
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
الحمول الثقيلة مالها إلا جَمَلها
ربما لن نضيف جديدا عند مناقشة أزمة الشرق الأوسط والخوض في دهاليز الحرب المعقدة بين أميركا من جهة وإيران من جهة أخرى، خصوصا أن معظم التفاصيل متاحة للجميع في الإعلام والإنترنت .
لكن قدر تعلق الأمر بالعرب عموما والعراقيين خصوصا فإن خلفية الصورة تبدو غير واضحة ومشوشة وقد ساهم في خلق هذا التشويش السياسيون في أحاديثهم والخبراء والمحللين في ظهورهم المتكرر على وسائل الإعلام المختلفة، أنهم اغرقونا بالتفاصيل فانحرف غالبية العرب عن هدفه الأساسي وأصبح مشغولا بتفاصيل لا تخصه وتبعده عن الهدف الحقيقي وهو استقلال ووحدة وتماسك البلدان العربية وعدم جعلها فريسة للمتحاربين، كما حدث في تحول دول الخليج العربي إلى أهداف تقصفها إيران وميليشياتها الإرهابية من العراق واليمن ولبنان بينما لم تقصف أو تضرب إسرائيل والقوات الأميركية بنفس القوة التي ضربت بها دول الخليج العربي والعراق والأردن.
ثم انتقل الصراع إلى مرحلة الفوضى المحسوبة بخصوص الاتفاق لإيقاف الحرب بين أميركا وإيران .
لقد أصبح ترامب مهووسا بتحقيق الاتفاق مع إيران ليتمكن من إعلان "النصر" كما يزعم، وكذلك قيادة الحرس الثوري في إيران تنحو ذات المنحى الذي يدعيه ترامب وتتحدث هي وتوابعها عن نصر كبير غير واقعي أو مزعوم.
لكن الأكثر إيلاما أن دول الخليج العربي (السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت) أصبحت كحال البقرة التي يجب أن تحلب من كلا الطرفين الغالب والمغلوب ، ورغم أن هذه الدول العربية قد تعرضت لحرب لا علاقة لها بها ورغم خسائرها المادية الكبيرة وحجم الدمار الذي لا يمكن تجاهله، لكن عصا ترامب القاسية بدأت تلوح لإجبارهم على دفع أتاوات لإيران حتى يتم توقيع الاتفاق وينتصر ترامب، بينما كان يجب على ترامب أن يجبر إيران على دفع تعويضات لدول الخليج العربية وهي المتضرر فعليا، لكنه فعل العكس.
هذا فيما يتعلق بالدول العربية الخليجية، لكن ماذا عن العراق الذي تحكمه وتتحكم به ميليشيات تعلن الطاعة والولاء المطلق لإيران علنا، وهي التي تنصب الحكومات فيه تبعا لأوامر إيران؟!! .
إن أي عراقي حقيقي ينتمي للعراق قلبا وقالبا يرى أن أميركا قد باعت العراق مرة أخرى لإيران كما سلمته في المرة الأولى بعد الغزو الأميركي له في 2003.
والمثير للاشمئزاز أن العراقيين جميعا، بإستثناء قلة قليلة، انشغلوا ولا يزالون مشغولين بالتفاصيل وماذا قال ترامب أو دي فانس أو قناة CNN أو موقع أكسيوس وماذا قال نتنياهو أو باقي زبانيته وماذا قال عراقجي أو قاليباف وهل مات مجتبى خامنئي أم لم يمت وهل ستسلم الميليشيات سلاحها أم لا وهكذا دواليك...
بينما الحقيقة المؤلمة هي أن العراق أصبح ثمنا بخسا للمساومة بين جميع المتحاربين ولا رأي أو موقف للعراقيين تجاه هذا الأمر الكارثي.
إن حصيلة الاتفاق المزمع توقيعه بين الطرفين لم تتضمن أي شيء يحفظ مصالح وأمن البلدان العربية بل على العكس يمكن لأي شخص رؤية النوايا السيئة المبيتة فيه ضد العرب، أما العراق وشعبه فهو الخاسر الأكبر والمستقبل مجهول، وغالبا ستكون هناك جولة جديدة للميليشيات التابعة لإيران تخوض فيها بدماء العراقيين من جديد لتثبيت سلطتها وترسيخ هيمنة إيران المطلقة لعقود قادمة.
إن قول الله واضحا وحاسما في الآية القرآنية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وأنها تمثل قانوناً إلهياً وسُنّة كونية، تتلخص في مبدأ العدل الإلهي إلى أن الله لا يغير ما بقوم من خير ونعمة إلى شر ونقمة، أو العكس، إلا إذا حدث تغيير من الناس أنفسهم، سواء في نواياهم أو أعمالهم.
وهنا تكمن أهمية السعي والمبادرة فالمواطن هو المحرك الأساسي لتغيير واقعه وحاله بما يخدم مصلحة الوطن والشعب وان يطهر فكره وعقله من خرافات المعممين التي يضحكون بها عليه، فهؤلاء المعممين عندما يدعونهم إلى الزيارة واللطم وحمل الأحجيات والتعاويذ وخواتم المحبة والرزق وقضم تربة الحسين رضي الله عنه للتشافي أو الإكتفاء بحلقات الذكر الكسنزانية وغيرها والإستسلام للفقر واستبدالها بإنتظار الرفاهية في الجنة هم أنفسهم من يسرقونهم ويسافرون إلى لندن وسويسرا وواشنطن وغيرها للتشافي بأشهر المستشفيات هناك .
فلا خلاص ولا تغيير إلا بأيديكم وخلاصة القول: "الحمول الثقيلة ما لها إلا جَمَلها".

794 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع