العراق ... حين يصبح الوطن رهينة مصير مجهول

نزار جاف

العراق ... حين يصبح الوطن رهينة مصير مجهول

لم تكن أخطر نتائج تمدد الميليشيات المسلحة في العراق هي فقط ما أحدثته من خلل في بنية الدولة أو ما فرضته من واقع أمني وسياسي مواز، بل إن الخطر الأكبر يكمن في أنها دفعت العراق تدريجيا إلى موقع لا ينسجم مع تاريخه ولا مع مصالح شعبه؛ موقع الدولة التي تربط خياراتها ومصالحها ومستقبلها بمصير مشروع إقليمي يواجه أزمات عميقة في الداخل والخارج.

فالعراق، الذي كان يفترض أن يستعيد بعد عقود طويلة من الحروب موقعه الطبيعي كدولة عربية ذات سيادة وعلاقات متوازنة، وجد نفسه أمام معادلة خطيرة: قوى مسلحة تتحرك خارج منطق الدولة، وتضع حسابات المحاور فوق حسابات الوطن، وتجر البلاد إلى مواجهات وخصومات لا تخدم الشعب العراقي ولا تحقق له أمنا أو استقرارا.
إن الاعتداءات التي تنفذها بعض الميليشيات المرتبطة بالنظام الإيراني ضد بلدان المنطقة ليست مجرد أحداث منفصلة يمكن تجاوزها، وإنما هي جزء من مشروع يجعل العراق ساحة نفوذ وصراع، ويضعه في مواجهة محيطه العربي والدولي. والمفارقة المؤلمة أن العراق هو الذي يتحمل تبعات هذه السياسات؛ فكل تصعيد خارجي ينعكس على أمنه واقتصاده ومكانته، بينما يبقى أصحاب القرار الحقيقيون بعيدين عن دفع الثمن.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تربط مصيرها بمصير أنظمة أو مشاريع أيديولوجية مأزومة تدفع ثمنا باهظا عندما تبدأ تلك المشاريع بالانحسار. واليوم يجد العراق نفسه أمام خطر الوقوع في هذا الفخ؛ أي أن يصبح شريكا في أزمة نظام يواجه رفضا متزايدا من شعبه، وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، وعزلة دولية بسبب سياساته الإقليمية.
إن الدفاع الحقيقي عن العراق لا يكون بتحويله إلى جبهة مفتوحة، ولا بجعل أراضيه منصة لإرسال الرسائل إلى الآخرين، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ووضع القرار الوطني فوق أي ارتباط خارجي.
فالسيادة ليست مجرد شعار يرفع في المناسبات، وإنما هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط والإملاءات. وحين تفقد الدولة هذه القدرة، فإنها تفقد تدريجيا ثقة شعبها ومكانتها بين الدول.
إن العراق اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن يستعيد هويته الوطنية ويعيد بناء علاقاته على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، أو يبقى أسيرا لمعادلة تجعل مستقبله معلقا بمستقبل نظام آخر خارج حدوده.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا الذي ينبغي طرحه هو: هل من الحكمة أن يربط مستقبل العراق بمصير نظام يعيش أزماته الخاصة ويواجه تحديات وجودية؟ أم أن مصلحة العراق وشعبه تقتضي التحرر من هذه الحلقة، والعودة إلى منطق الدولة والوطن؟
ما الفائدة التي جناها العراق من هذه الميليشيات ومن النظام الذي ترتبط به؟ إن الواقع يجيب بوضوح عن هذا السؤال؛ فالأوضاع لم تتدهور فحسب، بل وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها الحالة العراقية مثالا يستشهد به على فشل تحويل الدولة إلى ساحة نفوذ وصراع. والأمر الذي ينبغي التوقف عنده مليا أن البلدان الأخرى التي وقعت تحت تأثير ميليشيات مرتبطة بالنظام الإيراني انتهت إلى أوضاع مشابهة، حيث تراجعت فيها مؤسسات الدولة، وتفاقمت الأزمات، وأصبح القرار الوطني خاضعا لحسابات لا تمت بصلة إلى المصالح الحقيقية لشعوبها.
إن الشعوب لا تقاس قوتها بقدرتها على خوض الحروب بالوكالة، بل بقدرتها على حماية أوطانها وبناء مستقبلها. والعراق لن يستعيد عافيته إلا عندما يصبح قرار بغداد نابعا من بغداد، وعندما يكون ولاء القوى السياسية والأمنية للعراق أولا وأخيرا.
فالأوطان لا ينبغي أن تكون رهائن لمصائر الآخرين، لأن من يربط سفينته بسفينة تتجه نحو المجهول قد يجد نفسه غارقا قبل أن يدرك حجم الخطر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

607 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع