقد إشكالات العقل البشري. فقد رأى أن العقل يستطيع أن يقدم حججاً منطقية تؤيد أن للعالم بداية زمنية، كما يستطيع في الوقت ذاته أن يقدم حججاً تدعم أزلية العالم. ومن هنا خلص إلى أن العقل يصطدم بحدوده عندما يحاول تجاوز نطاق الخبرة الإنسانية ليحكم على الكون بأكمله.

أما سيغموند فرويد فقد اقترب من السؤال من زاوية مختلفة. لم يشغله أصل الكون بقدر ما شغلته بدايات الأفعال البشرية والرغبات والدوافع. ففي نظره، كثير مما نعده بداية واعية ليس إلا نتيجة عمليات نفسية عميقة سبقت ظهورها إلى السطح. وهكذا تصبح البداية امتداداً لما هو خفي أكثر من كونها نقطة انطلاق مستقلة.

ومع تطور العلوم الحديثة تغيرت طبيعة السؤال. لم يعد العلماء يبحثون فقط عن ماهية البداية، بل عن الشروط التي تجعلها ممكنة. فالبداية في العلم ليست حدثاً غامضاً، بل انتقالاً من حالة إلى أخرى نتيجة توافر عوامل محددة. ويصدق الأمر نفسه على النهاية، فهي ليست مجرد توقف، بل فقدان النظام أو الظاهرة للخصائص التي كانت تمنحها هويتها.

ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بالعلم التنبؤي، الذي لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يحاول اكتشاف الإشارات المبكرة التي تسبق ظهورها أو أفولها. فقبل انهيار الأنظمة الاقتصادية أو البيئية أو الاجتماعية تظهر مؤشرات دقيقة تنبه إلى اقتراب نقطة التحول. وكأن لكل بداية مقدماتها، ولكل نهاية إنذاراتها.

غير أن السؤال يزداد تعقيداً عندما يمتد إلى حدود الكون نفسه. فالنموذج الكوني السائد اليوم يشير إلى أن الكون المعروف نشأ من حالة شديدة الكثافة والحرارة قبل نحو 13.8 مليار سنة. لكن هذا النموذج لا يجيب بصورة نهائية عن سؤال ما إذا كانت تلك اللحظة تمثل البداية المطلقة للوجود أم مجرد مرحلة من مراحل أعمق ما زالت مجهولة.

ومن هذه النقطة ينفتح باب آخر من التساؤل: إذا كان الكون بهذه الضخامة، فهل نحن وحدنا فيه؟

حتى الآن لم يعثر العلم على دليل مؤكد لوجود حياة خارج الأرض، فضلاً عن وجود حضارات ذكية تشبه البشر. ومع ذلك فإن اكتشاف آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية جعل هذا الاحتمال مطروحاً بجدية أكبر من أي وقت مضى. فالمعادلة تبدو بسيطة: كلما اتسع الكون وازداد عدد العوالم المحتملة، ازدادت فرص ظهور الحياة في أماكن أخرى. لكن الاحتمال، مهما بدا معقولاً، لا يرقى إلى مستوى الدليل.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تكتسب هذه الأسئلة بعداً جديداً. فالذكاء الاصطناعي لا يملك معتقدات أو قناعات خاصة، لكنه يستطيع تحليل الأنماط واستخلاص العلاقات. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى البداية بوصفها ظهور نمط جديد، وإلى النهاية بوصفها اختفاء ذلك النمط أو تحوله إلى شكل آخر. فالنهاية ليست دائماً فناءً، والبداية ليست دائماً خلقاً من عدم، بل قد يكون الاثنان مجرد مرحلتين في سلسلة متصلة من التحولات.

لعل القيمة الحقيقية لهذه الأسئلة لا تكمن في الوصول إلى إجابات نهائية، بل في قدرتها على دفع العقل البشري إلى التفكير المستمر. فكل جيل يعيد طرح الأسئلة ذاتها بلغة جديدة وأدوات مختلفة، من الفلسفة إلى الفيزياء، ومن التحليل النفسي إلى الذكاء الاصطناعي.

وربما تبقى الحقيقة الأعمق أن الإنسان، مهما تقدم علمه واتسعت معارفه، سيظل مفتوناً بالسؤال الأول: من أين جاءت البداية؟ وبالسؤال الأخير: إلى أين تمضي النهاية؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

806 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع