بيرسا كوموتسي: 'الترجمة ليست نقل كلمات بل عبور الأرواح بين الثقافات'

 بيرسا كوموتسي حصلت على العديد من الجوائز عن إنجازاتها

الروائية والمترجمة الأدبية اليونانية تُعدّ واحدة من أبرز الجسور الثقافية بين العالم العربي واليونان، كما تعتبر أشهر مترجمة لأعمال الأديب نجيب محفوظ إلى اللغة اليونانية.

ميدل ايست اونلاين/ضياء الدين حامد:بيرسا كوموتسي كاتبة وروائية ومترجمة أدبية يونانية تُعدّ واحدة من أبرز الجسور الثقافية بين العالم العربي واليونان كما تُعد أشهر مترجمة لأعمال الأديب نجيب محفوظ إلى اللغة اليونانية، وقد ترجمت له 15 رواية كما ترجمت ما يزيد عن 40 عملا نثريا وأكثر من 1000 قصيدة وغيرها من الأعمال الأدبية المهمة في الأدب العربي.

حصلت على العديد من الجوائز عن إنجازاتها فى عالم الترجمة والكتابة، منها جائزة كفافيس الدولية، وجائزة الملك عبد العزيز للإنجاز ووسام الفنون من فلسطين، كما أنشأت مبادرة المركز العربي اليوناني للثقافة والأدب فى اليونان.

تؤمن بأن الترجمة ليست مجرد نقلٍ للكلمات بل هي نقلٌ للروح والوجدان والثقافة. في هذا الحوار نتحدث معها عن أحدث أعمالها التي صدرت حديثا.

أعلنتِ مؤخرا عن مشروع جديد مع دور نشر قبرصية.. ماذا عن هذا المشروع؟ وفي أي إطار يأتي هذا التعاون؟

هذا المشروع امتداد لمشروع" ليلى" (ترويج للأدب العربي في أوروبا) الذي بدأناه مع نخبة من المترجمين الأوروبيين للأدب العربي من مختلف أنحاء أوروبا تحت رعاية المعهد الفرنسي للترجمة في جنوب فرنسا قبل ثلاثة أعوام بهدف الترويج للأدب العربي المعاصر في أوروبا ولا سيما الكتب التي لا تمثلها منظمات أو وكلاء آخرون، ولكنها تتميز بجودة عالية وتستحق الترجمة. ضم البرنامج فريق من أكثر المترجمين خبرة في كل لغة وإلى جانبنا اكتمل الفريق بكتاب وأكاديميين. وقد موّل الإتحاد الأوروبي هذا البرنامج وبدأ تنفيذه هذا العام وبفضل إتقاني للغة اليونانية سعيتُ إلى الترويج لهذا البرنامج في قبرص باعتبارها دولة ناطقة باليونانية. قبرص دولة صغيرة لكنها ذات أهمية فقد لجأ كتّاب من سوريا وفلسطين ولبنان إلى قبرص في التسعينيات وهناك قدموا أعمالهم، ووثّقوا علاقاتهم مع السكان المحليين. سليم بركات ومحمود درويش كانوا من هؤلاء المبدعين ، الذين لجأوا إلى قبرص واستمروا معاً في نشر مجلة الكرمل الشهيرة. وهكذا، تكتسب قبرص أهمية في مجال الأدب العربي. إلا أنها لا تُدرك أهمية الأدب العربي المعاصرولم ينشر الأدب العربي تقريباً منذ 2019 مع نشر قصائد للشاعر الفلسطيني نجوان درويش والتي قمت بها لمنظمة ثقافية ذات قدرات نشر محدودة جدا والمفارقة هي أن استضافت قبرص كتّابًا وشعراء عربًا في الماضي، وخاصة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بسبب الحروب في المنطقة، لكن الأجيال الجديدة لا تُدرك ذلك، تمامًا كما لا تُدرك أدبها. كان تأسيس البرنامج هناك تحديًا جديدًا وأرضًا خصبة لبناء سلسلة من الأعمال. ما زلنا في البداية لكنني أعتقد أن الأمر سيزداد قوة مع مرور الوقت.

بالنسبة إلى الأعمال المترجمة من خلال المشروع، هل هي اختيارك الشخصيً أم باقتراح من دار النشر؟

تمّ اختيار الكُتب من خلال برنامج ليلى. اختار كل مترجم عشرين كتابًا اعتبرها مهمة، ثم قرأناها وكتبنا ملخصات موجزة عنها، وأنشأنا موقعًا إلكترونيًا أضفنا إليه صورًا للكتب، ومراجعات، وملخصات لمواضيعها، ومزاياها، وأسباب التوصية بها، بالإضافة إلى نماذج ترجمة قصيرة. وبهذه الطريقة، تتضح للناشرين صورة واضحة عن كل كتاب لاختيار ما يناسب أسلوب سلسلة منشوراتهم، وبالتالي يكون الاختيار قد تمّ مسبقًا من قِبل جميع المترجمين. بعد ذلك، يُضيف كل مترجم يُروّج للبرنامج مزيدًا من المعلومات ويتولى ترجمة الكتاب، الذي يُغطّي الاتحاد الأوروبي جزءًا من تكاليف نشره أعتقد أن هذه أداة رائعة للناشرين الصغار الذين لا يملكون القدرة على تمويل كتاب بالكامل. يختار الناشر العناوين وفقًا لما يناسبه. ويناسب قرائه إنها خطوة أولى آمل أن تنتشر إلى الناشرين في قبرص واليونان. لا يقتصر هذا المشروع على المساهمة في نشر الكتب فحسب، بل يمتد ليشمل نشر الأدب العربي عموماً الذي لا يزال غير معروف على نطاق واسع لدى عامة الناس. كما يفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب لمتابعة ودراسة الأدب والثقافة العربيه واللغه العربيه في المنطقة كما يسهم هذا المشروع في تعزيز الحوار الثقافي بين شعوب المنطقة.

مؤخرا صدرت لك العديد من الأعمال منها رواية "عتبات البهجة"، ما الذي دفعك لاختيار هذا العمل تحديدا لتكون أحدث أعمال إبراهيم عبد المجيد التي تنقلينها إلى اليونانية؟

هذا الكتاب نتاج اختياراتي الشخصية قبل عشرين عامًا. صحيح أن الطبعة الأولى صدرت عام ٢٠٠٦، لكن دار النشر التي تولت نشره أغلقت أبوابها بعد فترة وجيزة ، مما أدى إلى عدم حصول الكتاب على المسار الذي يستحقه والقراء الذين يستحقهم .شعرتُ أن من واجبي إعادة إصداره، فهو من كتبي المفضلة، تحدثتُ مع المؤلف، وقد رحّب بالفكرة بفرحٍ كبير... كما أعتقد أن القراء اليونانيين اليوم أكثر استعدادًا لتقبّل كتب بعيدة كل البعد عن الغرابة النمطيه فهم الأن أكثر إلمامًا بالأدب العربي. قبل 30 عامًا.

ما الذي جذبك إلى ترجمة "الجندب الحديدي" لسليم بركات رغم ما تُعرف به من صعوبة لغوية وأسلوب بالغ الخصوصية؟

بسبب فرديته تحديدًا. أنا أعشق اللغة الشعرية في الكتب. لقد كان ترجمة هذا الكتاب تحديًا كبيرًا بالنسبة لي و لا تنسى أنني أعمل في مجال الترجمة منذ 35 عامًا، ولديّ رصيدٌ يتجاوز 70 عنوانًا، بالإضافة إلى ترجمتي للشعر العربي. وقد حازت ترجماتي للشعر العربي على جوائز محلية، وتفوق ترجماتي 14 مجموعة شعرية عربية و من بينهم ثلاثه انثولوجيات تضم أكثر من 1000 قصيدة. بعبارة أخرى كنتُ مؤهلة تمامًا لترجمة هذا العمل لكنني في النهاية لم أعتمد فقط على خبرتي بل كان لدي حوار مستمر مع المؤلف وهذا ساعدني على فهم روحه وفكره بشكل أفضل. وكما هو مفهوم كلما كانت لغة الكتاب أكثر أدبية وشاعرية كلما اختلفت طريقة الترجمة. فنحن لا نترجم حرفيًا. الترجمة الحرفية أو "الأمينة" أكثر من اللازم هي من عمل ترجمة جوجل والذكاء الاصطناعي. المترجم الجيد يعيد صياغة النص في سياقه الثقافي الجديد. وإلا، ستكون النتيجة رديئة لأن كل لغة تختلف عن الأخرى... والأهم هو فهم روح المؤلف ومعانيه بعمق. عندها يصبح العمل أسهل.

ترجمتِ أيضا المجموعة القصصية "كتالوغ حياة خاصة" للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان، ما الذي لفت انتباهك في هذا النص منذ القراءة الأولى؟

"كتالوغ حياة خاصة" مجموعة قصصية متميزة للكاتبة والأكاديمية الليبية نجوى بن شتوان وتتميز الكاتبة الليبية نجوى بن شتوان بأسلوب أدبي فريد وخاص جداً في المشهد الأدبي العربي المعاصر. يجمع أسلوبها بين العمق الفكري والبساطة البصرية يضم 8 قصص قصيرة تعتمد على الفانتازيا والواقعية السحرية لتعكس تفاصيل الحياة المعاصرة للمواطن الليبي. وهذا نوع أدبي أحبه كثيراً. فتجسد القصص انعكاسات الحرب، القمع السياسي، والتشدد الديني على المجتمع الليبي بعد الثورة. تسلط الضوء على حاجة الإنسان الطبيعية لنسيان الصراعات، والعيش بسلام وسط ركام الحرب. لذا فهو كتاب جاء في وقته تماماً ويدين جميع الحروب. أعجبني كتابها أيضاً لانها تستخدم الفكاهة المُرّة والسخرية كأدوات لمواجهة مآسي الحرب، والفقر، والديكتاتورية. الرمزية في الكتاب ناجحة للغاية أيضاً. لقد استمتعت بالترجمة كثيراً.

ترجمت مسرحية "سيزيف" للدكتور عصام عبد العزيز، حدثينا عن هذا التعاون ؟ ما الذي يميزها عن ترجمة السرد؟ وهل واجهت صعوبات عند ترجمتك لها؟

أستطيع القول إن ترجمة هذا الكتاب كانت أصعب من ترجمة جميع الكتب الأخرى، لأن المسرح لا يُترجم كما هو، تمامًا كالشعر، فهو يتطلب معالجة خاصة. وتطلّب التعامل معه عناية فائقة. فالمسرح، أو العمل المسرحي، أشبه بإعادة صياغة شعرية. نظرًا لأن النص المسرحي مكتوب ليُلقى على خشبة المسرح وليس ليُقرأ فحسب، فإن عملية الترجمة تتطلب إدارة خاصة، بحيث يكون الأداء طبيعيًا وسلسًا في الكلام المنطوق. في هذا السياق، يجب مراعاة إيقاع الكلمات وفواصلها وديناميكيتها، إذ قد تبدو العبارة "القوية" في لغة ما ضعيفة أو باهتة في لغة أخرى. في الكوميديا ​​تحديدًا، يصبح من الضروري مراعاة الخلفية الفكاهية لكل من القارئ والمشاهد. (لذلك، يمكن القول إن ترجمة العمل المسرحي تقع على مفترق طرق بين الشعرية والطبيعية: فهي تحمل حساسية الشعر، ولكنها في الوقت نفسه تراعي الجوانب العملية ومتطلبات المسرح وهكذا منحني المؤلف حرية التعامل معه كما أشاء، بحيث يُخاطب جمهورًا يونانيًا مُلمًا بالموضوع. ومع ذلك، فإن الجمع بين نص كتبه مصري ويتناول موضوعًا يونانيًا، وموجه أيضًا إلى جمهور يوناني واسع الاطلاع، كان تحديًا كبيرًا بالنسبة لي. كما احتوى الكتاب على مونولوجات طويلة ، تُعتبر نصوصًا مستقلة بذاتها. المونولوج هو الجزء الأصعب في الترجمة، لأنه يجب ألا يُرهق المشاهد ويُبقيه متيقظًا. لقد تعاملت مع كل هذا بعناية فائقة، وأعتقد أن النتيجة جيدة لأن الدكتور عصام كلفني أيضاً بكتابه التالي، أوديب، وهو نص صعب للغاية أيضاً، لكن لحسن الحظ أنه أقصر بكثير. النص الأدبي الغني بالشعر والمعاني الفلسفية لا يُترجم، بل يُنقل من لغة إلى أخرى. إنها عملية انتقال عبر اللغة، وبالأخص عبر فهمنا للنص. عندما نترجم، فإننا نحول النص من ثقافة إلى أخرى، مستخدمين اللغة كأداة. خاصةً عندما تكون هذه الثقافة هي ثقافة القارئ، ولكنها منسوبة إلى كاتب ينتمي إلى ثقافة مختلفة. وهذا تحدٍّ كبير.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1030 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع